الثلاثاء 30 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

صالون إحسان عبد القدوس سرديات جديدة حول 30 يونيو والمشروع الوطنى

الثورة لن تنتهى ويجب أن تستمر فى معركة الوعى

لم تكن 30 يونيو مجرد ثورة أطاحت بحكم عابر، بل كانت لحظة استرداد وطنٍ كاد أن يفقد بوصلته، خرج ملايين المصريين ليغلقوا صفحة مثقلة بالانقسام والارتباك، ويفتحوا أبواب الأمل أمام دولة استعادت هويتها وإرادتها.. واليوم، ونحن نحتفى بالذكرى الثالثة عشرة لتلك اللحظة الفارقة، تفتح «روز اليوسف» صفحاتها لتعيد إحياء روح 30 يونيو؛ روح الوعى التى هزمت التطرف، والإرادة التى انتصرت على الفوضى، والكلمة التى ما زالت تطارد ما تبقى من طيور الظلام.  



 

إذا كان عام الإخوان قد مثّل فصلًا معتمًا فى كتاب الوطن، فإن إرادة المصريين طوته سريعًا، لتبدأ حكاية أخرى عنوانها استعادة الدولة وبناء المستقبل. ومن هنا، نعيد قراءة سردية الثورة، باعتبارها مشروعًا وطنيًا غيّر مسار التاريخ.

شارك فى الندوة، عدد من السياسيين والمتخصصين، والأهم أنهم كانوا شهودًا على واحدة من أصعب الفترات فى عمر الوطن، وعلى رأسهم: -الدكتور عصام خليل، رئيس حزب المصريين الأحرار، عضو مجلس الشيوخ. -ثروت الخرباوى، الخبير فى شئون الحركات الإسلامية.

- عصام شيحة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

- محمد عبدالعزيز، عضو مجلس النواب السابق، أحد مؤسسى حركة تمرد.

سيناريوهات  مرعبة

ماذا لو لم تقم الثورة؟

عصام خليل: لو لم تقم هذه الثورة، ما كانت مصر موجودة كمصر التى نعرفها الآن كدولة.. الحقيقة، لم تكن الثورة لمصلحة مصر وحدها، بل كانت لإنقاذ المنطقة بأكملها من مخطط مدروس ومُموّل منذ سنوات لتدمير الهوية، هذه الهوية التى تمثل خطًا أحمر لكل مواطن مصرى، فقد كانوا يخططون لتكون مصر هى «الجائزة الكبرى» التى بسقوطها تسقط المنطقة، ولولا فشل مشروعهم لرأينا سيناريوهات مرعبة، نحن وقتها كنا نتحرك من نقطة «شبه دولة» منهارة المؤسسات، وعالميًا حطمت الثورة خططًا دولية لتقسيم المنطقة.

ثروت الخرباوى: الإخوان لم يكن لديهم مشروع لدولة، مشروعهم كان عابرًا للدول، هم لديهم مشروع لدولة الخلافة الإخوانية وليست الإسلامية. فبالتالى، هم يعتبرون أن مصر مجرد ولاية من ولايات هذا الوطن المستهدف عندهم.. مجرد ولاية، مجرد ضاحية من ضواحى هذا الوطن الذى يبحثون عنه. لذلك، حين قال مهدى عاكف «طظ فى مصر»، كان يقصد ذلك؛ لأن مصر لا تعنيه من قريب أو بعيد، هو تعنيه الدولة العظمى، الدولة الكبرى، فهو وغيره من الجماعة لديهم رؤية مختلفة عن رؤية الشعب المصرى للوطن.

عصام شيحة: ثورة 30 يونيو حافظت على الدولة الوطنية المصرية، المصريون أدركوا مبكرًا جدًا بحسهم التاريخى الكبير أن جماعة الإخوان تسعى لبناء دولة دينية فى مواجهة الدولة المدنية الوطنية الديمقراطية الحديثة؛ وأدركوا أن هذه الجماعة -منذ نشأتها فى مارس 1928 - هى جماعة وظيفية مهمتها الرئيسية والوحيدة هى أن تكون منغصًا للحياة المصرية، وشوكة فى رقبة الحكام.

