بين الجماعة الإرهابية والدولة الوطنية:
أغانى الثورة مرآة لصراع الهوية
محمد شميس
أتذكر جيدًا تلك الفترة التى عاشتها مصر فى أعقاب ثورة 25 يناير 2011، حين كان المشهد كله مفتوحًا على احتمالين متناقضين: إمّا أن ننجح فى عبور لحظة تاريخية نحو دولة مدنية حديثة، أو ننزلق إلى إعادة إنتاج السلطة فى صورة أكثر انغلاقًا وحدّة. كان الحلم واضحًا وبسيطًا فى جوهره؛ ببناء دولة ديمقراطية تتسع للجميع، لا يُقصَى فيها أحدٌ بسبب فِكْره أو عقيدته أو مظهره، ويصبح الاختلاف فيها علامة صحة لا تهمة جاهزة.
لكن هذا الحلم، بدلاً من أن يتبلور، بدأ يتآكل تدريجيًا حين وجدنا أنفسنا أمام جماعة لا ترى الدولة بوصفها كيانًا جامعًا؛ بل بوصفها مساحة قابلة لإعادة التشكيل وفق مشروعها الخاص.
والأسوأ أن الخلاف لم يكن فقط على السلطة أو على إدارة الحكم؛ فهذه، رغم حدتها، تظل فى إطار السياسة الممكنة. يمكن أن تختلف مع حاكم، تعارضه، تغيّره عبر صناديق أو ضغط أو احتجاج؛ لكن الأزمة الأعمق كانت فى محاولة إعادة هندسة المجتمع نفسه، ومحاولة إجبارنا على هوية عفنة لا تعبر عن ثقافتنا.
كنا نتخيل مجتمعًا مدنيًا حقيقيًا، يعرف أن المصريين مختلفون بطبيعتهم: فى الثقافة، فى المزاج، فى التصورات الدينية، فى نمط الحياة، ومع ذلك يمكنهم العيش داخل عقد اجتماعى واحد، تحت دستور واحد وقانون واحد ومظلة وطنية واحدة؛ بينما كان الاتجاه الإخوانى يسير فى مسار مختلف تمامًا بتحويل (نحن المصريين) إلى (نحن الجماعة)، ثم إعادة تعريف البقية بوصفهم خارج الدائرة أو على هامشها.
ومن هنا تأتى الأزمة بتفكيك مفهوم المواطنة لصالح مفهوم الولاء التنظيمى؛ حيث يصبح الانتماء ليس للوطن؛ بل للفكرة. ليس للدولة؛ بل للجماعة.
ومع هذا التحول، يتحول الاختلاف الطبيعى إلى صراع وجود، وليس مجرد اختلاف آراء.
وكان أخطر ما فى هذا المشروع هو صناعة الخوف؛ فلم يكن الخوف مجرد حالة نفسية عابرة؛ بل أداة حكم. يتم تصوير المجتمع باعتباره على حافة الانهيار الدائم، وكأن كل محاولة للتغيير أو النقد أو حتى الاختلاف هى تهديد مباشر لكيان الدولة أو الدين أو الأخلاق. وفى المقابل؛ يتم تقديم الطاعة بوصفها الطريق الوحيد للنجاة.
وهكذا أصبح المواطن فى حالة قلق دائم، لا يثق فى مستقبله إلا إذا خضع بالكامل لرؤية واحدة ترضى مكتب الإرشاد.
وبَعد أن مَرّ عامٌ تقريبًا عاشه المصريون تحت هذا الضغط المُرَكّب، من ضغط سياسى، وضغط اجتماعى، وضغط نفسى لا يقل قسوة، بسبب محاولة فرض مناخ عام يقوم على الوصاية وإعادة تشكيل الوعى الجمعى.
ومن هنا يمكن فهم لماذا دخلت بعض الأغنيات فى قلب الصراع، وكيف تحولت الثقافة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة.
فأغنية مثل (إحنا شعب وإنتوا شعب) التى غناها «على الحجار»، كانت أكبر من عمل فنى؛ حيث بدت وكأنها تلمس منطقة حساسة فى هذا الجدل، لأنها تشتبك مع فكرة الانقسام مقابل فكرة الوحدة.
