الثلاثاء 30 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كان عمرى 6 سنوات

كيف ينظر جيل «ألفا» إلى ثورة يونيو؟

لم يكن الأطفال بعيدين عن المشهد الشعبى، خلال ثورة 30يونيو؛ بل حرص الآباء على اصطحابهم إلى الشوارع والميادين، ليكونوا شهودًا على إحدى أهم اللحظات المصيرية فى تاريخ الدولة المصرية، رغم عدم إدراك هؤلاء الأطفال، الذين لم يتجاوز بعضهم السادسة، طبيعة المشهد السياسى فى ظل عنف جماعة الإخوان الإرهابية.



وبعد مرور 13 عامًا، لم تعد مَشاهد المصريين فى الميادين أو الهتافات ضد التنظيم، مجرد ذكريات طفولية؛ بل تحولت إلى وعى وطنى عميق حفر فى ذاكرتهم، رغم غياب التفاصيل السياسية عن إدراكهم حينها، فضلاً عن بقاء بعض التفاصيل الأخرى فى وجدانهم مثل، انقطاع الكهرباء، متابعة الأخبار المستمرة فى المنازل، وقلق الآباء من تطورات الأحداث، وقلة الخروج إلى الشارع، هؤلاء الصغار، باتوا اليوم شبابًا، وأصبحوا ثروة مصر الحقيقية وقوَّتها الضاربة، فقد كانوا الجيل الذى تشكّل وعيه وسط لحظة فارقة من تاريخ الوطن.. «روزاليوسف» فى هذا التحقيق، تستكشف ما يتذكره هؤلاء الأطفال عن أحداث الثورة، وكيف عاشوا تلك الفترة، ومدى تأثيرها على تشكيل هويتهم الوطنية ووعيهم. 

 حكاية طفل فى 30 يونيو

مايا عبدالهادى: جدى حملنى على كتفه وأنا أحمل صورة الرئيس السيسي 

«من أكثر ذكريات الطفولة التى لا تزال عالقة فى ذهنى هى مشاركتى فى مظاهرات 30 يونيو»، بتلك الكلمات استعادت مايا عبدالهادى، الطالبة بكلية الحقوق، ذكرى أحد أهم الأحداث فى تاريخ مصر الحديث، مضيفة: «كنت فى السادسة أو السابعة من عمرى تقريبًا، لذلك لا أتذكر كل التفاصيل، لكننى ما زلت أتذكر الأجواء بوضوح شديد، فقد كان جدّى يحملنى على كتفيه ووالدتى بجانبنا بينما كنا نسير وسط آلاف المصريين فى الشوارع، وكان العَلم المصرى مرسومًا على خدّى، وكنت أحمل صورة للرئيس عبدالفتاح السيسي».

وعن أكثر المواقف التى بقيت راسخة فى ذاكرتها بعد تلك الأحداث، أوضحت: «كنت أشاهد التليفزيون مع أسرتى وترددت أخبار عن عدم ترشح الرئيس عبدالفتاح السيسي لمنصب الرئاسة، فظهر الخوف والقلق علينا ودخلت فى نوبة من البكاء، فقد كنا نشعر بالقلق على مستقبل مصر، ومتخوفين مما يقوم به التنظيم فى مصر، من عنف وإرهاب».

وأردفت: «عندما أنظر إلى تلك التجربة اليوم، أدرك أنها علمتنى مدى أهمية الأحداث السياسية، وكيف يمكن أن تؤثر بقوة فى حياة الناس ومشاعرهم».

 الحظر ومتابعة الأخبار

يوسف ناصر شديد: الخروج للشارع كان صعبًا والكل كان يتابع الأحداث 

 يوسف ناصر شديد، الطالب بكلية الإعلام بجامعة الأزهر، بدأ فى استرجاع ذكريات الطفولة حول أحداث 30 يونيو، إذ قال: «بالتأكيد كنت صغيرًا وقتها، فلا أتذكر تفاصيل كثيرة بطبيعة الحال، لكننى أتذكر أن التليفزيون كان يعمل على شاشات الأخبار معظم الوقت، وأن أهلى كانوا يتابعون ما يحدث ويتحدثون عنه».

هذا التواجد المستمر لصوت نشرات الأخبار فى المنزل كان العلامة الأولى ليوسف بأن هناك أمرًا مختلفًا يحدث حوله، حيث أضاف: «أنا شخصيًا لم أكن أفهم كل شىء، لكننى كنت أشعر أن هذه الفترة كانت مختلفة عن أى يوم عادى، وهذا الإحساس بالاختلاف انعكس على تفاصيل يومى فى الشارع، فبسبب الظروف وقتها وفرض حظر التجوال فى بعض الفترات، كانت الحركة والخروج أقل من المعتاد، وهذا كان أكثر شىء لاحظته فى ذلك الوقت».

