الفن والثورة
رباعية (الاختيار) وثيقة يونيو الدرامية
سهير عبدالحميد
لا يمكن التعامل مع مسلسل (الاختيار) بأجزائه الأربعة على أنه مجرد عمل درامى عابر قدّم للتسلية أو الترفيه؛ وإنما جاءت تلك الرباعية الدرامية كوثيقة فنية لمرحلة مهمة وخطيرة مرت بها مصر وعايشناها جميعًا لحظة بلحظة فى فترة من أهم وأخطر ما عشناه فى السنين الماضية بعد ثورة 30 يونيو، فقد سطر المسلسل فى أحداثه وقائع حقيقية وكشف مخططات كانت تحاك ضد مصر من جانب الجماعة الإرهابية؛ لإعادتنا لعصور الظلام من خلال تسجيلات حقيقية تم المزج بينها وبين المَشاهد الدرامية، وخلال السلسلة التى امتدت عبر أربعة أجزاء قدمت قصص بطولات لشهداء الجيش والشرطة الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لأماننا، كذلك الكشف عن مؤامرات رؤوس الشر ضد الشعب المصرى؛ حيث كان مبدأهم «يا نحكمهم يا نقتلهم».

رحلة المنسى
انطلق الجزء الأول عام 2020 بفريق عمل مميز ضم الكاتب «باهر دويدار» والمخرج «بيتر ميمى» ومجموعة من النجوم منهم «أمير كرارة» الذى جسّد الشهيد الأسطورة «أحمد صابر منسى» قائد الكتيبة 103 صاعقة، وشارك البطولة «أحمد العوضى» الذى كتب شهادة ميلاده كنجم بشخصية الإرهابى «هشام عشماوى» بجانب مجموعة من النجوم سواء الذين جسّدوا الأدوار الأساسية أو ضيوف الشرف فى كل حلقة، وقد استطاع المسلسل منذ حلقاته الأولى أن يصنع قاعدة جماهيرية فى الشارع المصرى وتفاعل مع أحداثه فى ظل تقديمه لوقائع حقيقية موثقه بفيديوهات لرحلة الجيش المصرى فى حربه ضد الإرهاب فى سيناء؛ خصوصًا فى الفترة التى أعقبت ثورة 30 يونيو، هذه الرحلة التى ضمت شهداء من الشرطة والجيش كان يتم عرض صورهم الحقيقية مع نهاية كل حلقة من المسلسل، وهذا ما دَعّم مصداقية الأحداث.
تناول الجزء الأول فكرة كيف يختار الإنسان طريقه سواء كان خيرًا أو شرًا، وهذا كان واضحًا من خلال خطين دراميين أساسيين؛ الأول رحلة الشهيد البطل العقيد «أحمد صابر منسى» وحربه ضد الإرهاب والعمليات التى كان يقوم بها فى سيناء للقضاء على البؤر الإرهابية التى كانت تهدد أمن مصر وسلامة شعبها. ومن هذه العمليات الثأر لشهداء كمين رفح الذى استشهد فيها 12 شهيدًا ما بين ضباط وجنود، كذلك القبض على عدد كبير من التكفيريين الذين ينفذون عمليات إرهابية خطيرة، وهذا جعلهم فى حالة ترصد لـ«المنسى» واعتبروه من ألد أعدائهم، واستشهد على إيديهم بعد قتال بينهم استمر أربع ساعات خلال موقعة «كمين البرث» عام 2017 وقدّم هو وزملاؤه نموذجًا مشرفًا للمقاتل المصرى عندما رفضوا الاستسلام وظلوا حتى آخر نفَس يقاتلون رافضين أن يتركوا الفرصة للتكفيريين لرفع عَلم داعش على الكمين حتى جاءت الإمدادات. وتعتبر حلقة معركة البرث واستشهاد «المنسى» ومعظم أفراد كتيبته هى ذروة الحلقات التى تفاعل معها الجمهور والتى نفذها ببراعة المخرج «بيتر ميمى» وفريقه.
