بلاغ للنائب العام وطلب إحاطة بالبرلمان
الاتحاد العام للمصريين بالخارج مؤسسة وطنية أم ملكية خاصة؟
صبحى شبانة
لم يُنشأ الاتحاد العام للمصريين فى الخارج ليكون مجرد جمعية أهلية أو إطار تنظيمى تقليدى، وإنما صدر بإنشائه القرار الجمهورى رقم 111 لسنة 1983 ليكون أحد أدوات الدولة المصرية فى التواصل مع ملايين المصريين المنتشرين حول العالم، والاستفادة من خبراتهم وعلاقاتهم الدولية وإمكاناتهم الاقتصادية، باعتبارهم أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة.
خلال أكثر من أربعين عامًا، تعاقب على رئاسة الاتحاد عدد من الشخصيات العامة والوزراء وكبار المسئولين، قبل أن يتولى إسماعيل أحمد على رئاسة الاتحاد منذ ما يقرب من ستة عشر عامًا، بعدما شغل لسنوات طويلة مواقع قيادية داخله.
اليوم، ومع اقتراب انتخابات مجلس الإدارة المقرر إجراؤها فى 18 يوليو، يعود الاتحاد إلى دائرة الجدل مرة أخرى، بعد تصاعد الاعتراضات الداخلية، وظهور مستندات ودعاوى قضائية وطلبات إحاطة برلمانية، تطرح جميعها تساؤلات حول الإدارة والحوكمة والانتخابات والتصرف فى أصول الاتحاد، ومدى استمرار قدرته على تمثيل أكثر من خمسة عشر مليون مصرى يعيشون فى أكثر من مائة دولة.
هذا التحقيق لا يصدر أحكامًا مسبقة، وإنما يضع أمام الرأى العام والجهات المختصة الوقائع والمستندات والتساؤلات المطروحة من أعضاء حاليين وسابقين بالاتحاد وعدد من أبناء الجاليات المصرية بالخارج.
أزمة تتجاوز الأشخاص
يرى عدد من أعضاء الاتحاد الحاليين والسابقين أن الأزمة لم تبدأ مع الانتخابات الحالية، وإنما تراكمت على مدار سنوات نتيجة اختلافات حول أسلوب الإدارة، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة تشكيل مجلس الإدارة، وحدود مشاركة أعضاء الاتحاد فى صناعة القرار.
ويؤكد أصحاب هذه الرؤية أن الاتحاد شهد خلال السنوات الأخيرة حالة من الجمود التنظيمى انعكست على حضوره بين المصريين بالخارج، وأدت إلى ابتعاد العديد من الكفاءات والشخصيات العامة عن المشاركة فى أنشطته، بينما استمرت الوجوه نفسها فى مواقع القيادة لفترات طويلة.
ويرى منتقدو الإدارة الحالية أن استمرار رئيس الاتحاد الحالى فى منصبه لما يقرب من ستة عشر عامًا، بعد سنوات أخرى قضاها أمينًا عامًا وعضوًا بمجلس الإدارة، لم يصاحبه توسع حقيقى فى قاعدة المشاركة أو تطوير جوهرى لآليات العمل، أو استعادة الاتحاد لدوره باعتباره المظلة الجامعة للمصريين بالخارج.
كما يذهب بعضهم إلى أن آليات اختيار القيادات داخل الاتحاد أصبحت تعتمد على دوائر محدودة من العلاقات والتحالفات، أكثر من اعتمادها على معايير الكفاءة أو التمثيل الحقيقى للجاليات المصرية.
انتخابات محل نزاع
من أكثر الملفات إثارة للجدل اللائحة المنظمة لعمل الاتحاد، إذ تكشف مستندات متداولة بين الأعضاء اعتراضات تتعلق بالمادة (33) من اللائحة، وما أُدخل عليها من تعديلات، ومدى استيفائها للإجراءات القانونية اللازمة، وما إذا كانت قد عُرضت على الجمعية العمومية بالشكل الصحيح.
ويعتبر عدد من أعضاء الاتحاد أن هذه اللائحة تمثل أساس الأزمة الحالية، لأن الانتخابات المقبلة ستُجرى وفق قواعد محل خلاف، وهو ما دفع بعض أعضاء مجلس الإدارة إلى اللجوء للقضاء.
فقد أقام نائب رئيس مجلس الإدارة أبوالنجا محمود المحرزى، وعضو المجلس محمد فريد محمد عزت، دعوى مستعجلة ضد الاتحاد ووزارة التضامن الاجتماعى، طالبا فيها بوقف الانتخابات المقرر عقدها فى 18 يوليو.
وتستند الدعوى، بحسب ما ورد فيها، إلى اعتراضات تتعلق بإجراءات تعديل اللائحة، وعدم إخطار وزارة التضامن الاجتماعى بها، وعدم عرضها على مجلس الإدارة أو الجمعية العمومية غير العادية، إلى جانب عدم إخطار الجهة الإدارية المختصة لتلقى وفحص طلبات الترشح واستيفاء شروطها.
ويرى مقدما الدعوى أن معالجة هذه الإشكاليات يجب أن تسبق إجراء أى انتخابات جديدة.
خطاب رسمى يثير التساؤلات
ومن بين المستندات المتداولة أيضًا خطاب رسمى يتعلق بأحد المرشحين لعضوية مجلس الإدارة فى دورة سابقة، يفيد بعدم موافقة الجهات المعنية على عضويته آنذاك، مع مطالبة الاتحاد باتخاذ الإجراءات اللازمة.