عبدالرحمن أشرف سعيد: الإرهابية كانت تقود البلاد للفوضى

ومن زاوية تأثير حظر التجوال على استقرار البيوت ومتطلباتها الأساسية، يروى عبدالرحمن أشرف سعيد، الطالب بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر، ذكرياته عن تلك الفترة قائلًا: «أتذكر تلك الأيام وأنا طفل صغير، عندما اضطربت الأوضاع وفُرض حظر التجوال، وقتها لزم أبى المنزل وتوقف عن العمل تمامًا، كانت البلاد فى عهد تنظيم الإخوان حالة من الفوضى، والكهرباء أيضًا كانت تنقطع طوال الوقت، فى ذلك الوقت كانت الأزمة داخل بيتنا، إذ كان شقيقاى التوأم صغيرين ولم نكن ندرى كيف نتصرف أو أين نجد لهما علبة لبن صناعى وسط حالة الشلل التى أصابت البلاد، كنت صغيرًا، نعم، ولكننى لا أزال أتذكر، لقد كانت أيامًا صعبة ومضت».

 روتين انقطاع الكهرباء

يوسف عبدالمنعم درويش: انقطاع الكهرباء فى عهد الإرهابية حوّل بيوتنا إلى ظلام من أجواء البقاء فى البيوت، ينقلنا يوسف عبدالمنعم درويش، الطالب بكلية الحاسبات والمعلومات، إلى تفاصيل أكثر عمقًا داخل بيته؛ حيث كانت الأخبار تتدفق بلا انقطاع، إذ قال: «كنا وقتها نعيش حالة غريبة جدًا، نستيقظ كل يوم على خبر جديد، أو مظاهرة، أو اشتباكات، وكان التليفزيون يعمل طوال الوقت فى المنزل؛ إذ كنا نتابع القنوات الإخبارية بشكل مستمر، وهذا الشىء لم يكن معتادًا بالنسبة لأطفال فى سننا آنذاك، فقد كنا نشعر أن هناك أمرًا كبيرًا يحدث».

هذه الأحداث واكبها تغير واضح فى سلوك الوالدين وحالتهما النفسية، وهو ما انطبع فى ذاكرة يوسف كطفل يتابع بيته إذ أوضح: «كان أبى وأمى متوترين فى أغلب الأوقات، لاسيما عندما يسمعان عن أحداث أو اشتباكات فى مناطق قريبة، فكان هناك خوف طبيعى علينا، لكنهما فى الوقت نفسه كانا يحاولان استيعاب إلى أين تمضى البلاد».

تأثر حركة الطفل بهذه الأجواء بدا واضحًا فى ذكرياته إذ أكد : «الخروج إلى الشارع لم يكن كأى وقت عادى، ففى بعض الأيام كنا ننزل بشكل طبيعى، وفى أيام أخرى كنا نتجنب أماكن معينة خشية وجود ازدحام أو مشكلات، فالأجواء حولنا كانت مفعمة بالتوتر».

أمّا عن الجانب الخدمى والمعيشى الذى عاصره كطفل، فيتذكر أزمة الطاقة قائلًا: «أمّا بشأن موضوع الكهرباء، فقبل 30 يونيو كانت انقطاعات التيار موجودة بالفعل فى مناطق كثيرة، وكنا نتعامل مع الأمر ببساطة؛ نشحن الهواتف أولًا بأول، ونجهز الكشافات أو الشموع، ونحاول إنجاز أى أمر مهم قبل مواعيد الانقطاع المتوقعة، وأحيانًا كنا نجلس مع الأسرة فى الشرفة أو نتجمع ونتحدث حتى يعود التيار الكهربائى؛ لأن الأمر كان قد أصبح جزءًا من الروتين اليومى لدى الكثير من الناس وقتها».

 هدوء الأرياف

محمود محمد سعد الدين تاج: الأحداث فى الأرياف كانت هادئة ومختلفة عن المدن

هذه الأجواء التى عاشها أطفال المدن تحت وطأة الشاشات والتحركات الحذرة، اتخذت طابعًا مختلفًا لدى الأطفال الذين نشأوا فى الأقاليم والقرى، وهو ما أوضحه محمود محمد سعد الدين تاج، الطالب بكلية الإعلام بجامعة الأزهر، إذ أوضح: «كنا أطفالًا فى تلك الأيام، وكنا فى المنزل نعيش حالة ترقب شديدة لما يحدث فى البلاد، وكان أهالينا يتابعون الأخبار بشكل دورى، وكنت ألاحظ أن الكبار من حولى يتحدثون دائمًا عن الأحداث».

