الثلاثاء 30 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من غزة ولبنان إلى إيران

كلما اقترب السلام أشعلت إسرائيل النار

تحاول إسرائيل إفشال مفاوضات الشرق الأوسط عبر تفجير الهدنات الثلاثة بسلسلة من الإجراءات الميدانية والسياسية العدوانية، التى تهدف إلى إفراغ الاتفاقيات من مضمونها، وتقويض الثقة بين الأطراف، وتضع الوسطاء أمام تحديات جديدة. وتظهر محادثات القاهرة وكأنها تسير فى مسارين متناقضين؛ الأول يفتح نافذة أمل عبر التفاهمات الأولية، والثانى يهدد بانهيار الجهود وتحول مباحثات لبنان إلى غطاء سياسى هش يبدو بلا معنى، إذ لا تمثل الشعب ولا تعكس الواقع الميدانى، وتضع الهدنة فى إيران أمام اختبار صعب بين خيار السلام الذى يتطلب التخلى عن أحد أهم أذرعها العسكرية أو الانزلاق إلى حرب بلا نهاية، لتبقى المنطقة أسيرة دوامة من الصراع المستمر.



 لغز «الخط الأصفر».. قضم الأراضى لإجهاض تفاهمات القاهرة

أقدم الجيش الإسرائيلى خلال الأسبوع الماضى على تحريك كتل ما يعرف بـ «الخط الأصفر» غربًا لمسافة تقارب 300 متر فى عدد من مناطق قطاع غزة، أبرزها حى التفاح شرق مدينة غزة. وهذا الإجراء، الذى يعد توسيعًا عمليًا لنطاق الاحتلال داخل القطاع، أثار ردود فعل غاضبة من حركة حماس التى اعتبرت أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الخطوات إلى إفشال محادثات القاهرة عبر استفزاز المقاومة وتفجير مسار المفاوضات.

حيث أوضح المتحدث باسم الحركة حازم قاسم، فى بيان رسمى، أن استمرار إسرائيل فى دفع الخط الأصفر غربًا يهدف إلى إحباط الجهود المبذولة لترسيخ وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن هذه التحركات العسكرية تأتى فى وقت حساس خلال جولات المحادثات التى استضافتها القاهرة، والتى تم التوصل فيها إلى مقاربات أولية بشأن عدد من القضايا الخلافية فى غزة، رغم أن طبيعة تلك المقاربات ما زالت غير معلنة، مما يعكس حساسية الملفات المطروحة على طاولة التفاوض.

فى المقابل, تستمر إسرائيل فى انتهاك بنود الاتفاق، إذ تواصل منع دخول كميات متفق عليها من المواد الغذائية، والأدوية، والإمدادات الطبية، ومواد الإيواء، والمنازل الجاهزة إلى القطاع، فضلًا عن عدم فتح المعابر كما نصت عليه التفاهمات السابقة. ويرى الخبراء أن إسرائيل تستخدم استراتيجية الخط الأصفر كأداة ضغط ميدانية وسياسية، إذ تمنحها السيطرة على مساحات إضافية وتفرض واقعًا جديدًا على الأرض، مما يضع المفاوضات أمام اختبار صعب ويهدد بانهيارها. وهذا التوسع يعيد إلى الأذهان تجارب مشابهة فى مناطق أخرى، حيث تحولت خطوط عازلة فرضتها إسرائيل إلى أدوات لتكريس الاحتلال وإعادة رسم الحدود، وهو ما يجعل المخاوف كبيرة من أن يكون الهدف النهائى هو تعطيل أى تسوية سياسية وإبقاء غزة فى حالة حصار دائم.

 شروط الليطانى.. خطة السيطرة وتكريس احتلال الجنوب

تبدو الشروط التى وضعتها تل أبيب مع لبنان أقرب إلى محاولة تكريس واقع الاحتلال بدلًا من التمهيد لانسحاب فعلي؛ فحسب التقارير العبرية، إسرائيل تريد فرض ثلاثة شروط أساسية؛ أولها إبعاد مقاتلى حزب الله شمال الليطانى، بالإضافة إلى تفكيك بنيته التحتية جنوب النهر، إلى جانب منح إسرائيل حرية مطلقة فى العمل العسكرى ضد ما تعتبره تهديدات. هذه الشروط تكشف عن رغبة إسرائيل فى إبقاء الوضع على ما هو عليه عبر فرض معادلة أمنية جديدة تعطل أى تقدم فى المفاوضات، كما أن الإصرار على الاحتفاظ بـ «شريط دفاعى» داخل الأراضى اللبنانية يعكس استراتيجية تهدف إلى تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة دائمة، وهو ما ينسف أى إمكانية لانسحاب كامل أو تسوية سياسية شاملة.

أما معركة تل على الطاهر شرق النبطية فقد تحولت إلى رمز لهذا التوجه، إذ تزعم إسرائيل أنها تحاصر مجمعًا تحت الأرض يستخدم كمركز قيادة لحزب الله، وترفض الانسحاب قبل القضاء على المقاتلين أو استسلامهم مع تدمير البنية التحتية هناك. هذا الإصرار العسكرى يوازيه خطاب سياسى يهدف إلى تعطيل أى تفاوض جدى، بحيث تبقى إسرائيل ممسكة بالأرض وتفرض شروطها الأمنية. الخلاصة أن إسرائيل لا تتعامل مع المفاوضات كمسار لإنهاء الاحتلال، بل كأداة لإدارة الأزمة وإطالة أمد السيطرة، بما يضمن لها بقاء الجنوب اللبنانى فى حالة فراغ سياسى وأمنى، ويحول دون أى اختراق دبلوماسى حقيقى.

