أكذوبة الإخوان
كيف فشلـــــــوا فى إدارة الدولة؟
أسامة رمضان
لم يكن عام حكم الإخوان لمصر مجرد فترة سياسية عابرة؛ بل كان اختبارًا حقيقيًا كشف عجز الجماعة وفشلها الإدارى الذريع، وعند تفكيك تفاصيل هذا العام الاستثنائى فى تاريخ مصر؛ نجد أن الجماعة وقعت فى فخ الفجوة الشاسعة بين أدبيات المظلومية والتنظيم السرى التى تربت عليها، وبين مقتضيات إدارة دولة بحجم مصر ومكانتها، وهو ما تجسّد فى أزمات حيوية طاحنة عجّلت بالنهاية الحتمية.
أزمة الكهرباء
وتُعَد أزمة انقطاع التيار الكهربائى النموذج الأبرز لغياب الرؤية التكنوقراطية لدى الجماعة؛ حيث لم يكن الأمر مجرد أعطال فنية عابرة؛ بل تمثل فى عجز تام عن إدارة ملف الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد وتوفير الاعتمادات المالية لها، ويذكر التاريخ السياسى فى هذا السياق التصريح الشهير لرئيس الوزراء آنذاك، هشام قنديل، عندما طالب المواطنين بتخفيف الأحمال عبر تجميع الأسْرة فى غرفة واحدة وارتداء الملابس القطنية، وهو موقف لم يعكس فقط العجز الفنى الفادح؛ بل عكس انفصالًا تامًا عن أدوات الإدارة الحديثة، وتحويل الأزمات الاستراتيجية للدولة إلى نصائح سلوكية بدائية، مما أفقد الشارع الثقة تمامًا فى قدرة هذا النظام على الطمأنة أو الحل، وتحولت محافظات مصر إلى ظلام دامس شل حركة المصانع والمستشفيات.
وارتبطت أزمة الكهرباء مباشرة بانهيار منظومة توزيع المواد البترولية فى الأسواق، فشهد الشارع المصرى ظاهرة طوابير السولار والبنزين التى امتدت لعدة كيلومترات أمام المحطات، مما تسبّب فى شلل مرورى تام وعراك يومى استنزف طاقة المواطن، وتمثل الاستدلال السياسى الأبرز على الفشل الإدارى هنا فى لجوء الحكومة آنذاك إلى حلول قاصرة ومسكنات وهمية، مثل الإعلان عن منظومة الكروت الذكية دون امتلاك البنية التحتية اللازمة لتنفيذها، مع استمرار الخطاب الرئاسى وقتها فى إلقاء اللوم على التهريب والمؤامرات دون تقديم بديل إدارى واحد يحل الأزمة، مما أدى إلى ارتفاع جنونى فى تكلفة النقل.
فقه إدارة الأزمات
من جانبها تقول د.وفاء على، أستاذ الاقتصاد والطاقة، إن عام الحكم الإخوانى يمثل تجسيدًا صارخًا لغياب «فقه إدارة الأزمات» والجهل التام بآليات تشغيل أسواق الطاقة النفطية والكهربائية فى دولة بحجم مصر.
وتضيف أستاذ الاقتصاد والطاقة؛ إن الأزمة لم تكن تكمن فى نقص الموارد الطبيعية للدولة المصرية بقدر ما كانت تكمن فى سوء الإدارة؛ والاعتماد على الحلول المسكنة والبدائية التى لا تليق بإدارة دولة.
انفلات أمنى
وعلى الصعيد الأمنى؛ علق د.مختار غباشى، نائب رئيس المركز العربى للدراسات السياسية والاستراتيجية قائلاً: عانت البلاد من حالة سيولة خطيرة وانفلات غير مسبوق هدد السلم العام خلال عام الإخوان، ولم يكن هذا الانفلات عفويًا؛ بل جاء نتيجة لرؤية الجماعة القائمة على التشكيك فى أجهزة الدولة الرسمية ومحاولة إضعافها.
