الأحد 19 مايو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

البطل الشعبى.. من فريد شوقى إلى أحمد السقا وبينهما عادل إمام




حسام عبد الهادى روزاليوسف الأسبوعية : 22 - 10 - 2011


«البطل الشعبى» لقب لا يمنحه الجمهور إلا لمن يستحقه من النجوم الذين من المفترض أن يقدموا أوراق اعتمادهم مسبقا كأبطال شعبيين من خلال أعمالهم التى لابد أن تصل درجة التماس فيها إلى قمة التفاعل فيما بينهم وبين جمهورهم، خاصة فيما يتعلق بمشاكلهم وهمومهم وقضاياهم، وهى المعطيات التى يحصل من خلالها الفنان على صك الاعتماد والثقة كبطل شعبى.
الوصول إلى لقب «البطل الشعبى» ليس سهلا، بل يحتاج إلى المرور على معامل التجارب وبوابات الاختبارات لتتأكد هذه المكانة التى يسكن بها قلوب من يعبر عنهم والذى من الضرورى أن ينجح فى الاقتراب من ملامحهم حتى يصبح «شبههم» وخاصة من البسطاء الذين اعتبروه واحدا منهم ومنحوه ثقتهم، أما الفنان الذى يخدع جمهوره ويحصل على هذه المكانة ثم يكتشفون زيفه سرعان ما يطردونه من قلوبهم شر طردة حتى لو وصل إلى قمة النجومية، بل إن الطرد فى هذه الحالة يكون قاسيا وبنفس درجة نجوميته. نحن أمام ثلاث حالات من ثلاثة أجيال مختلفة حققوا هذا اللقب منهم من حافظ عليه ومنهم من تعمد أن يفقده ومع سبق الإصرار والترصد،بعد أن خانه ذكاؤه وغير مبدأه بسبب المصلحة الشخصية دون الوضع فى الاعتبار أن الثبات على المبدأ من أهم مكونات الإنسان سواء كان شخصية عامة أو شخصية عادية خاصة إذا ما حاول الدخول فى لعبة السياسة. السياسة هنا تلعب دورا مهما فى تحديد شخصية البطل الشعبى حسب مدى ارتباطه بها، وهنا لا نريد أن نصدر أحكاما على الفنانين بإقصائهم عن السياسة وعدم الدخول إلى دائرتها، لكننا نطالبهم بالثبات على مبادئهم حتى لا يخسروا جماهيرهم بسبب آرائهم ومواقفهم المتخبطة وحتى لا يظهرون بفكر مهزوز يسىء إلى تاريخهم. البطل الشعبى هو نموذج يمثل نسيج المجتمع بمختلف طبقاته، خاصة من أبناء القاعدة الشعبية الذين يصنعون جماهيريته ونجوميته.
ما حدث الأسبوع الماضى ل «عادل إمام» أثناء تصوير مسلسله «فرقة ناجى عطا الله» فى لبنان يؤكد أنه فقد صورة البطل الشعبى، فبعد أن كان مرحبا به فى كل مكان يذهب إليه قبل ثورة 25 يناير رغم آرائه وتصريحاته المتكررة السابقة عن تأييده لمبارك ودعمه لتوريث جمال مبارك، إلا أن ردود الأفعال السلبية بالنسبة له لم تكن بنفس القوة ولا القسوة التى انفجرت فى وجهه عقب الثورة بسبب خروج آراؤه المتخبطة ما بين مؤيد لمبارك ومعارض للثورة فى البداية ثم انقلابه على مبارك وتأييده للثورة بعد ذلك، وهو ما جعله فى موقف لا يحسد عليه اضطر بسببه لوقف تصوير مسلسله «فرقة ناجى عطا الله» الذى كان من المفترض أن يعرض فى رمضان الماضى بعد أن استشعر رد فعل الجمهور تجاهه وخوفه من عزوفهم عن مشاهدة المسلسل مثلما حدث مع «تامر حسنى» فى مسلسل «آدم».
