القاهرة تخترق قضايا المنطقة المنسية
داليا طه
نجحت مصر، خلال الفترة الماضية، فى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية محورية، لا تكتفى بجهود الوساطة التقليدية فى إدارة الأزمات التى تشهدها المنطقة، بل تسعى للعب دور فاعل فى صياغة حلول لها، حيث جاءت الاجتماعات المكثفة التى شهدتها القاهرة على مدار الأسبوع الماضى لتؤكد للجميع أن استقرار الشرق الأوسط يبدأ من القاهرة.
ففى وقت تتزاحم فيه الأزمات الدولية الكبرى على أجندة القوى العالمية، وتستحوذ الحرب فى أوكرانيا والتوترات الآسيوية على جانب كبير من الاهتمام الدولى، تبدو منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، كأنها تواجه خطر تحول بعض أزماتها المزمنة إلى “قضايا منسية”، إلا أن التحركات المصرية على أكثر من مسار سياسى ودبلوماسى، كشفت أن ملفات مثل السودان وليبيا وغزة والقرن الإفريقى لا تزال تمثل أولوية استراتيجية، ليس فقط للأمن القومى المصرى، وإنما لاستقرار الإقليم بأكمله.
فمن اجتماعات خاصة بالسودان، إلى لقاءات الرباعى الإقليمى المعنى بالأزمة السودانية، مرورًا بالتحركات المكثفة بشأن غزة، وصولًا إلى متابعة التطورات فى القرن الإفريقى، بدت القاهرة كأنها تعيد رسم خريطة الاهتمام الإقليمى بقضايا كانت مهددة بالتراجع فى سلم الأولويات الدولية.
السودان.. الملف الأكثر إلحاحًا
ويعد الملف السودانى هو الأكثر حضورًا فى التحركات المصرية الأخيرة، فمع دخول الحرب بين الجيش السودانى وميليشيات الدعم السريع غير الشرعية، عامها الرابع، تتزايد المخاوف من تحول السودان إلى بؤرة صراع ممتد تهدد الأمن والاستقرار فى المنطقة بأسرها.
وشهدت القاهرة سلسلة من اللقاءات الثنائية والثلاثية التى يجريها وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطى مع عدد من المسئولين الإقليميين والدوليين، فى إطار الجهود المصرية الرامية إلى دعم الاستقرار فى السودان والمساهمة فى تسوية الأزمة السودانية.
وفى هذا السياق، تسعى القاهرة إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، باعتبارها الضامن الأساسى لوحدة البلاد ومنع سيناريوهات التفكك أو التقسيم التى شهدتها دول أخرى فى المنطقة.
صناعة القرار
ويرى محللون أن استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسى لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، على هامش الاجتماع الرابع للمجموعة الرباعية، أكد أن القاهرة أصبحت مركزا رئيسيا لصناعة القرار السياسى والتوافقات الإقليمية، وأن مصر تواصل أداء دورها المحورى فى إدارة ملفات المنطقة انطلاقا من مكانتها التاريخية وثقلها السياسى والدبلوماسى.
ويأتى دور الرباعى الإقليمى باعتباره منصة لتقريب وجهات النظر بين الدول الأكثر تأثرًا بالتطورات السودانية، وبحث سبل توحيد الجهود السياسية والإنسانية والأمنية، إذ تدرك القاهرة أن تعدد المبادرات الدولية والإقليمية خلال السنوات الماضية أسهم أحيانًا فى إرباك المشهد أكثر من تسهيل الحلول، لذلك تركز الدبلوماسية المصرية على فكرة «تنسيق المسارات» بدلاً من التنافس بينها، بما يضمن توجيه الضغوط الدولية نحو هدف واحد هو وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة.
فى هذا السياق، قال رامى إبراهيم، الباحث فى العلاقات الدولية، إن المجتمع الدولى، انشغل بالحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وتجاهل العديد من القضايا والملفات المهمة والتى لا تقل أهمية عن حرب إيران، بل أن هذه الملفات قد تزيد فى أهميتها وحلها يسهم فى تحقيق الاستقرار فى الشرق الأوسط، ومن هذه الملفات (غزة وليبيا والسودان) وتعمل مصر على إيجاد حلول وإعادة تسليط الضوء عليها مرة أخرى، ضمن دورها الريادى فى المنطقة.
وأضاف الباحث فى العلاقات الدولية، أن الأوضاع فى غزة تتفاقم يوما بعد يوم فقد استغلت إسرائيل إنشغال المجتمع الدولى بالحرب الأمريكية الإيرانية، وتوسعت فى قطاع غزة، حيث تم توسيع نطاق الخط الأصفر ليشمل 70% من القطاع، بما يعنى أن ما يتبقى من مساحة غزة 30% فقط، وهى لا تكفى لاستعاب السكان ما يجعلنا أمام أزمة أكثر تعقيدا، تتطلب المزيد من الجهود الدولية لتصحيح الوضع والوصول إلى تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين على خطوط الرابع من يونيو 1967.