 تمرد نتنياهو.. صدام التوجيهات الإسرائيلية والقرارات الأمريكية

تبقى الهجمات الإسرائيلية على لبنان أكبر العقبات أمام الاتفاق الإيرانى الأمريكي؛ إذ رغم التفاهم الذى توصل إليه المفاوضون على إنشاء منطقة فض نزاع فى لبنان للحفاظ على وقف إطلاق النار، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بعد يوم واحد من توقيع الاتفاق ليؤكد أن إسرائيل ستبقى فى منطقتها الأمنية ما دام الأمر ضروريًا لحماية الإسرائيليين من الجماعات المسلحة، وأضاف أن تعليماته وتعليمات وزير الدفاع للجيش واضحة ولم تتغير، وأن القوات الإسرائيلية فى جنوب لبنان تتمتع بحرية كاملة فى العمل لإحباط أى تهديد مباشر أو محتمل ضدها أو ضد سكان شمال إسرائيل دون أى قيود.

هذه التصريحات الاستفزازية والتحركات الميدانية دفعت رئيس البرلمان الإيرانى وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إلى التأكيد على أن سيادة لبنان على كامل أراضيه يجب أن تستعاد بالكامل، رابطًا نتائج المفاوضات الإقليمية بالتطورات السياسية والأمنية الأوسع فى الشرق الأوسط، فى الوقت الذى تواصل فيه الولايات المتحدة وإيران مناقشة البنود غير المحسومة فى التفاهم الإقليمى، بما فى ذلك الترتيبات الخاصة بوقف الأعمال العدائية على جبهات متعددة.

ورغم أن واشنطن قدمت بادرة حسن نية عبر سحب تفويضها الذى كان يمنح إسرائيل حرية العمل فى لبنان، حيث أفادت القناة 13 العبرية نقلًا عن مسئول إسرائيلى كبير أن الولايات المتحدة أبلغت تل أبيب بانتهاء هذا التفويض، إلا أن نتنياهو أصر على أن القوات الإسرائيلية ما زالت تتمتع بحرية كاملة فى الجنوب. وبحسب المصدر ذاته، أصدرت القيادة السياسية الإسرائيلية توجيهات رسمية للجيش تحدد نطاق التحركات المسموح بها والمحظورة داخل لبنان، الأمر الذى يؤكد وجود تناقض واضح بين الموقف الأمريكى الجديد والتمسك الإسرائيلى بالسيطرة الميدانية.

 

 العزلة الدولية.. تحذيرات أممية من استنساخ سيناريو غزة

برزت مواقف متعددة كشفت عن حجم القلق العالمى من سياسة إسرائيل العسكرية فى المنطقة، وشكلت صورة واضحة عن عزلة إسرائيل الدبلوماسية؛ حيث توالت الانتقادات ليس فقط من الدول العربية والشرق أوسطية، ولكن من آسيا وأوروبا وحتى من داخل الولايات المتحدة أيضًا، فى مشهد يعكس اتساع الفجوة بين سياسة إسرائيل العسكرية وبين تطلعات المجتمع الدولى إلى سلام واستقرار دائمين فى المنطقة.

حيث أكد وزير الخارجية الماليزى محمد حسن أن إسرائيل تعمل على تقويض جهود السلام بين الولايات المتحدة وإيران عبر استمرار الهجمات العسكرية رغم وجود مذكرة تفاهم من 14 بندًا، مشيرًا إلى أن إسرائيل لا تريد رؤية النظام والسلام فى الشرق الأوسط لأنها تسعى وراء مصالحها الخاصة، وأوضح أن ماليزيا ستواصل الضغط الدبلوماسى على إسرائيل من خلال منصات دولية مثل منظمة التعاون الإسلامى، والأمم المتحدة، وحركة عدم الانحياز، ومجموعة البريكس، ومجلس الأمن الدولى، داعيًا إلى ضغط دولى مستمر لوقف العدوان فى لبنان وإنهاء الفظائع فى غزة والتوغلات فى الضفة الغربية المحتلة.

وفى الولايات المتحدة، وجه نائب الرئيس جيه دى فانس توبيخًا مباشرًا للمنتقدين الإسرائيليين لاتفاق السلام المبدئى بين واشنطن وطهران، مدافعًا عن الاتفاق ومؤكدًا أن الرئيس دونالد ترامب هو الزعيم الوحيد الذى يبدى تعاطفًا مع إسرائيل فى هذه اللحظة، محذرًا تل أبيب من مهاجمة حليفها القوى الوحيد المتبقى.

أما فى أوروبا، فقد حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إسرائيل وحزب الله، مؤكدة أن سيادة لبنان يجب أن تحترم، وأن استقرار الشرق الأوسط يتطلب وجود لبنان قوى وذى سيادة، كما عبرت عن دعمها لجهود القيادة اللبنانية الرامية إلى نزع سلاح حزب الله، مشددة على أن إسرائيل مطالبة باحترام وحدة الأراضى اللبنانية وعدم المساس بها.