هاني لبيب
السفارة الأمريكية تعيد إنتاج المزايدات عن المسيحيين..
البحث عن فتنة !
بيان صدر عن السفارة الأمريكية، وتم تعديله. غير أن حساسية ما حدث بعد ذلك.. لا يمكن اختزاله فى أنه مجرد اعتراض على كلمة. وإنما باعتباره تعبيرًا عن تمسك المواطنين المصريين بحقهم السياسى والإنسانى فى تعريف أنفسهم، وصياغة هويتهم الوطنية وفق مرجعيتهم الدستورية وتجربتهم التاريخية الخاصة.
قبل وبعد التعديل
فى 16 يناير 2026، التقى البابا تواضروس الثانى بالمقر البابوى بالقاهرة «روبرت سيلفرمان» رئيس البعثة والقائم بالأعمال بسفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالقاهرة والسيدة يونج مى سيلفرمان ووفد من السفارة الأمريكية. وحسب البيان المنشور على صفحة المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى اليوم نفسه، قدم البابا خلال اللقاء نبذة عن الحضارة المصرية العريقة وما تتميز به من تاريخ ممتد وإرث ثقافى وإنسانى فريد، كما دار حوار حول التواجد القبطى فى الولايات المتحدة الأمريكية ودور الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى خدمة أبنائها هناك. ومن جانبه، أعرب السيد روبرت سيلڤرمان عن تقديره لحكمة قداسة البابا وقيادته، مشيدًا بما حققته مصر من إنجازات خلال السنوات الأخيرة. وفى الختام، وجه رئيس البعثة الأمريكية الدعوة لقداسة البابا لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية، فى ظل وجود أعداد كبيرة من المصريين المسيحيين هناك، وما تمثله هذه الزيارة من أهمية روحية ورعوية لأبناء الكنيسة للقبطية الأرثوذكسية فى المهجر.
وبحسب البيان المنشور على الصفحة الرسمية للسفارة الأمريكية فى 17 يونيو 2026. تناول اللقاء حيوية التراث القبطى المصرى، والتحسين فى أوضاع المسيحيين فى مصر، والروابط القوية التى تجمع بين الولايات المتحدة ومصر. كما أعرب القائم بالأعمال سيلفرمان عن شكره لقداسة البابا على استئناف رحلات الحج إلى القدس، مؤكدًا دعم السفارة الكامل لتوسيع برامج تدريب اللغة الإنجليزية الموجهة لشباب الكنيسة، والتى تفتح أبوابها أمام المسيحيين والمسلمين على حد سواء.
البيان السابق تم تعديله فى النص العربى من (والتحسن فى أوضاع الأقلية المسيحية فى مصر) إلى (التحسن فى أوضاع المسيحيين فى مصر)، وفى النص الإنجليزى من (The discussion touched on the vibrancy of Egypt>s Coptic heritage, improved conditions for Egypt>s Christian minority) إلى (The discussion touched on the vibrancy of Egypt>s Coptic heritage, improved conditions for Christians in Egypt).
دور السفارة الأمريكية..
أثارت كلمات البيان الصادر عن السفارة الأمريكية.. سجالًا سياسيًا ووطنيًا، ليس لكونه مجرد خلاف على الترجمة. ما نعلمه جيدًا، أن البيانات الدبلوماسية الرسمية لا تصدر بشكل عشوائى، ولا تكتب بعفوية. وهو ما يؤكد أن كلمات ومصطلحات بيان السفارة تخضع لمعايير دقيقة فى اختيارها.. لما تحمله من دلالات سياسية.. خاصة فيما يخص ملف المواطنين المسيحيين فى مصر، أو لما يترتب من تبعيات صدور البيان داخليًا أو خارجيًا حسب التوجيه والتوظيف.
البيان قبل التعديل.. يصف المواطنين المسيحيين المصريين بـ«الأقلية المسيحية فى مصر».
السؤال المنطقى هنا: من يملك سلطة تعريف مواطنين لأنفسهم؟ وهل يجوز لسفارة الولايات المتحدة الأمريكية أن تستخدم مصطلحًا له أبعاد قانونية وسياسية وإنسانية ووطنية.. يختلف مع منظومة الدولة المدنية المصرية.. خاصة بعد ثورة 30 يونيو؟!
مصطلح يتجاوز العدد..
يخطئ من يعتقد أن مصطلح «الأقلية المسيحية» يشير إلى العدد فقط.. لأنه حسبما تشير نظريات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، فإن تفسير مفهوم «الأقلية» لم يعد مجرد الوصف المقابل للأغلبية والأكثرية، بل أصبح مصطلحا مرتبطا بالعديد من الآليات الدولية الخاصة بحالة حقوق الإنسان، وهو ما يترجم عمليًا فى رصد الحريات الدينية من خلال التقارير والبيانات والإدانات وجلسات النقاش.. التى ربما يصل صداها إلى درجة فرض العقوبات.
الحقيقة التى يجب الالتفات إليها هى أن الدولة المدنية المصرية.. ترتكز على أن جميع المواطنون المصريون متساوون فى الحقوق والواجبات حسبما تنص منظومة المواطنة المصرية التى هى فى حقيقتها فلسفة الحقوق، ولا يوجد بها أى تخصيص لفئة أو تمييز لمواطن على حساب مواطن. كما أنها تمثل إطارًا مرجعيًا للمساواة والعدل بين كافة المواطنين المصريين بغض النظر عن النوع الاجتماعى (رجل أم امرأة)، والمرحلة العمرية (كبير أم صغير السن)، والانتماء الجغرافى (الريف أم الحضر، أو من أبناء النوبة أم أبناء البدو)، أو العقيدة الدينية (يهودى أم مسيحى أم مسلم أم غير ذلك)، والحالة الجسدية (من أصحاب البشرة البيضاء أم السمراء)، والحالة الاجتماعية (غنى وثرى ماديًا أم غير مقتدر)، والحالة الصحية (من الأشخاص ذوى الإعاقة أم من غيرهم). المواطنة هى فلسفة الإنسان.