 

 

 

محمد عبدالعزيز: كان التنظيم الإخوانى يدافع بكل قوة عن مشروعه وعن رؤيته، وعن «نحن نحمل الخير لمصر.. واسمعوا منا ولا تسمعوا عنا» وكل هذه الأحاديث التى كانت تبدو رومانسية وحالمة. وبمجرد أول أحاديث الرئيس المعزول محمد مرسى من توجيه خطابه لـ «أهلى وعشيرتي»، بدا أن هذه الجماعة لا تحكم مصر، بل هى تتخذ مصر مركزًا للوصول لأحلامهم ومخططاتهم، وبالتالى مصر لا تشغل بالهم كثيرًا، بل ما يشغلهم هو مستقبل التنظيم والجماعة لتنفيذ أهدافهم الكبرى، ليتحول كلامهم من «اسمعوا منا ولا تسمعوا عنا» إلى «موتوا بغيظكم» و«هنحكم 500 سنة».

 

البطل والمنقذ

كيف انطلقت الشرارة.. وهل كانت مخاطرة؟

عصام خليل: الحقيقة، كانت مخاطرة كبرى أقدمنا عليها بشجاعة، وكنا نرفع شعار «نكون أو لا نكون»، فالطريق لم يكن فيه خطى للرجوع، كنا نعلم أننا نواجه تنظيمًا يتغلغل فى مفاصل الدولة ولا نعرف وجهه الحقيقى، فلم تكن الثورة نزهة، حتى المؤسسة العسكرية وعلى رأسها فى ذلك الحين الفريق أول عبد الفتاح السيسى، كانت تعى ذلك وتحركت لحماية الشعب دون النظر للنتائج أو التبعات، فى ليلة 30 يونيو، كنا نقف فى مقر الحزب، لا نخشى على أنفسنا، بل كان رعبنا الأكبر ألّا تنجح الثورة.

هناك كواليس لم نعلن عنها من قبل؛ حين تم حرق مقر حركة «تمرد» فى شارع شامبليون، اتصل بى الدكتور أحمد سعيد (رئيس الحزب آنذاك) وأخبرنى أن هناك قلقًا على مصير ملايين الاستمارات التى نجت من الحريق ولا يعرفون أين يذهبون بها. فى الصباح التالى، أرسلت سيارات مغلقة تابعة لشركتى الخاصة، ونقلنا الصناديق بالكامل، وقلت: «اعتبر الاستمارات دى فى بطن الزير.. ما تقلقش»، وبالمناسبة بعض هذه الاستمارات ما زلت أحتفظ بها فى حوزتى حتى هذه اللحظة كشاهد تاريخى على إرادة الشعب.

ثروت الخرباوي: كنت أتوقع قبل 30 يونيو أن تحدث هذه الانتفاضة الشعبية بعد سنة أو أقل من سنة بسبب ممارسات هذا التنظيم ضد الشعب المصرى، فهذا أمر يدركه جيدًا من درس طبيعة الشخصية المصرية، فالشعب المصرى منتمٍ جدًا لوطنه وبلده  وأرضه، فالمصرى ليس كساق البامبو يمكن إزالته من أرضه ووضعه فى أرض أخرى، بل له جذور ممتدة وعمق حضارى محفور فى شخصيته. 

ومن هذا المنطلق، أجريت حوارًا صحفيًا بعد 15 يومًا من تولى محمد مرسى الحكم فى 2012 وحين سُئلت متى ينتهى هذا الأمر؟ أجبت يوم 30 يونيو 2013 سينتهى حكم الإخوان، وكررت نفس التصريح بعدها بـ 3 أشهر خلال حضورى أحد المؤتمرات بالكويت، فقد بنيت موقفى كالطبيب الذى يعالج الأورام السرطانية وتكون لديه القدرة على تحديد نسبة استفحال المرض، فأنا دارس للورم السرطانى الإخوانى، وأدرك أنهم سيحكمون مصر كما يحكمون التنظيم، ولن يكون لديهم إدراك بأن طبيعة حكم الدول تختلف عن التنظيمات، ولذلك فأكبر طاقة لديهم هى العام فقلت إن 30 يونيو 2013 سيكون الحد الأقصى لهم فى كرسى الحكم، بجانب أن هذه الفترة ستكون كافية جدًا لينتبه الشعب بأن هويته تُسرق وعقيدته الدينية يتم تزييفها، ويدرك أن الفارق كبير بين من يتاجر مع الله ومن يتاجر باسم الله للوصول للحكم. 

