الثلاثاء 30 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من بكين إلى القاهرة..

الصين ترسم ملامح شراكة جديدة مع العالم العربى

 فى لحظة دولية تشهد تحولات متسارعة وإعادة تشكيل لموازين القوى العالمية، حملت جلسة حوارية داخل وزارة الخارجية الصينية بالعاصمة بكين العديد من الرسائل السياسية المهمة بشأن مستقبل الشرق الأوسط والعلاقات العربية الصينية، وذلك خلال لقاء جمع وفدًا حكوميًا وإعلاميًا مصريًا بمسئولى الخارجية الصينية بمناسبة الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين.



 

وخلال اللقاء، استعرض وانغ يى، مستشار إدارة شئون غرب آسيا وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية الصينية، رؤية بلاده تجاه تطورات المنطقة العربية والقضايا الإقليمية، كما سلط الضوء على مستقبل العلاقات المصرية الصينية وأهمية القمة الصينية-العربية الثانية فى ظل المتغيرات الدولية الراهنة.

سبعون عامًا من الشراكة

أكد المسئول الصينى أن مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين يمثل شهادة حية على نجاح نموذج فريد من العلاقات الدولية، يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل فى الشئون الداخلية وتحقيق المصالح المشتركة.

وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين تطورت من التعاون السياسى التقليدى إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والثقافة والإعلام والبنية التحتية والطاقة والتنمية المستدامة، مضيفا أن هذه العلاقة استطاعت الصمود أمام مختلف التحولات الدولية والإقليمية، وظلت نموذجًا للتعاون بين الدول النامية وللشراكة القائمة على الثقة السياسية المتبادلة.

وشدد على أن الذكرى السبعين لا تمثل مجرد مناسبة تاريخية، وإنما تعكس مسيرة ممتدة من العمل المشترك والتفاهم السياسى والتنسيق المستمر بين قيادتى البلدين، بما أسهم فى ترسيخ مكانة العلاقات المصرية الصينية كواحدة من أكثر العلاقات استقرارًا فى العالم النامي.

مصر.. الشريك الأول

وأوضح وانغ يى، أن مصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956، وهو القرار الذى وصفه بالتاريخى، نظرًا لما ترتب عليه من بناء جسور تعاون استمرت لعقود طويلة.

وأكد أن بكين تنظر إلى القاهرة باعتبارها شريكًا استراتيجيًا محوريًا فى المنطقة العربية والقارة الأفريقية، مشيرًا إلى أن العلاقات بين البلدين تجاوزت حدود المصالح الاقتصادية لتصبح شراكة ذات أبعاد سياسية وحضارية وثقافية واسعة.

وأشاد بمستوى الثقة السياسية بين قيادتى البلدين، مؤكدًا أن تبادل الرسائل بين الرئيس الصينى شى جين بينغ والرئيس عبد الفتاح السيسى بمناسبة الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية يعكس عمق هذه الشراكة ورسوخها.

وأضاف أن البلدين، باعتبارهما حضارتين عريقتين وعضوين فاعلين فى الجنوب العالمى، يمتلكان رؤية مشتركة تدعم السلام والتنمية والتعاون متعدد الأطراف، وتدفع نحو بناء نظام دولى أكثر عدالة وتوازنًا.

رؤية بكين للشرق الأوسط:

وخلال الحوار، استحوذت تطورات الشرق الأوسط على مساحة واسعة من النقاش، حيث أكد المسئول الصينى أن بكين تنظر إلى المنطقة باعتبارها إحدى الركائز المهمة للاستقرار والتنمية على المستوى الدولي.

وأشار إلى أن السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط تقوم على دعم الحوار السياسى والحلول السلمية واحترام سيادة الدول ورفض التدخل فى الشئون الداخلية، باعتبارها المبادئ الأكثر قدرة على تحقيق الأمن والاستقرار الدائمين.

وأضاف أن الصين لا تسعى إلى بناء تحالفات أو محاور متنافسة فى المنطقة، بل تعمل على تعزيز فرص التنمية والتعاون المشترك بما يخدم شعوب المنطقة، مؤكدا أن بكين ترى أن تحقيق الاستقرار الإقليمى يتطلب معالجة جذور الأزمات السياسية والاقتصادية، والعمل على توفير بيئة داعمة للتنمية المستدامة والازدهار المشترك.

فلسطين أولًا:

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، شدد المسئول الصينى على أن موقف بلاده ثابت وواضح ولم يتغير رغم كل التطورات التى شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

وأكد أن القضية الفلسطينية لا تزال تمثل جوهر قضايا الشرق الأوسط، وأن تحقيق السلام والاستقرار الحقيقيين فى المنطقة لا يمكن أن يتم دون تسوية عادلة وشاملة لهذه القضية.