فعندما كتب الشاعر «د.مدحت العدل»: «رغم إن الرّب واحد.. لينا رَب وليكوا رَب»، فهو لا يقدم جملة شعرية فقط؛ بل يضع إصبعه على جوهر أزمة أعمق: من يملك حق تعريف الحقيقة؟ ومن يملك حق الحديث باسم المعنى الأعلى؟
هذه اللحظة تحديدًا كانت مزعجة؛ لأنها لم تناقش السياسة فى حدودها التقليدية؛ بل اقتربت من منطقة احتكار الحقيقة، واحتكار تفسير الدين، واحتكار تعريف من هو «الداخل» ومن هو «الخارج». ومن هنا جاء الهجوم الإخوانى عليها.
فخطابهم الدينى ليس مساحة رحبة للرحمة والتعدد؛ بل يتحول إلى سلطة تفسير واحدة، تُسقط على الواقع كحقيقة نهائية. وفى هذه الحالة، تصبح الجماعة وكأنها وسيط حصرى بين الإنسان والمعنى، وبين الفرد والله. ومع هذا التصور، تتراجع مفاهيم الرحمة والتعدد لصالح منطق الغضب، والفرز، والتصنيف الحاد.
ولهذا لم تكن المشكلة فى الإيمان ذاته؛ بل فى تحويل الإيمان إلى أداة سلطة.
وهو ما انعكس فى سلوكهم الفعلى على الأرض بالتشدد فى التعامل مع المختلف، وضيق فى تقبل الفنون، ونزعة لتكفير أو تخوين أو إقصاء غير المنتمين لأفكارهم، بالإضافة الى نظرتهم للإنسان والتى تختزله فى مظهره أو التزامه الشكلى، وليس فى إنسانيته الكاملة.
ولكل هذه الأسباب، تصبح الأغنية الوطنية أو العمل الفنى الذى يكرّس فكرة «الوطن الجامع» مصدر إزعاج؛ لأنه ببساطة يعيد تعريف الانتماء خارج حدود الجماعة. أغنية تقول إن الوطن يتسع للجميع، وإن الاختلاف لا يلغى المشاركة، تصبح فى مواجهة غير مباشرة مع خطاب يريد إعادة ترتيب الناس داخل تصنيفات مغلقة.
وتكررت الفكرة مع أعمال أخرى مثل (يا مصريين) التى غنتها «آمال ماهر» التى منعتها الجماعة بتدخلاتها؛ لأن كلماتها التى كتبها «تامر حسين» ولحنها «عمرو مصطفى» كانت تحث على الانتماء الوطنى للدولة، برسائل تحريضية واضحة ومباشرة، بينما الجماعة ترى مصر مجرد «طوبة» فى جدار حلم أستاذية العالم وكل هذه التخاريف التى يحلمون بها.
أمّا فى (بشرة خير)، غناء «حسين الجسمى»، فهى أكبر من مجرد أغنية تدعو للفرح؛ لأنها تحولت إلى خطاب مضاد ضد الانقسام، ضد الكآبة السياسية، وضد فكرة أن المجتمع يجب أن يُدار بالخوف كما كان يريد مكتب الإرشاد.
فى (بُشرة خير)، تحديدًا، تتحول اللحظة السياسية إلى طقس جماعى من الفرح، وهو ما يضرب مباشرة أى خطاب قائم على التعبئة بالخوف أو الانسحاب أو التحذير المستمر من المجتمع نفسه.
ومن هنا أصبح الصدام مع الجماعة الإرهابية أكثر وضوحًا؛ لأن تجربة مصر الحديثة، تاريخيًا، لم تكن تجربة إقصاء للمرأة؛ بل على العكس، كانت المرأة جزءًا من المجال العام فى التعليم والعمل والسياسة والفن. ولذلك جاءت أغنية مثل (نص الدنيا) التى غنتها «أنغام»، لتعيد تثبيت هذه الفكرة ببساطة شديدة: أن المرأة ليست هامشًا؛ بل نصفٌ كاملٌ من المجتمع، وشريكٌ فى البناء لا موضوعًا للوصاية.
ولم تتوقف أغانينا الوطنية بَعد إقصاء الإرهابيين من المشهد السياسى، وحتى هذه اللحظة نستمر فى الغناء عن مشاريعنا وعن أحداثنا المهمة التى يصنعها المصريون من دون جماعة الإخوان ومكتب إرشادهم!