وأذكر يوم 30 يونيو فى طريقى لـ الاتحادية، كان أحد الأشخاص يهتف وسط الحشود «الشعب يريد إسقاط النظام»، قلت له: «لأ»، أخذت الميكروفون وقلت: «الشعب خلاص أسقط النظام»، فهذا كان حكمًا من الشعب، وهذا الحكم كان يحتاج قوة تنفيذية لتطبيقه، فبالتالى، لو لم يتدخل الفريق أول عبد الفتاح السيسى وقتها (وزير الدفاع)، لكانت هناك بحار من الدم، وحرب أهلية طاحنة كانت ستقوم فى الشارع المصرى، فكان لا بد أن تكون هناك قوة تنفيذية تنفذ الحكم، الجيش لم يفعل شيئًا من تلقاء نفسه، فقط انحاز لهذا الحكم واستجاب لإرادة الشعب.

عصام شيحة: قبل ثورة 30 يونيو، كان حوالى 60 % من الشعب المصرى من الشباب، وبالتالى نتحدث عن دولة فتية تسعى للانطلاق، لكنها فُوجئت بجماعة يدرك أغلب المصريون أنها تخلط الدين بالسياسة، وتنفذ أجندة أجنبية، وتسعى لتفتيت وتقسيم الوطن والقضاء على الوحدة الوطنية بين عنصرى الأمة، كل هذا دفع المصريين منذ اللحظة الأولى لرفض هذا الحكم؛ بل إنهم تعاملوا مع الإخوان كـ «سلطة احتلال»، وتأكدوا أنها جماعة سرقت السلطة فى لحظة ضعف مرت بها مؤسسات الدولة المصرية، بالاعتماد على قوى أجنبية ودعم من الصهيونية العالمية.

هذا الإدراك هو الذى دفع المصريين للخروج عن بكرة أبيهم، وأنا أتذكر جيدًا المشهد فلم يبدأ يوم 30 يونيو ولا 3 يوليو، بل بدأ يوم 26 يونيو؛ فقد كنت أقف فى ميدان طلعت حرب، ورأيت المصريين يخرجون عن بكرة أبيهم وكان أملهم فى استجابة القوات المسلحة لأنهم يدركون أنهم يواجهون جماعة متطرفة لن تتراجع عن أعمال عنف وإراقة دماء، ولأول مرة فى التاريخ، رأينا «الطبقة الوسطى» وحزب الكنبة ينزلون إلى الشارع لحماية هويتهم من الاختطاف. لولا 30 يونيو لتفتت مصر، ولأصبحنا الآن مثل دول كثيرة مدمرة فى محيطنا الإقليمى، لكن مصر كانت الصخرة التى تكسر عليها حلم الإخوان وحلم الصهيونية العالمية.

 

 

 

محمد عبدالعزيز: فى الأشهر الأولى من 2012 كنت عضوًا فى التيار الشعبى، وهو أحد الجهات المؤسسة لـ«جبهة الإنقاذ»، وقد اقترحت مع مجموعة من الشباب تنظيم مظاهرة لمحاسبة محمد مرسى على وعود الـ 100 يوم فى الحكم التى قطعها على نفسه، وكان اسمها «كشف الحساب»، وكان هذا أول اختبار للإخوان فى السلطة عن فكرة «إحنا منفتحون على الجميع وإحنا بنستمع إلى كل الآراء»، وبمجرد وصولنا ميدان التحرير كمجموعة شباب لا يرددون سوى «هذه أهداف الـ 100 يوم التى حددها مرسى بنفسه ولم يتحقق منها شيء»، فوجئنا بعناصر تنظيم الإخوان تهاجمنا من كل مداخل الميدان بكسر الرخام وبالعصى ووقعت اعتداءات مباشرة وإصابة عدد كبير من الشباب وتكسير للمنصة الرئيسية فى الميدان، حينها اتضح للجميع أن كل ما ردده الإخوان فترة الانتخابات لم يكن سوى بضاعة تشبههم وكذبًا ككل أحاديثهم. 