الخط الدرامى الثانى هو خط «هشام عشماوى» الضابط السابق ورحلة تحوله حتى أصبح من أكبر العناصر االمتطرفة وانضمامه لجماعة أنصار بيت المقدس الإرهابية وقيامه بعمليات اغتيالات كثيرة خطط ودَبّرَ لها وكان أبرزها اغتيال النائب العام الشهيد «هشام بركات»، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية، كما نفذ عملية تفجير مكتب المخابرات الحربية فى الإسماعيلية، ونفذ عملية الهجوم على كمين الفرافرة الذى استشهد خلاله 26 ضابطا وجنديًا فى يوليو 2014، كما تطرّق المسلسل لهروبه إلى ليبيا حيث انضم للتكفيريين هناك وانتهى الأمر بالقبض عليه من جانب قوات المشير خليفة حفتر وتم تسليمه للسلطات المصرية ومحاكمته.
وبجانب الخطين الأساسيين لبطلى الاختيار قدم العمل الحياة الاجتماعية لأسر الضباط والتضحيات التى يقدمونها للبلاد مثل زوجة الشهيد «أحمد منسى» ووالدته وأطفاله كذلك القصص البسيطة لبعض الضباط والجنود الذين يستشهدون خلال الحرب ضد الإرهاب.
وقد ساهم وجود نجوم كبار فى بطولة (الاختيار 2) فى نجاح كبير للعمل لا يقل أهمية عن نجاح الجزء الأول، وعلى رأس هؤلاء النجوم «كريم عبدالعزيز» و«أحمد مكى» اللذان كوّنا ثنائيًا فنيًا ناجحًا خلال الأحداث بشخصيات «زكريا يونس» و«يوسف الرفاعى» ضباط الأمن الوطنى. أيضًا قدّم شخصية الشهيد «محمد مبروك» بنجاح كبير الفنان «إياد نصار» ومعهم «أحمد شاكر» فى شخصية الضابط الخائن «محمد عويس» والفنان «أحمد سعيد عبدالغنى» فى شخصية الشهيد «أحمد فايز» والفنان «أحمد رفعت» فى شخصية الشهيد «أحمد جاد»، أبطال معركة الواحات كذلك الفنان «أشرف عبدالباقى» الذى جسّد شخصية الشهيد اللواء «محمد جبر» مأمور قسم كرداسة. وعلى الجانب الإحوانى؛ جسّد الفنان «سامح الصريطى» شخصية الإخوانى «محمد كمال».
وقد سلط الجزء الثانى من (الاختيار) الضوء على أحداث وجرائم وعمليات إرهابية واغتيالات حدثت خلال الفترة من نهاية حكم الإخوان وثورة 30 يونيو حتى 2020 منها كواليس ما حدث داخل اعتصام رابعة والنهضة من جرائم وكيف كان يتم التخطيط لحالة الفوضى فى مصر ثم جاءت فترة فض الاعتصام فى رابعة والنهضة وتزامنت معها أحداث كرداسة وحرق الكنائس وأقسام الشرطة وعدد من العمليات الإرهابية التى حدثت خلال هذه الفترة مثل تفجير مديرية أمن القاهرة فى يناير 2014 والتفجير الذى حدث أمام جامعة القاهرة. كما تعرّض المسلسل لاستشهاد العديد من الضباط والقيادات الأمنية مثل اغتيال العقيد «محمد مبروك» المسئول عن ملف الإخوان وقضية هروب المساجين من سجن وادى النطرون والشاهد فى قضية التخابر التى تورط فيها قيادات تنظيم الإخوان الإرهابى.
ومن الخطوط المهمة التى تناولها (الاختيار 2) الحياة الخاصة لضباط الأمن الوطنى وعائلاتهم وكيف يعيشون ظروفًا صعبة ولا يتمتعون بحياة هادئة مثل الذى يتمتع بها المواطن العادى سواء الزوجة التى يستشهد زوجها، أو الأبناء الذين يستشهد والدهم أو حتى الطفل الذى يخرج للنور ولا يرى والده.