ما حدث ل «عادل إمام» فى بلدة «ضهور الشوير» بلبنان وخروجهم عن بكرة أبيهم وتصديهم له ولفريق المسلسل يؤكد أن أهالى البلدة البسطاء رافضون لسياسة عادل إمام وآرائه السياسية المتخبطة سواء تجاه ثورة 25 يناير المصرية أو الموقف المضاد من «حسن نصر الله» زعيم حزب الله اللبنانى، ومن المقاومة اللبنانية فى حرب يوليو ,2006 ضد إسرائيل وتأييده للتطبيع أحيانا ورفضه له أحيانا أخرى، كل هذه الأسباب هى التى دفعت أهالى بلدة «ضهور الشوير» لمنع عادل إمام من التصوير ورفضهم تقديم المساعدة لمن خذل شعبه سواء المصرى أو العربى الذى صنع نجوميته، نحن لا نرفض أن يكون للفنان موقف سياسى، ولكن عليه أن يظل ثابتا على موقفه على أن يتحمل تبعات هذا الموقف مهما حدث، وإن كان يريد أن يتجنب ذلك فعليه أن يكون محايدا أو ميالا للكفة الجماهيرية التى غالبا ما تكون هى الأصلح والأصوب، ومادام الفنان ارتضى لنفسه أن يكون الناقل الرسمى لهمومهم ومشاكلهم عبر الشاشة نظير ما يمنحونه له من شهرة ومكانة شعبية فعليه أن يسير على نفس موجتهم، مادام من صنيعتهم وأن شهرته وثروته هم سبب فيها وليحافط على البطولة الشعبية التى حارب وكافح من أجل الوصول إليها.
عادل إمام الذى خانه ذكاؤه لم يكن يتصور أن رد الفعل سيصل إلى هذه الدرجة ليس فقط داخل حدود الوطن، وإنما خارجه أيضا، كما لم يتصور عادل إمام أنه سيفتقد نسبة كبيرة من شعبيته بدليل أنه أغلق المسرح وأنهى عرضه المسرحى «بودى جارد» صحيح أنه آن الأوان ليغلقها بعد أن استمر عرضها لأكثر من 7 سنوات،بعد أن تذبذب فى الثلاث سنوات الأخيرة مستوى العرض وأصبح لا يزيد عن يومين فقط فى الأسبوع، وحسب كثافة الجمهور وإن كان هذا هو حال المسرح كله بسبب الظروف الاقتصادية ولكن عادل إمام كان حالة استثنائية فهو الذى حطم الرقم القياسى أثناء مباريات كأس العالم متحديا كل الظروف. عادل إمام الذى وصل ليس فقط إلى مكانة «البطل الشعبى»، وإنما امتد ل«الزعامة» باقترابه من أصحاب القرارات خسر كل شىء بآرائه المتخبطة وأفكاره الملتبسة وذكائه الذى خانه، وإن كنا نعتقد أن قربه من أصحاب القرارات وأصحاب الياقات البيضاء هو الذى أبعده عن القاعدة الشعبية ليرتفع عنهم فى برجه العاجى ولا يشعر بهمومهم وهو ما ظهر أيضا فى معظم أفلامه الأخيرة، وإن كنا لا ننكر أن عادل إمام قدم أعمالا تؤهله لأن يكون بطلا شعبيا وهى التى راهن فيها على مشاعر البسطاء مثل «الحريف» و«المولد» و«حتى لا يطير الدخان» و«المنسى» و«طيور الظلام» و«حب فى الزنزانة» و«اللعب مع الكبار» و«المشبوه» و«شمس الزناتى» وغيرها، لكنه مثل الذى صنع إلهاً من العجوة ثم أكله.
نفس الخطأ ارتكبه «أحمد السقا» الذى نصبه الجمهور بأفلامه التى اقتربت منهم ولامست قضاياهم وهمومهم بطلا شعبيا مثل «تيتو»، «مافيا»، «حرب أطاليا»، «أفريكانو»، «تيمور وشفيقة»، إبراهيم الأبيض» - رغم وجود بعض التجاوزات التى من الممكن أن نعترض عليها فى بعض هذه الأفلام إلا أنه فى النهاية كان فيها البطل الشعبى - وصولا إلى «الجزيرة» وجملته الشهيرة: «من النهارده مفيش حكومة. أنا الحكومة»، وهى التى أصبحت «لازمة» يرددها أبناء الشارع المصرى بعد أن اعتبروها نوعا من التنفيس ضد الحكومة، ورغم أن الجملة جاءت على لسانه لكونه تاجر مخدرات وليس بطلا قوميا، إلا أن الجمهور اعتاد دائما أن يقف مع مَنْ يكون ضد الحكومة التى ذاقوا على يديها المرار والفساد من منطلق أنه لا يفل الحديد إلا الحديد.