المحطة الثانية لكشف هذا التنظيم الإرهابى، كان الإعلان الدستورى الذى أصدره مرسى فى نهاية 2012، وعلى أساسه خرجت مظاهرات، وبالتزامن مع ذلك كان بداية تشكيل جبهة الإنقاذ، ففكرة أن يتحول مندوب مكتب الإرشاد فى الرئاسة «مرسي» إلى أنه الحاكم بأمر الله الذى لا راد لقضائه أو لقراره، بأن يكون فوق السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وقراراته محصنة لا يمكن الطعن عليها، فهذه أمور تضرب النظام الدستورى المصرى الذى تأسس في 1924 بناء على دستور 1923 والقائم على الفصل بين السلطات، وبالتالى ظهر جليًا أن الجماعة الإرهابية تريد أن نرجع للعصور الوسطى ما قبل الدولة الدستورية الحديثة، ومن هنا كان لا بد من أن يتحد الجميع لإسقاط هذا الحكم المتطرف.

المحطة الثالثة أو بالأحرى «الحادثة الثالثة»، وقد كانت محركًا لى بشكل شخصى وهى اغتيال الصديق الصحفى الحسينى أبو ضيف الله، فى ديسمبر 2012، والذى وثق بالتصوير اعتداءات عناصر جماعة الإخوان الإرهابية على مظاهرات أحداث الاتحادية، وجرى استهدافه برصاصة فى الرأس. فى هذه اللحظة أخذت عهدًا على نفسى أنه لا بد أن يحاكم هؤلاء القتلة المجرمون.

 تمرد».. كيف بدأت انتفاضة الشعب

محمد عبد العزيز: كانت الأزمة من يناير 2013 حتى مارس 2013، تكمن فى حالة عدم اليقين التى لدى قطاع كبير من الشعب المصرى فى صورة المستقبل، فقد بدأت المناوشات والاعتداءات مع كل تظاهرة ضد الجماعة، ووقعت أحداث عديدة مثل حصار المحكمة الدستورية، وحصار مدينة الإنتاج الإعلامى، والهجوم على الصحفيين والمثقفين والفنانين وغيرهم.

فى مطلع شهر مارس، كنت أجلس رفقة زملائى محمود بدر وحسن شاهين على أحد مقاهى وسط البلد، نفكر فى مخرج لهذه الأزمة، وكان تصورنا أننا بحاجة إلى طريق يذهب إليه الشعب المصرى للتعبير عن حالة الغضب -لا لخلقها-؛ وهنا استبق لأؤكد أن «تمرد» لم تكن تخلق حالة الغضب لدى الشعب المصرى، فالشعب كان مشحونًا بالغضب بسبب أفعال الإخوان.

وبالفعل جرى اقتراح أن يتم جمع استمارات لسحب الثقة من محمد مرسى، وكان هناك خلاف على الاسم؛ تم اقتراح «كارت أحمر للرئيس»، لكننا قررنا اختيار اسم من كلمة واحدة يسهل ترديده وهو: «إحنا هنعمل إيه فى الواقع؟ إحنا هنعمل تمرد على هذه الجماعة، وبالتالى أسميناها تمرد».