 مخاوف الآباء 

شهد تامر حسن: كنّا نعيش على أضواء الشموع والكشافات

 شهد تامر حسن، الطالبة بكلية الحاسبات والمعلومات، استعادت مشاعر القلق والخوف التى مرت بها عندما كانت طفلة، مضيفة: «أتذكر أن أكثر ما كان يخيفنى وقتها هو حالة القلق التى كانت تسيطر على الناس، فلم يكن أحد يعلم ما الذى تحمله الأيام المقبلة، وكان كل يوم يبدأ بأخبار مختلفة ونقاشات كثيرة عما يحدث فى البلاد».

وحول خوف الأمهات على الأطفال كشفت: «كانت والدتى تتصل بى طوال الوقت وكانت دائمًا قلقة، وكان والدى فور عودته من العمل يقوم بتشغيل نشرات الأخبار أو يجلس لمتابعة المواقع الإخبارية لكى يفهم تفاصيل ما حدث، وأتذكر أيضًا أن الكثير من الناس بدأوا يتجنبون أماكن معينة أو يؤجلون خروجاتهم إذا سمعوا بوجود ازدحام، وقبل أن نخرج لأى مشوار كنا نسأل معارفنا أو نتابع الأخبار لنعرف ما إذا كان الوضع مستقرًا أم لا».

 عيد ميلاد فى أجواء مشحونة

فاطمة تامر: شعرت بالقلق فى عيون الكبار وتأثرت بتفاصيل الأزمات اليومية

وقالت فاطمة تامر، الطالبة بكلية الحاسبات والمعلومات: «كنتُ طفلة صغيرة عندما كانت مصر تمر بتلك الأيام العصيبة تحت حكم جماعة الإخوان الإرهابية، فلم أكن أفهم معنى السياسة أو تفاصيل الأحداث، لكننى كنت أشعر بتغير كبير؛ كنت أستمع إلى أحاديث الكبار المليئة بالقلق، وأرى الخوف فى عيونهم وهم يتساءلون عن مستقبل البلاد».

وتربط فاطمة بين عالمها الصغير وبين الواقع الخارجى المشحون، إذ توضح: «أتذكر أن يوم ميلادى كان فى السابع عشر من يونيو، أى قبل أحداث 30 يونيو بأيام قليلة، كنت طفلة تحتفل بيومها الخاص وتنتظر الهدايا واللحظات السعيدة، لكن البلاد بأسْرها كانت فى حالة من الخوف والتوتر، فلم أستوعب وقتها حجم ما يحدث، لكننى كنت أشعر أن هناك شيئًا مختلفًا يشغل كل مَن حولى».

وتحكى فاطمة: «كنت أسمع الناس يشتكون من حكم الإخوان، ولما جاء يوم 30 يونيو، خرج ملايين المصريين إلى الشوارع مطالبين بالتغيير، كنت صغيرة لا أفهم كل تفاصيل المشهد، لكننى أتذكر إحساسى بأن الوطن يمر بلحظة مهمة، وأن كثيرًا من البيوت المصرية كانت تتابع الأخبار بمزيج من القلق والأمل فى الوقت نفسه».

تختتم فاطمة حديثها بربط ذكريات الطفولة بالواقع الحالى: «واليوم أنظر إلى تلك الفترة بعين شابة فى العشرين من عمرها، وأنا أدرك أن تلك الأيام لم تكن مجرد أحداث عابرة؛ بل كانت ذكريات عشناها كأطفال؛ رأينا القلق والخوف على وجوه آبائنا، واستمعنا إلى حديثهم، وتأثرنا بكل ما كان يدور حولنا حتى إن كنا لا نفهمه».

 ذاكرة جيل

روايات شباب وبنات جيل «السنوات الست»، توضّح لنا أن التحولات الكبرى تترك بصماتها العميقة فى وجدان الصغار، حتى إن لم يستوعبوا تفاصيلها وقتها، لكنهم اختبروا تلك الأيام بطريقتهم الخاصة؛ من خلال تفاصيل حياتية بسيطة تركت لديهم صورًا لا تُمحى، من الجلوس فى البلكونات انتظارًا لعودة التيار الكهربائى، إلى الحرمان من اللعب فى الشارع بسبب الحذر الأمنى، شكلت هذه المَشاهد ذاكرة بصرية مشتركة لهذا الجيل، والتى تحولت إلى جزء من حكايات طفولتهم التى يتذكرونها اليوم بعيون ناضجة.