وأشار إلى أن الإشكالية الكبرى فى عقلية نظام الإخوان تمثلت فى السعى لخلق أجهزة وميليشيات موازية تكون بديلة عن المؤسّسات الأمنية الشرعية، وهو ما ظهر جليًا فى غض الطرف عن منصات التحريض ومنابر التكفير، ومحاولات تقويض عقيدة الأمن القومى عبر فتح الحدود وتسهيل تغلغل العناصر المتطرفة فى عمق شبه جزيرة سيناء.
تخبط إدارى
ومن جانبه؛ يرى الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر والمحافظ الأسبق، أن عام الحكم الإخوانى كان كاشفًا لغياب مفهوم الدولة لدى الجماعة؛ حيث سيطر التخبط الإدارى والبدائية على المشهد العام.
وأوضح «فرحات»؛ أن إدارة الأزمات الحيوية مثل انقطاع الكهرباء ونقص الوقود؛ كشفت عن افتقاد التنظيم للكوادر التكنوقراطية المؤهلة لقيادة المؤسّسات الرسمية؛ حيث تم استبدال الكفاءة الوطنية بالولاء التنظيمى، وهو ما تسبب فى انهيار سريع لآليات اتخاذ القرار داخل أروقة الحكم.
الأزمات المعيشية
وفى سياق متصل؛ أكد المستشار خالد فؤاد، رئيس حزب الشعب الديمقراطى، أن الأزمات المعيشية الطاحنة التى عاشها المصريون فى عام الجماعة، وعلى رأسها شلل منظومة الطاقة والمواد البترولية، لم تكن مجرد أزمات اقتصادية عابرة؛ بل تحولت إلى طعنة مباشرة فى قلب السلم الاجتماعى والأمن القومى.
وأضح أن الفشل الإدارى للجماعة انعكس فى عجزها عن حماية الجبهة الداخلية؛ حيث تخلت السلطة عن دورها فى ضبط الأسواق وحماية المقدرات، واكتفت بالدفاع عن مصالح «العشيرة»، مما خلق فجوة هائلة بين الشعب والنظام، بظهور جبهة وطنية ساهمت فى إسقاط الجماعة.
إحلال عناصر التنظيم السرى
عمل التنظيم الإرهابى على السيطرة على مفاصل الدولة عبر إقصاء الكفاءات وتعيين أصحاب الولاء، حيث أكد الدكتور عفت السادات، وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس حزب السادات الديمقراطى، أن خطيئة الجماعة الكبرى تمثلت فى جهلها التام بالطبيعة الأنثروبولوجية والتاريخية للدولة المصرية.
ويشير «السادات»؛ إلى أن مصر عبر آلاف السنين هى دولة مؤسّسات راسخة ومركزية، لا تقبل فى بنيتها فكرة «الجسد الموازى» أو الهيمنة الأحادية، وبالتالى فإن محاولات الجماعة لتطبيق ما يسمى «عقيدة التمكين»؛ وإحلال عناصر التنظيم السرى فى مفاصل الإدارة والسياسة الخارجية والدبلوماسية، كانت بمثابة إعلان حرب على مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، مما عزل مصر سياسيًا وهز صورتها التاريخية فى محيطها الإقليمى والدولى خلال هذا العام.
ويضيف وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ؛ إن الإقصاء الذى مارسته الجماعة لم يكن مجرد رغبة فى الاستحواذ الإدارى؛ بل كان محاولة مستميتة لتغيير وجه مصر الثقافى والسياسى، وفرض هوية غريبة على النسيج الشعبى المتسامح؛ ولعل مشهد انفرادهم بكتابة دستور 2012، وإقصاء الأزهر والكنيسة والقوى المدنية كان بمثابة القشة التى كشفت عجزهم عن استيعاب مفهوم «الشراكة الوطنية».
«القيادة» و«القطيع»
وأوضح الدكتور رامى عاشور، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، أن الجماعة تعمدت إقصاء الكفاءات الوطنية ليس جهلًا فحسب؛ بل خوفًا ورعبًا منها؛ فالشخص الكفء بطبيعته يمتلك الوعى، ويميل إلى الجدال والنقاش العلمى، وبالتالى هو عنصر هادم لعقيدة «السمع والطاعة» العمياء التى يرتكز عليها التنظيم، لذا كان استبدال أهل الكفاءة بأهل الولاء الطائعين خيارًا استراتيجيًا للسطوة على مفاصل الدولة.