 

 

 

وعقب اختيار اسم الاستمارة جلسنا لوضع الصياغة؛ وتمت كتابة مجموعة صياغات ثم أحالها الزملاء لتنفيذها بلغة بسيطة جدًا يفهمها أبسط مواطن فى أبعد قرية، وكانت تلك الصياغة محل مراجعة من كثير من المثقفين بأن الصياغة تبدو «ركيكة»، وأبلغناهم أننا نقصد ذلك تمامًا؛ لأننا نستهدف الفئات الشعبية والبسيطة، فالنخب السياسية والمثقفة تقف ضد الإخوان من اللحظة الأولى لحكمهم. 

وفى يوم 28 إبريل 2013 أعلنا عن أول مؤتمر صحفى لجمع استمارات تمرد، وقلنا إننا نؤسس حركة تهدف إلى سحب الثقة من محمد مرسي. وكانت الفكرة الأولية لدينا أننا نستهدف جمع 15 مليون استمارة لتتجاوز عدد الـ13 مليونًا الذى حققه مرسى فى الانتخابات، وبالتالى تصبح الشرعية السياسية مهددة، وكان بيننا زميل من مؤسسى تمرد هو مصطفى السويسي؛ كان صاحب مقترح أن يكون نزول المواطنين يوم 30 يونيو.

فى 1 مايو 2013 كان أول يوم لجمع توقيعات المواطنين، حددنا ميدان التحرير، وطبعنا 7 آلاف استمارة، ونزلنا للتحرير كاختبار للفكرة، وخلال 40 دقيقة تم التوقيع على الاستمارات بالكامل، وكان هناك الآلاف يطالبون باستمارات للتوقيع عليها. ومن هنا بدأت دعوة تمرد لكافة القوى السياسية للمشاركة، وفى يوم 10 مايو وصلتنى دعوة من جبهة الإنقاذ - شباب جبهة الإنقاذ- للاجتماع معهم فى مقر حزب الوفد. وكان ذلك بحضور ممثلين عن عدد من الأحزاب وتم الاتفاق على أن تكون مقرات هذه الأحزاب فى المحافظات لجمع استمارات تمرد، وأن يقوم كل حزب بحسب طاقته المالية بطبع عدد من الاستمارات، وأن يتم التنسيق على برنامج المسيرات يوم 30 يونيو مع جبهة الإنقاذ.

كان لدى تخوف يوم 2 يوليو أن تنتهى مهلة الـ48 ساعة التى حددتها القوات المسلحة بالبيان الذى صدر 1 يوليو، لوضع خارطة طريق إذا لم تتفق القوى السياسية أو لم يتم تحقيق مطالب الشعب المشروعة، وهنا اقترحت أن نعقد مؤتمرًا صحفيًا يوم 3 يوليو صباحًا للتأكيد على أهمية استمرار الاحتشاد الجماهيرى، وقبل عقد المؤتمر بنحو ساعة تلقينا اتصالًا من القيادة العامة لوزارة الدفاع تدعونا لاجتماع الساعة 2 مساءً مع القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسى دون أى زيادة فى المعلومات، وكان هذا أول تواصل معنا من القوات المسلحة، وهنا أذكر تلك الواقعة تفصيلًا أننا تلقينا اتصالًا من رقم أرضى فلم نجب عليه، فتواصل معنا الزميل زكى القاضى وقال: «ردوا على تليفوناتكم بشكل عاجل فى مكالمة مهمة»، وعند الرد وجدنا أنها مكالمة من القيادة العامة للدعوة للاجتماع، وبالفعل كنا أول الواصلين يوم 3 يوليو.

 

 

 

 

المواجهة مستمرة

هل أهداف الثورة لا تزال مستمرة؟

ثروت الخرباوى: ثورة يونيو لا ينبغى أن تنتهى أبدًا؛ لأن الصراع ضد الثورة قائم منذ أن قامت الثورة، ومنذ أن أصبح الجيش هو المنفذ لإرادة الشعب، الشعب المصرى حين خرج فى 30 يونيو وصولًا إلى 3 يوليو، كان يصدر حكمًا وهو أول حكم لا يصدر من القضاء، لكن يصدر باسم الشعب بإنهاء حكم الإخوان.