القرار
واستكمل مسلسل (الاختيار) فى موسمه الثالث بجزء حمل عنوان (القرار)، والذى ركز على كواليس فترة حكم الإخوان لمصر والمؤامرة التى كانت تدبّر لإغراق مصر فى الفتن والصراعات الداخلية والتهديد بحرق البلاد. كما تعرّض المسلسل لأزمة الإعلان الدستورى وما تبعه من احتجاجات وغضب شعبى، بجانب أحداث قصر الاتحادية وصولاً لحملة تمرد وكواليس أخطر 96 ساعة فى تاريخ مصر والتى انتهت ببيان 3 يوليو.
وقد ضم (الاختيار 3) مجموعة كبيرة من نجوم الصف الأول، فبجانب «كريم عبدالعزيز» و«أحمد السقا» و«أحمد عز» فى شخصيات ضباط الأمن الوطنى جسّد الفنان «ياسر جلال» ببراعة شخصية الرئيس «عبدالفتاح السيسي».
كما جسّد الفنان «أحمد بدير» شخصية المشير الراحل «حسين طنطاوى». وعلى مستوى جماعة الإخوان جسّد «صبرى فواز» الرئيس المعزول «محمد مرسى» و«خالد الصاوى» شخصية «خيرت الشاطر» و«عبدالعزيز مخيون» شخصية «محمد بديع» مرشد الجماعة الإرهابية.. كما جسّد «بيومى فؤاد» شخصية «سعد الكتاتنى».

رأس الأفعى
واستكمالاً لسلسلة (الاختيار) والأجزاء الثلاثة الأولى ولدراما بناء الوعى وتوثيق أحداث مهمة فى مرحلة من أخطر المراحل التى مررنا بها والتى لا نعلم الكواليس الخفية فيها؛ جاء الجزء الرابع من المسلسل الذى حمل عنوان (رأس الأفعى)، والذى كتبه «هانى سرحان» أيضًا صاحب توقيع الجزء الثانى والثالث من (الاختيار) تحت قيادة المخرج «محمد بكير»، وضم العمل مجموعة من النجوم، منهم «شريف منير» الذى جسّد بحرفية شديدة شخصية الإرهابى «محمود عزت» العقل المدبر والمرشد الحقيقى للجماعة الإرهابية، والفنانون «أمير كرارة» و«أحمد غزى» و«مراد مكرم» و«كارولين عزمى» فى شخصيات ضباط الأمن الوطنى، و«عمرو رمزى» الذى جسّد الإرهابى «يحيى موسى».
ويُعتبر مسلسل (رأس الأفعى) من أكثر أجزاء (الاختيار) حساسية؛ حيث رصد عبر 30 حلقة أحداثًا كثيرة، منها جهود جهاز الأمن الوطنى فى رصد تحركات العناصر الإرهابية وكشف الخلايا السرية والتنظيمات المسلحة وتتبع العقول المدبرة للعمليات الإرهابية وعلى رأسهم القيادى الإخوانى «محمود عزت» العقل المدبر داخل الجماعة الإرهابية والقائم بأعمال المرشد العام والمسئول الذى كان يدير الجماعة من وراء الستار بعد ثورة 30 يونيو وظل مختبئًا لمدة 7 سنوات حتى ألقت قوات الأمن القبض عليه فى أغسطس عام 2020 وهو مختبأ فى إحدى المناطق السكنية بالتجمع؛ حيث جاءت عملية القبض على «محمود عزت» والمسماة بعملية «رأس الأفعى» صدمة عنيفة وضربة قوية للتنظيم بعد القبض على أخطر عناصره وانهيار بنيته الداخلية.
ركز أيضًا المسلسل على دور النساء داخل الجماعة الإرهابية والعمليات السرية لهن ودورهن فى نشر الشائعات من خلال الحرب المعلوماتية مثل شخصية «سناء» التى جسّدتها الفنانة «هبة عبدالغنى» والتى كانت تقوم بتجنيد السيدات وهى زوجة أحد قيادات الجماعة الهاربين للخارج وألقت قوات الأمن القبض عليه.