خصوصية التجربة المصرية..
تشكلت الهوية الوطنية المصرية عبر تاريخها العريق قبل نشأة مواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان ضمن منظومة القانون الدولى. ولذا نجد أن النص الدستورى المصرى يقوم على فكرة «المواطن»، وليس على فكرة الجماعات. ولذا لا نجد فيه تقسيما أو محاصصة للمواطنين المصريين.. سواء المسيحيون أو المسلمون.
ولا يمنح أى حقوق أو أفضلية على أساس التصنيف الدينى، وإنما ترسخ نصوصه المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص.. باعتبارها المبادئ الحاكمة للعلاقة بين المواطنين المصريين والدولة.
ربما يرى البعض بحسن نية سياسية، أن الأمر لا يتجاوز مجرد كلمة فى بيان، وتم تعديلها. وهو افتراض يتجاهل أن اللغة فى الدبلوماسية الدولية ليست مجرد وسيلة للتواصل، ولكن وسيلة لصياغة مفاهيم ومصطلحات لها دلالات لإعادة إنتاج تصورات مغايرة عن المجتمع.. فتتحول مع مرور الوقت إلى مرجعية سياسية فى التعامل.
مواطنون ليسوا تحت الحماية والوصاية..
الجدل حول مصطلح «الأقليات» ليس جديدًا علينا، بل سجال دائر منذ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.. عندما تحول هذا المفهوم إلى مدخل الإمبراطوريات والدول الاستعمارية لتثبيت وجودها من خلال حماية الأقليات الدينية بشكل خاص، وتبرير تدخلاتها العسكرية والسياسية. وهو ما تنبهت له النخبة الوطنية ورفضته الكنيسة المصرية منذ البدايات. وهو ما وصل بالمجتمع المصرى لتبنى شعار «الدين لله والوطن للجميع» كشعار لثورة 1919.
رفضت النخبة الفكرية المصرية والدولة.. مصطلح «الأقلية» تاريخيًا، ولكن قبل ذلك رفضته الكنيسة الوطنية المصرية ورموزها عبر عقود طويلة. ولذا دائمًا ما حرص خطاب الكنيسة المصرية على انتمائه الكامل للدولة المصرية ومرجعيته لها. كما أذكر، أنه قد تم استدعاء الفكرة مرة أخرى بصورة أكاديمية وبحثية عندما نظم د. سعد الدين إبراهيم «عالم الاجتماع ورئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية» مؤتمرًا تحت عنوان «حقوق الأقليات فى الوطن العربى” خلال الفترة من 12 إلى 15 مايو 1994. وهو المؤتمر الذى لاقى جدلًا سياسيًا وثقافيًا واسعًا. واضطر لعقده بقبرص بعد حملة انتقادات واسعة اتهمته بإثارة النعرات الطائفية.
لعبة الأرقام..
السجال الذى دار على السوشيال ميديا.. استطاع استقطاب التعليقات والتعقيبات على الكلمة التى تم حذفها. ولم ينتبه أحد إلى عبارة خطيرة فى البيان.. تتحدث عن «التحسن فى أوضاع المسيحيين فى مصر». والأخطر منها فى شكر سيلفرمان للبابا على «استئناف رحلات الحج إلى القدس».
«التحسن فى أوضاع المسيحيين» هى عبارة تكرس مفهوم «الأقلية» المحذوف. وهو مفهوم يكرس لعبة الأرقام فى الحديث عن حقوق المواطن المسيحى المصرى وواجباته. وهى ضد منظومة المواطنة المصرية.. تلك المنظومة التى لا تعتمد على العدد والنسب بقدر ما تعتمد على ترسيخ قواعد المساواة والعدالة بين كافة المواطنين المصريين دون استثناء.. حتى لو اقتصر الأمر على مواطن مصرى واحد فقط لا غير. العدد هنا ليس له أى تأثير فى التمتع بالحقوق أو الانتقاص منها. وربما تكون فائدته الوحيدة هو سياق تحليلات المشاركة السياسية من خلال التصويت فى العملية الانتخابية.
أما مسألة شكر البابا على استئناف الرحلات إلى القدس هو أمر يتجاهل الموقف الوطنى وليس الدينى للكنيسة المصرية فى قضية إنسانية بالدرجة الأولى. كما يتجاهل عمدًا التجاوزات والاعتداءات التى تتعرض لها المقدسات المسيحية فى القدس بشكل مستمر من المستوطنين اليهود، مثل: كنيسة القيامة وكنيسة المهد فى بيت لحم ودير السلطان.. فى ظل تواطؤ وتجاهل واضح من السلطات الإسرائيلية.
نقطة ومن أول السطر
مصر.. بتاريخها العريق الممتد، لم تعرف فكرة الجماعات والأقليات. ولم يكن المواطنون المسيحيون المصريون يومًا خارج سياق الوطنية المصرية، ولم ينتموا لغيرها حتى فى أشد اللحظات التى واجهوا فيها أزمات وتحديات بقائهم وحرياتهم.
لا شك.. أن هناك ضغوطا ومشكلات.. تواجه المواطنين المسيحيين المصريين، ولكنها تظل فى إطار تحديات المجتمع ككل. وبالتأكيد ما حدث فى ترسيخ ثوابت الدولة المدنية المصرية بعد ثورة 30 يونيو هو أمر غير مسبوق تاريخيًا، ويظل هناك المزيد فى سبيل تأكيد المواطنة المصرية.