«السقا» الذى كان نموذجا وقدوة وبطلا شعبيا وأحبوه من خلال أدواره التى كانت قريبة من جمهوره الذى داعب ميولهم وطموحاتهم، خاصة وأن معظمهم من الشباب خسر الكثير من رصيده بعد أن خذلهم بتصريحاته التى خرج بها فى أعقاب الثورة مؤكدا حبه ل «مبارك» قائلا: «ده أبونا»، ولم يكتف «السقا» فقط بالتصريحات، بل راح يقود ثلاث مسيرات عند مسجد مصطفى محمود «مسيرات الفلول» أيام الثورة لدرجة أنه يوم التنحى بكى بكاء شديدا حزنا على مبارك.
وإن كان يحسب له أنه لم يغير موقفه ولا مبدأه ولم يلعب على الحبال مثلما فعل «عادل إمام» الذى خسر «الجلد والسقط» سواء المؤيدين للثورة أو المعارضين لها.
لا ننكر أن «السقا» سيظل يعانى من تصريحاته وموقفه لبعض الوقت، فالناس لم تعد تنسى بسهولة ولو نسيت من الصعب أن تغفر بسهولة ولو غفرت سيظل شىء ما عالقا فى الحلق يذكرهم بمرارة الموقف كلما تذكروه ولنفترض أن الجمهور نسي وغفر، فهل من الممكن أن يعيدهما إلى مكانتهما كبطلين شعبيين مرة أخرى؟!
الأمر يختلف تماما عند «وحش الشاشة» و«ملك الترسو» فريد شوقى الذى نصبه الجمهور بطلا شعبيا وظل محافظا على هذا اللقب حتى وفاته، فى لقاءاتى الكثيرة التى جمعتنى به رحمة الله عليه سألته عن سبب محافظته على اللقب رغم التحول الفنى الذى حدث له من «وحش الشاشة» إلى الأدوار الاجتماعية، وكانت الإجابة أن هذا التحول هو سر محافظته على اللقب لأنه عندما قدم أدوار «وحش الشاشة» التى كان يعتمد فيها على قوته البدنية كان الناس فى احتياج لهذه النوعية من الأدوار التى تعبر عنهم بل كانت تجعلهم يشعرون وكأن فريد شوقى يمثلهم ويعبر عن كل واحد منهم فى الدفاع عن حقه ونصرة المظلومين وانتصار الخير على الشر مثل أفلام «عنتر بن شداد» و«الفتوة» و«حميدو» و«رصيف نمرة 5» و«باب الحديد» و«جعلونى مجرما» و«الأسطى حسن» و«أمير الدهاء»، أما عندما قدم الأدوار الاجتماعية فكان ضروريا عليه بسبب السن أن ينتقل إلى مثل هذه النوعية من الأدوار حتى لا يفقد قيمته واحترامه لنفسه وفنه وأيضا لجماهيريته وهو ما لم يفعله عادل إمام بعد تقدم السن به، وظل متمسكا بأدوار «الهيرو» ومعبود النساء والمثير جنسيا حتى فى فيلمه الأخير «زهايمر».
فريد شوقى ظل البطل الشعبى حتى وهو يقدم الأدوار الاجتماعية التى لامست هموم الناس، مثل مسلسلات «الشاهد الوحيد» و«صابر يا عم صابر» وأفلامه «يا رب ولد» و«مضى قطار العمر» و«البؤساء» و«كلمة شرف» و«آه يا بلد آه».
فريد شوقى الذى كان محايدا فى آرائه السياسية لم يورط نفسه فى رأى يقلب عليه جمهوره أو يفقده رصيده الشعبى، بل كان حكيما فى آرائه، فهو أحب «جمال عبدالناصر» واحترم «أنور السادات» وتوسم خيرا فى «مبارك» فى بدايته الأولى، قبل أن يفسد ويفسد الحياة السياسية. وعندما فسد «مبارك» سكت فريد شوقى عن الكلام ولم يتاجر بتصريحاته طمعا فى مكاسب زائفة.
فريد شوقى كان بطلا شعبيا بمعنى الكلمة لأنه لم يقترب فقط من هموم الناس ويترجمها سينمائيا ولا من مشاعرهم ورغباتهم، وإنما نجح فى تغيير القوانين من خلال أفلامه فبسبب فيلم «جعلونى مجرما» صدرت الأوامر العليا من «جمال عبدالناصر» بتغيير القانون الذى كان يجعل السابقة الأولى وصمة عار فى جبين صاحبها مهما كان مظلوما، فتغير القانون ليمحوها من سجل صاحبها مادام لم يرتكب جريمة أخرى.