عصام خليل: الحقيقة التى يجب أن نواجهها هى أن المجتمع المصرى تعرض لعملية «نحر» ممنهجة فى الشخصية المصرية، وهو ما نلمسه الآن فى بعض الظواهر المجتمعية الغريبة تمامًا عن قيمنا وأعرافنا، من هنا تأتى حتمية استمرار الثورة، وهى لم تقم لمجرد مواجهة فكرة «الإخوان» فحسب، بل قامت للحفاظ على الهوية والعادات والتقاليد المصرية الأصيلة، ولا بد أن نعترف بأن ثقافة التعليم، وثقافة العمل، وحتى ثقافة الحوار وتقبل الآخر قد تضررت كثيرًا فى العقود الماضية. أى موضوع يطرح اليوم يتبعه انقسام مجتمعى حاد وتطاول، وهذا ليس من شيمنا.

فخطورة الموقف تكمن فى أن البعض يظن أن المعركة انتهت بمجرد أننا «مريحين» الآن. لكن من واقع معرفتى بطبيعة جماعة الإخوان، فهم «يكمنون ولا يموتون». هم موجودون، ونجحوا تاريخيًا فى التغلغل فى مفاصل الدولة والنقابات منذ عهد الرئيس الراحل مبارك عندما تهاون معهم، فالأشخاص قد يتوارون، لكننى أتحدث هنا عن «الفكر» نفسه الذى ما زال كامنًا.

الثورة يجب أن تستمر كحالة وعى دائم، لأنها للأسف الآن تخفت تدريجيًا، ولا نتذكرها إلا يومًا واحدًا فى السنة، وهو يوم 30 يونيو.

عصام شيحة: لا بد من إدراك حجم المخاطر التى أحاطت بنا، وأهمية هذه الثورة التى بنت جمهورية جديدة واستثمرت فى الحريات العامة؛ بدءًا من دستور 2014، والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وتحويل السجون إلى مراكز للإصلاح والتأهيل، وصولًا لتكريم المجتمع المدنى فى 2022.

هذه الإنجازات دافعنا عنها وترافعنا لأجلها أمام المنظمات الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، وفى الأمم المتحدة. لقد كشفنا للعالم كله قيمة هذا الشعب، وجعلنا العالم يدرك -بما فيهم الأمين العام للأمم المتحدة نفسه- أن ما حدث كان ثورة شعبية بإرادة مصرية خالصة، وليس انقلابًا كما كانت تدعى الجماعة كذبًا، ونحن فى المنظمة المصرية دفعنا ضريبة قاسية جدًا بسبب هذا الموقف الوطني؛ لأننا حين أصدرنا تقريرنا الحقوقى حول أحداث «رابعة والنهضة»، اتخذت المنظمات الدولية والجهات المانحة موقفًا ضدنا وقطعت الدعم. لكننا كنا مدركين تمامًا أن البقاء للوطن، وأن واجبنا هو الحفاظ على وحدة هذا البلد.

 

 

 

من الوهم أن نظن أن الثورة كانت فقط للتخلص من الجماعة؛ نحن تخلصنا من القائمين عليها ولكننا لم نتخلص من فكرها بعد. وما زلت أؤمن بأن الفكر يجب أن يُواجه بالفكر، وهذا لا يتأتى بتجديد الخطاب الدينى الفردى، وإنما بتجديد الخطاب الثقافى والسياسى، فنحن بحاجة إلى ثورة فكرية شاملة، لا نريد الانغلاق على أنفسنا وتوهم أن صراعنا ينحصر مع الإخوان، بل صراعنا الحقيقى هو من أجل التحضر والمدنية والوطنية والتقدم، وإعادة بناء الإنسان المصرى قبل البنية التحتية.