وحول الملف الليبى، أكد رامى إبراهيم، أن الملف الليبى له طبيعة خاصة بحكم تعامل المجتمع الدولى مع الأمر والواقع فى البلاد بوجود حكومتين واحدة فى الغرب وهى منتهية الولاية، وحكومة فى الشرق، حيث تراجعت نسبيا الجهود المكثفة التى كانت تبذل من أجل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتوحيد مؤسسات الدولة وإخراج القوات الأجنية والمرتزقة من الأراضى الليبية.
الحفاظ على الوحدة العربية
وأكد رامى إبراهيم، أن مصر تتعامل مع الملفات ليس فقط بما يحفظ أمنها القومى، بل من واقع الوحدة العربية والإفريقية، فى إطار كونها دولة عربية تنتمى إلى إفريقيا، ففى الملف الليبى، تبذل جهود كبيرة للحفاظ على استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها وصولا إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتسضيف مصر اجتماعات اللجنة العسكرية «5+5»، واللجنة الدستورية «6+6» المشكلة من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة «الاستشارى» لوضع الإطار الدستورى اللازم لإجراء الاستحقاقات الانتخابية.
وفيما يتعلق بالملف السودانى، رأى الباحث فى العلاقات الدولية، أن الأزمة السودانية، قد تنظر لها بعض الدول من الناحية الإنسانية، وتأثيرها أكثر على دول الجوار السودانى، وعلى رأس هذه الدول مصر، كما أن المجتمع الدولى ينظر إلى ما يحدث فى السودان باعتباره صراع داخلى، وأن المكاسب التى قد تتحقق للدول الكبرى المهيمنة لا تقارن بمكاسبها ومصالحها فى ملفات أخرى تعتبرها ذات أهمية فى مجالات سياسية واقتصادية.
غزة.. حضور دائم
ورغم انشغال المنطقة بأزمات متعددة، فإن القضية الفلسطينية لا تزال حاضرة بقوة فى التحركات المصرية، حيث تنعقد المحادثات فى مصر بشأن التوصل لصيغة نهائية للتهدئة فى قطاع غزة، بحضور وفد من حركة حماس، وغياب إسرائيل عن المشاركة.
ليبيا.. دعم مسار الدولة
ورغم تراجع الاهتمام الإعلامى الدولى بالأزمة الليبية مقارنة بالسنوات السابقة، فإن القاهرة لا تزال تنظر إلى ليبيا باعتبارها إحدى القضايا المحورية المرتبطة بالأمن القومى المصرى، فحالة الانقسام السياسى والمؤسسى التى تشهدها ليبيا، وتأخر إجراء الانتخابات، واستمرار وجود جماعات مسلحة وقوى أجنبية على الأراضى الليبية، كلها عوامل تجعل الملف بعيدًا عن الاستقرار الكامل.
وقد وصف كبير مستشارى الرئيس الأميركى دونالد ترمب للشئون العربية والإفريقية، مسعد بولس، الاجتماع الأمريكى المصرى السعودى التركى الذى عُقد فى القاهرة بأنه «مثمر»، مؤكداً توافق الدول الأربع على دعم وحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها، وكذلك دعم خريطة الطريق الأممية.
وقال بولس إنه جرى مناقشة عدد من القضايا الإقليمية خلال الاجتماع الذى ضم وزير الخارجية المصرى بدر عبد العاطى، ووزير الخارجية السعودى فيصل بن فرحان آل سعود، ووزير الخارجية التركى هاكان فيدان.
وشدد على أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية فى ليبيا، مؤكداً أهمية البناء على ما وصفه بـ»إنجازات» الرئيس ترامب وجهوده لخفض التوترات وتعزيز الأمن والاستقرار فى المنطقة.
القرن الإفريقى.. متابعة حذرة
إلى جانب الملفات العربية التقليدية، يظل القرن الإفريقى حاضرًا فى الحسابات المصرية باعتباره منطقة شديدة الحساسية للأمن القومى المصرى، فالمنطقة تشهد تغيرات متسارعة، سواء فيما يتعلق بالصراعات الداخلية، أو التنافس الإقليمى والدولى المتزايد، أو القضايا المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية فى البحر الأحمر.
وتتابع القاهرة عن كثب التطورات فى دول القرن الإفريقى، انطلاقًا من إدراكها أن أى اضطرابات واسعة النطاق فى هذه المنطقة يمكن أن تنعكس على أمن الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد العالمية، فضلًا عن المصالح المصرية المباشرة.
كما ترتبط أهمية المنطقة بملفات استراتيجية أخرى، من بينها أمن البحر الأحمر وقضايا المياه والتعاون الاقتصادى مع الدول الإفريقية.
اللافت فى التحركات المصرية الأخيرة أنها لا تقتصر على إدارة الأزمات القائمة، بل تعكس توجهًا أوسع نحو منع تفاقمها قبل الوصول إلى مراحل أكثر خطورة.