وقال إن الصين تتمسك بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وتدعم حل الدولتين باعتباره الأساس الواقعى والقانونى لتحقيق سلام دائم وعادل، موضحا أن أى مبادرات أو ترتيبات جديدة فى المنطقة لا ينبغى أن تكون على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى أو على حساب إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

كما أكد استعداد الصين للعمل مع مصر والدول العربية وكافة الأطراف المعنية من أجل دفع جهود التسوية السياسية وتحقيق الأمن والاستقرار المستدامين فى المنطقة.

بعد زيارة ترامب:

وتطرق الحديث إلى نتائج الزيارة التى قام بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الصين، حيث أوضح المسئول الصينى أن اللقاءات التى جرت بين قيادتى البلدين تناولت عددًا من الملفات الدولية والإقليمية المهمة.

وأشار إلى أن من أبرز نتائج الزيارة تعزيز الاستقرار الاستراتيجى بين الصين والولايات المتحدة، وهو ما يمثل تطورًا إيجابيًا بالنسبة للاستقرار العالمى، لكنه شدد فى الوقت نفسه على أن هذا التطور لا يغير من ثوابت السياسة الصينية تجاه الشرق الأوسط أو القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن بكين تتعامل مع المنطقة وفق رؤية مستقلة تنطلق من مبادئها الدبلوماسية الراسخة.

وأضاف أن الصين ترى أن العلاقات المستقرة بين القوى الكبرى يمكن أن تسهم فى خلق بيئة دولية أكثر هدوءًا، تسمح بمعالجة الأزمات الإقليمية عبر الحوار والدبلوماسية بدلًا من المواجهة والتصعيد.

الصين والتحولات الجديدة فى الشرق الأوسط:

وفى ظل المتغيرات المتسارعة التى تشهدها المنطقة والتصعيد العسكرى الأخير، أوضح المسئول الصينى أن بكين تتابع عن كثب التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية فى الشرق الأوسط، وتؤمن بأن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل قد تفتح الباب أمام فرص جديدة للتعاون والتنمية إذا ما تم التعامل معها من خلال الحوار والتفاهم المشترك.

وأشار إلى أن الصين تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد، وليس مجرد منطقة ذات أهمية جيوسياسية أو مصدر للطاقة فقط، موضحًا أن العلاقات الصينية مع دول المنطقة تشهد تطورًا متزايدًا فى مختلف المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية.

وأضاف، أن السياسة الصينية تقوم على تشجيع الحلول السياسية للنزاعات، ودعم جهود التنمية وإعادة الإعمار، وتعزيز التعاون الاقتصادى باعتباره أحد أهم أدوات تحقيق الاستقرار طويل الأمد.

وأكد أن بكين تدعم كل الجهود الرامية إلى خفض التوترات الإقليمية وتعزيز الحوار بين دول المنطقة، انطلاقًا من قناعتها بأن الأمن لا يمكن أن يتحقق عبر المواجهات والصراعات، وإنما من خلال التنمية المشتركة والاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المتوازنة لجميع الأطراف.

القمة الصينية-العربية الثانية:

وحول القمة الصينية-العربية الثانية، أكد المسئول الصينى أنها تمثل محطة مهمة فى مسيرة العلاقات بين الجانبين، خاصة فى ظل التحولات الاقتصادية والسياسية التى يشهدها العالم.

 وأوضح أن القمة المرتقبة ستناقش سبل تعزيز التعاون فى مجالات الاقتصاد الرقمى والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا المتقدمة والبنية التحتية والأمن الغذائي.

وأشار إلى أن الصين تنظر إلى العالم العربى باعتباره شريكًا استراتيجيًا طويل الأمد، وأن القمة ستفتح آفاقًا جديدة أمام التعاون السياسى والاقتصادى والثقافى بين الجانبين.

شراكة للمستقبل:

وأكد المسئول الصينى أن القمة الصينية-العربية الثانية لا تستهدف فقط تعزيز التعاون السياسى، وإنما تسعى إلى بناء رؤية مشتركة للتعامل مع التحديات العالمية، وفى مقدمتها التباطؤ الاقتصادى العالمى، وأمن الطاقة، والتحول الرقمى، والتغيرات المناخية.

وأضاف أن الملفات الاقتصادية ستكون فى صدارة أجندة القمة، خاصة فى مجالات الاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر والابتكار الصناعى، كما ستناقش القمة سبل تعزيز التنسيق فى القضايا الدولية والإقليمية، بما يمنح الدول العربية والصين مساحة أوسع للتأثير فى القضايا العالمية والدفاع عن مصالح الدول النامية فى المحافل الدولية.

مصر ومبادرة الحزام والطريق:

وفى معرض حديثه عن آفاق التعاون المستقبلى، أشار المسئول الصينى إلى المكانة الخاصة التى تحتلها مصر ضمن مبادرة الحزام والطريق، التى تعد أحد أهم المشروعات الاستراتيجية التى أطلقتها الصين خلال العقود الأخيرة.