 

سردية  الثورة المطلوبة

من يكتب مشروع ملحمة الثورة؟

عصام خليل: أطالب من خلال «روز اليوسف» أن تُدرج سردية أحداث ثورة 30 يونيو فى مناهج التعليم والدارسة؛ فمن الضرورى جدًا أن تنشأ الأجيال القادمة التى لم تعش تلك الحقبة وهى واعية تمامًا بما جرى. وبجانب التعليم، نحن بحاجة ماسة إلى القوة الناعمة؛ فللأسف، لم نشهد حتى الآن عملًا فنيًا سينمائيًا واحدًا أو أفلامًا وثائقية كافية تؤرخ لتلك الثورة -باستثناء مسلسل «الاختيار» بالطبع- نحن بحاجة لأفلام يخرج فيها شهود العيان ليحكوا بالتفصيل ما حدث. الأعمال الفنية تدخل كل بيت وتؤثر فى الوجدان، وهى كفيلة بجعل الشباب يعيشون تلك التحديات.

فنحن الآن نمر بالمرحلة الأصعب وهى «بناء الإنسان المصري»، التى هى جوهر «الجمهورية الجديدة».

عصام شيحة: نحن بحاجة إلى ما هو أبعد من المناهج والمسلسلات؛ فيجب إجراء حوارات مباشرة مع الشباب والأجيال الجديدة لتعزيز قيم الانتماء، وإعادة إحياء تفاصيل مهمة كتحية العلم والاهتمام بمادة التاريخ. ورغم أن البعض يرى أن تقييم الثورات يحتاج إلى عقود، إلا أننا محظوظون بوجود رموز تاريخية عاصرت الأحداث وما زالت على قيد الحياة. ومن هنا، أطالب بضرورة توثيق شهادات كل من شارك فى هذه الثورة حماية للتاريخ.

ثروت الخرباوى: هذا يتطلب تفعيلًا لدور الإعلام، الفن، وزارة التعليم، ووزارة الشباب والرياضة، المؤسسات الثقافية، فالمثقفون المصريون يمثلون عنصرًا فاعلًا فى هذه الثورة، كما ظهر فى اعتصامهم ضد وزير الثقافة فى عهد محمد مرسي.

نحن لا نحتاج فى المواجهة إلى الكم بل إلى الكيف، وهذا للأسف أصبح الواقع، فهناك من يقوم بدوره فى مواجهة الإخوان بمنطق الوظيفة، وهناك آخرون يقومون بذلك بمنطق وطنى وهذا ما نحتاجه.

وهنا سأطرح تساؤلًا هل يعتقد أحد أن الإخوان ينفذون تكليفاتهم بمنطق أنهم موظفون لدى المرشد؟ الإجابة لا.. فهى عقيدة لديهم تحركهم –حتى وإن كانت مشوهة- فوفقًا لتلك العقيدة يذهب الشاب منهم لتفجير نفسه، فهو مؤمن بهذا، وأنه سيذهب لتناول الإفطار فى الجنة.. هذه هى عقيدته.

وبالتالى إذا تمت مواجهة هذه العقيدة بمنطق وظيفى لن نستطيع مواجهة هذا الفكر المتطرف، لذلك نحتاج الكيف فى المواجهة وليس الكم.

محمد عبد العزيز: قولًا واحدًا الشعب المصرى بالكامل، هو صاحب هذا الانتصار، الذى لولاه ما كان لأحد أن يطيح بتلك الجماعة الإرهابية، وهنا يأتى دور النخب السياسية بإنارة الطريق، وليس الوصاية على إرادة الشعب. فالتنوير ونشر الوعى لا بد أن يكون الشعب شريكًا فيه.

الأزمة أننا على مدار الـ 13عامًا الماضية أصبحنا نحارب الإرهابيين وليس الإرهاب، نحارب تنظيم جماعة الإخوان وليس فكره، وهذه هى الأزمة الرئيسية فنحن بحاجة إلى مراجعة استراتيجية التعامل مع الإخوان. 

إننا بحاجة إلى بناء مشروع وطنى مؤمن بالدولة المدنية الدستورية الحديثة، داخل هذا المشروع أحزاب قوية، مجتمع مدنى قوى، حرية رأى وتعبير، فهذا هو الضامن والحامى حتى لا يرتد مشروع الإخوان.

وهذه مسئولية مشتركة بين الدولة فى المقام الأول، وبين الأحزاب والقوى السياسية، والإعلام والصحافة، والمجتمع المدنى.