إلا أن الاسم ذاته يشغل حاليًا منصب المتحدث الإعلامى للاتحاد، كما تم ضمه إلى قائمة المرشحين فى الانتخابات المقبلة، وهو ما دفع بعض أعضاء الاتحاد إلى التساؤل حول طبيعة الإجراءات التى تمت لاحقًا، وما إذا كانت قد طرأت متغيرات قانونية أو إدارية تبرر هذا التغيير.
ولا يتعلق الأمر بإصدار أحكام، بقدر ما يتعلق بحق أعضاء الاتحاد والرأى العام فى معرفة الصورة الكاملة.
أين ذهبت أصول الاتحاد؟
يطرح عدد من أبناء الجاليات المصرية بالخارج تساؤلات حول مصير بعض أصول الاتحاد التى كانت تمثل جزءًا من موارده الاقتصادية.
ويشير هؤلاء إلى أن الاتحاد كان يمتلك فى ثمانينيات القرن الماضى شركة للمصريين بالخارج قيل إن رأس مالها بلغ نحو مائة مليون دولار، كما كان يمتلك أراضى بجمعية عرابى تم التصرف فيها عام 2023.
وتدور التساؤلات حول الأسس التى تمت وفقًا لها عمليات البيع، وما إذا كانت قد خضعت لتقييم مستقل وإجراءات حوكمة ورقابة مالية وإدارية تضمن الشفافية الكاملة.
مذكرة لوزارة التضامن
وتتضمن الأوراق المتداولة كذلك مذكرة موجهة إلى وزارة التضامن الاجتماعى، تطالب بالتدخل لإعادة النظر فى أوضاع الاتحاد، وإجراء مراجعة شاملة لملفاته الإدارية والمالية والتنظيمية، والتحقق من عدد من الوقائع التى يرى مقدمو المذكرة أنها تستحق الفحص من الجهات المختصة.
الملف يصل إلى البرلمان
ولم يعد الجدل مقتصرًا على أعضاء الاتحاد أو أبناء الجاليات المصرية بالخارج، إذ انتقل إلى مجلس النواب، بعدما تقدم النائب محمد محمود عبد القادر بطلب إحاطة طالب فيه بفتح ملف الاتحاد أمام الجهات الرقابية والبرلمانية المختصة.
وطالب النائب بمراجعة آليات الإدارة والحوكمة، وأسس التعيين والتجديد داخل مجلس الإدارة، ومراجعة الأصول والكيانات الاقتصادية المرتبطة بالاتحاد، وقياس مدى توافق أوضاعه الحالية مع معايير الشفافية والمساءلة ورؤية مصر 2030.
أين الاتحاد من خمسة عشر مليون مصري؟
ربما يبقى السؤال الأكثر أهمية هو: أين الاتحاد اليوم من ملايين المصريين المنتشرين فى أكثر من مائة دولة؟
فالمصريون بالخارج لم يعودوا مجرد عمالة مهاجرة كما كان الحال قبل عقود، بل أصبحوا رجال أعمال يقودون شركات عالمية، وعلماء فى أكبر الجامعات، وخبراء فى التكنولوجيا والاقتصاد والطب والهندسة والذكاء الاصطناعي.
وقد أثبتوا عمليًا حجم ارتباطهم بوطنهم، بعدما تجاوزت تحويلاتهم أكثر من 41 مليار دولار خلال عام واحد، فى رقم يعكس حجم مساهمتهم فى دعم الاقتصاد المصري.
لكن منتقدى أداء الاتحاد يتساءلون: هل نجح فى تحويل هذه القوة البشرية إلى قوة استثمارية؟ وهل أنشأ قواعد بيانات للكفاءات المصرية؟ وهل أصبح بيت خبرة للدولة فى ملفات الهجرة والجاليات؟ وهل يشعر ملايين المصريين بالخارج بأنه يمثلهم بالفعل؟
لحظة مراجعة
يرى كثيرون أن الأزمة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإعادة تقييم تجربة الاتحاد بأكملها، ومراجعة لوائحه، وتوسيع قاعدة المشاركة، واستعادة ثقة المصريين بالخارج، بما يتوافق مع رؤية مصر 2030.
ويؤكد أصحاب هذا الطرح أن القضية ليست صراعًا على المناصب أو الأشخاص، وإنما تتعلق بمستقبل مؤسسة وطنية أنشئت لتكون حلقة الوصل بين الدولة المصرية وأبنائها فى الخارج.
ويبقى السؤال الذى ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل يستطيع الاتحاد العام للمصريين فى الخارج استعادة دوره التاريخى، أم أن الوقت قد حان لإعادة هيكلته وبناء نموذج جديد أكثر قدرة على تمثيل ملايين المصريين حول العالم؟.

الاتحاد فى سطور
تأسس الاتحاد العام للمصريين فى الخارج عام 1983 بقرار جمهورى، بهدف توحيد الجهود وحماية الهوية الوطنية.
يُصنف الاتحاد كمؤسسة مجتمع مدنى (أهلية) غير هادفة للربح، ويخضع لقانون تنظيم العمل الأهلى فى مصر. ويُدار من خلال مجلس إدارة منتخب.
من المفترض ان يكون الاتحاد ذراع حماية لأبناء الوطن، ومكملًا للدور الدبلوماسى الرسمى فى تذليل العقبات القانونية والعمالية. كما يولى اهتمامًا خاصًا بربط الجيلين الثانى والثالث بهويتهم، عبر تنظيم برامج تثقيفية ودورات للأمن القومى بالتعاون مع المؤسسات السيادية.
الاتحاد كان يجب ان يكون حلقة وصل حيوية لدعم الاقتصاد القومى، ويعمل على تحفيز الاستثمارات، والترويج للأوعية الادخارية والمبادرات التيسيرية للمغتربين. .