وأوضح أن الموقع الجغرافى الفريد لمصر، ووجود قناة السويس كأحد أهم الممرات الملاحية العالمية، يمنحان القاهرة دورًا محوريًا فى إنجاح المبادرة.

وأضاف أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أصبحت نموذجًا عمليًا للتعاون المشترك بين البلدين، ومركزًا مهمًا لجذب الاستثمارات الصناعية واللوجستية الصينية.

وأكد أن التعاون فى إطار المبادرة لا يقتصر على مشروعات البنية التحتية، بل يمتد إلى مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمى والطاقة النظيفة والتصنيع الحديث، بما يسهم فى دعم خطط التنمية المصرية.

شراكة تتجاوز الاقتصاد:

ورغم أن التعاون الاقتصادى يمثل أحد أبرز جوانب العلاقات الصينية العربية، فإن المسئول الصينى أكد أن الشراكة الحالية باتت أكثر شمولًا واتساعًا، فإلى جانب التجارة والاستثمار، توسعت مجالات التعاون لتشمل التكنولوجيا المتقدمة والابتكار الصناعى والتحول الرقمى والطاقة النظيفة والتعليم والثقافة والتبادل الإنساني.

وأوضح أن الصين تسعى إلى بناء شراكات تنموية حقيقية تحقق مكاسب متبادلة لجميع الأطراف بعيدًا عن منطق الهيمنة أو فرض الشروط السياسية.

القاهرة فى الحسابات الصينية:

وأكد المسئول الصينى أن مصر تحتل مكانة خاصة فى الرؤية الصينية تجاه المنطقة العربية وأفريقيا، مشيرا إلى أن الموقع الجغرافى الاستراتيجى لمصر وثقلها السياسى ودورها الإقليمى يجعلها شريكًا محوريًا فى العديد من المبادرات والمشروعات التى تنفذها الصين فى المنطقة.

وأضاف أن التعاون القائم فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة ومشروعات النقل والطاقة المتجددة يعكس حجم الثقة المتبادلة بين الجانبين.

 

من قناة السويس إلى الذكاء الاصطناعي:

واستعرض المسئول الصينى عددًا من المجالات الواعدة للتعاون بين البلدين خلال السنوات المقبلة، مشيرًا إلى أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى والاقتصاد الرقمى ستكون من أبرز محاور التعاون المستقبلي.

وأكد أن بكين تنظر إلى مصر باعتبارها شريكًا مهمًا فى دفع التحول الرقمى والتصنيع المتقدم، إلى جانب التعاون فى مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة والابتكار.

جسور الثقافة والإعلام:

كما حظيت العلاقات الثقافية والإعلامية باهتمام خاص خلال اللقاء، حيث أكد المسئول الصينى أهمية دور الإعلام فى تعزيز التفاهم بين الشعوب وتقديم صورة أكثر توازنًا عن مختلف التجارب التنموية.

وأشار إلى أهمية توسيع برامج التبادل الإعلامى والتدريب المشترك بين المؤسسات الصحفية والإعلامية فى مصر والصين، بما يسهم فى تعزيز التواصل الحضارى والثقافى بين البلدين.

رسائل من بكين:

وبدا واضحًا من مجمل التصريحات أن الصين تنظر إلى المنطقة العربية باعتبارها شريكًا أساسيًا فى عالم يتجه نحو التعددية القطبية، وأن بكين تسعى إلى تعزيز حضورها من خلال التنمية والتعاون وليس من خلال الصراعات أو الاستقطابات السياسية.

كما أكدت الرسائل الصينية أن القضية الفلسطينية ستظل فى صدارة أولويات بكين فى الشرق الأوسط، وأن حل الدولتين لا يزال يمثل الأساس الذى تنطلق منه أى رؤية صينية لتحقيق السلام فى المنطقة.

مستقبل مشترك:

فى ختام اللقاء، بدت الصورة أكثر وضوحًا: شراكة مصرية صينية تدخل عقدًا جديدًا من التعاون، وعلاقات عربية صينية تتجه نحو مستويات غير مسبوقة من التنسيق والتكامل.

ومع اقتراب انعقاد القمة الصينية-العربية الثانية، تبدو بكين عازمة على توسيع آفاق تعاونها مع العالم العربى، انطلاقًا من رؤية تقوم على التنمية المشتركة والاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المتبادلة. 

ومن داخل وزارة الخارجية الصينية، لم تكن الرسائل الموجهة إلى القاهرة والعالم العربى مجرد مواقف دبلوماسية تقليدية، بل عكست رؤية استراتيجية طويلة المدى ترى أن مستقبل العلاقات الصينية العربية لا يزال يحمل فرصًا واسعة للنمو والتأثير، وأن السنوات المقبلة قد تشهد مرحلة جديدة من التقارب السياسى والاقتصادى والحضارى بين الجانبين، بما يعزز الاستقرار والتنمية فى المنطقة والعالم.