 

 

 

 

تفكيك العقل الإخوانى

لماذا يجب أن تنتبه الأجيال الجديدة؟

ثروت الخرباوى: إن ما نواجهه اليوم من «كتائب إلكترونية» ليس وليد الصدفة، بل هو تطوير لأدوات قديمة جدًا استخدمتها الجماعة، لو عدنا بالذاكرة إلى فترة التسعينيات سنجد أن الجماعة كانت تعتمد على استراتيجية «الخلايا الكامنة». هؤلاء أفراد يتم استثمارهم وتوجيههم ليعملوا فى صمت وخفاء، بحيث لا يُرى ولا يُشعر بأحدهم، لكنهم يبثون السموم والشائعات لتغييب الوعى بالتدريج.

​فى التسعينيات، كانت الخطة تعتمد على «بريد القراء» فى الصحف القومية الكبرى مثل الأهرام، الأخبار، والجمهورية. كان التكليف الصادر لعناصرهم هو كتابة مئات الخطابات المكثفة -تصل أحيانًا من 250 إلى 300 جواب دفعة واحدة- تدور كلها حول شكوى أو أزمة مفتعلة فى قطاع الصحة أو الأدوية أو غيرها، وبسبب كثافة الإلحاح وتعدد الأسماء، كانت الصحيفة تقع فى فخ النشر، وتلك كانت النواة الأولى لما نراه اليوم من لجان إلكترونية.

​اليوم، لم تختفِ هذه الفلسفة بل انتقلت إلى الفضاء الرقمى، إلى منصات مثل (تيك توك) وغيرها، وبأدوات تفاعلية متطورة، الآن يخرجون عليك بخطاب مخادع يقول: «هو لسه فيه إخوان؟ ما هم فى السجون، اتكلم عن الاقتصاد والطماطم اللى بقت بـ 40 و50 جنيهًا». والهدف الخبيث هنا ليس إقناع الشخص الذى يستمع إليهم مباشرة، بل خلق حالة من الإحباط تجعل الآخرين يقتنعون بالرسالة ويرددونها تلقائيًا كالبالبغاوات.

​وعندما نتحدث عن حجم التنظيم اليوم، يجب ألا نستهين بالأرقام. نعم، هناك مجموعات سُجنت، وهناك من هرب خارج البلاد، ولكن الأرقام الحقيقية تشير إلى أن عدد أفراد الإخوان المنظمين داخل التنظيم حاليًا -دون احتساب الدوائر المتعاطفة أو المحيطة به- يبلغ 400,000 شخص.

​هذا الرقم الضخم يعمل كـ «ماكينة» تمتلك منظومة دقيقة لقياس استجابة وتفاعل العقلية المصرية؛ يرصدون التفاعل الإيجابى والسلبى، وحجم إعادة النشر والتشيير. وهم يستغلون مناسبات معينة، مثل شهر يونيو من كل عام، لإحداث زخم وبلبلة عبر فبركة أخبار كاذبة تمامًا، كشائعات وفاة بعض الشخصيات مثل خيرت الشاطر أو بعض الفنانين.

والهدف من هذا كله ليس مجرد نشر الخبر، بل قياس مدى تبعية العقلية المصرية ونقلها للأخبار دون تحقق أو تمحيص.

​​لذلك، فإن ما طرحه الدكتور عصام حول أهمية بناء الوعى هو جوهر القضية. الثورات لا تنتهى بنزول الميادين، بل تستمر ببناء العقل. 

​واليوم، مواجهة هذا «الخطر الكامن» -والذى أؤكد أنه الخطر الأكبر والأول، والمدفوع بعقيدة وفلسفة مستمدة من كتاب (معالم فى الطريق) لسيد قطب التى تُدرس لعناصرهم حتى اللحظة- تتطلب تضافر كل أدوات القوى الناعمة. فالوعى هو سلاحنا الأوحد والفعال لقطع الطريق على أى محاولة لتزييف عقول المصريين.