رامي زهدي
دبلوماسية القيادة المصرية بالقارة الإفريقية.. أرقام ودلالات مهمة
فى عالم السياسة الدولية لا تقاس الأدوار الكبرى بالأقوال وحدها، ولا تصنع المكانة الاستراتيجية بالتصريحات مَهما بلغت قوتها وإنما بالأفعال والجهود الحقيقية المخلصة كما تقاس كذلك بحجم الوقت والموارد التى تخصّصها الدول لقضايا بعينها، وبمدى قدرة القيادة السياسية على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ، والتاريخ إلى مصالح، والعلاقات إلى أدوات تأثير مستدامة، تصنع حضورًا وتراكم قوة وتؤسّس لشبكات نفوذ طويلة الأمد.
من هذا المنظور تبدو إفريقيا واحدة من أكثر الملفات دلالة على طبيعة التحول الذى شهدته السياسة الخارجية المصرية خلال العقد الأخير، ليس فقط لأن القارة تمثل الامتداد الطبيعى لمصر وعمقها الحضارى والاستراتيجى؛ وإنما لأن حجم الانخراط الرئاسى المصرى فيها يكشف عن رؤية متكاملة أعادت تعريف موقع إفريقيا داخل معادلة الأمن القومى المصرى، ونقلت العلاقة معها من إطار الارتباط التاريخى والوجدانى إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الفاعلة والمؤثرة.
41 ٪ من الزيارات الرئاسية
ووفقًا لإحصاء مِهنى ذاتى أعددته من خلال متابعة شخصية ورصد للزيارات واللقاءات والاتصالات الرئاسية المعلنة منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسي مسئولية الحكم فى يونيو 2014 حتى يونيو 2026، وهى أرقام غير رسمية لعدم صدور تقرير رسمى شامل مماثل حتى الآن من أى جهة معنية أو ذات صلة، لكنها بالتأكيد قريبة للغاية من الواقع ومن المؤشرات الرسمية المتاحة ومن المتابعة المهنية الدقيقة؛ فإن الرئيس عبدالفتاح السيسي زار نحو 22 دولة إفريقية مختلفة، وهو ما يعادل نحو 41 % من إجمالى دول القارة البالغ عددها 54 دولة.
واللافت أن هذا الرقم لا يُعَبر فقط عن عدد الدول التى زارها الرئيس؛ بل يخفى وراءه دلالة أكثر عمقًا؛ إذ إن بعض هذه الدول شهدت أكثر من زيارة رئاسية، سواء فى إطار الزيارات الثنائية المباشرة، أو المشاركة فى قمم الاتحاد الإفريقى، أو اجتماعات الكوميسا والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، أو القمم الإفريقية الدولية، أو فى سياق التطورات المرتبطة بالتعاون المائى، أو الأزمات المتعاقبة فى السودان والقرن الإفريقى، وهو ما يعكس أن السياسة المصرية لم تتعامل مع إفريقيا بمنطق الزيارة الرمزية أو الحضور البروتوكولى العادى أو الاعتيادى؛ وإنما بمنطق المتابعة المستمرة وإدارة العلاقات بصورة تراكمية ومستدامة.
وتشير عملية الرصد كذلك إلى أن الرئيس نفّذ ما يقرب من 38 زيارة وجولة إفريقية منها جولات متعددة الوجهات أو متتابعة، وهو ما يعنى أن نحو 42 % من هذه الزيارات كانت زيارات متكررة لعواصم ودول إفريقية بعينها، بما يؤكد أن التحرك المصرى لم يكن قائمًا على استكشاف القارة؛ بل على بناء شراكات استراتيجية طويلة المدى مع الدول الأكثر تأثيرًا فى معادلات الأمن والتنمية والاستقرار داخل القارة.

وفى الاتجاه المقابل؛ استقبلت القاهرة خلال الفترة ذاتها ما يقارب 67 رئيس دولة وقائدًا إفريقيًا، شملت رؤساء حاليين وسابقين وملوكًا ورؤساء مجالس سيادة وقادة انتقاليين، فضلاً عن تكرار زيارات عدد من الرؤساء أكثر من مرة، وعند استبعاد حالات التكرار والتغيير الرئاسى داخل الدولة الواحدة، يمكن القول إن مصر نجحت فى بناء تواصل رئاسى مباشر مع ما يزيد على 60 % من دول القارة الإفريقية، وهى نسبة مرتفعة للغاية فى العلاقات الدولية، وتعكس مدى الحضور المصرى داخل المشهد الإفريقى خلال السنوات الماضية.
أمّا المؤشر الأكثر دلالة فيتمثل فى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي عقد ما يقارب 560 لقاءً رئاسيًا مباشرًا مع القادة الأفارقة، سواء فى القاهرة أو فى عواصم إفريقية أو على هامش قمم ومؤتمرات دولية وإقليمية مختلفة، وعندما نتحدث عن 560 لقاءً خلال اثنى عشر عامًا؛ فإننا نتحدث عن متوسط يقترب من 47 لقاءً رئاسيًا إفريقيًا سنويًا، أى ما يقارب أربعة لقاءات رئاسية إفريقية كل شهر دون انقطاع على مدار اثنى عشر عامًا متصلة.
وإذا افترضنا فقط، فى الحد الأدنى، أن كل لقاء استغرق ساعتين من العمل الرئاسى المباشر بين التحضير والمباحثات والمتابعة؛ فإننا نكون أمام أكثر من 1100 ساعة عمل رئاسية مُركزة خصّصت للقارة الإفريقية عبر هذا المسار وحده.
كما تشير عملية الرصد إلى ما يقارب 200 اتصال هاتفى رئاسى معلن مع القادة الأفارقة خلال الفترة نفسها، وهو ما يعادل متوسط 17 اتصالاً سنويًا، أو ما يقارب اتصالاً رئاسيًا إفريقيًا كل ثلاثة أسابيع، وهذه الاتصالات لم تكن مجرد مجاملات بروتوكولية؛ بل ارتبطت فى كثير من الأحيان بملفات ذات حساسية استراتيجية وأمنية واقتصادية بالغة الأهمية.
وبذلك يقترب إجمالى التفاعلات الرئاسية المباشرة المعلنة مع القادة الأفارقة من 760 تفاعلاً بين لقاءات واتصالات هاتفية، أى بمعدل يزيد على تفاعل سياسى رفيع المستوى كل ستة أيام تقريبًا طوال اثنى عشر عامًا متواصلة.
وعندما نحاول ترجمة هذه الأرقام إلى ساعات عمل فعلية؛ تتكشف أمامنا صورة أكثر عمقًا، فإذا افترضنا أن متوسط اللقاء الرئاسى الواحد، بما يشمله من إعداد سياسى وأمنى واقتصادى ومباحثات ثنائية وجلسات موسعة ومؤتمرات صحفية ومتابعات تنفيذية، استغرق ثلاث ساعات فقط؛ فإن 560 لقاءً تعنى نحو 1680 ساعة عمل رئاسى مباشر، وإذا أضفنا إلى ذلك نحو 200 اتصال هاتفى بمتوسط ساعة ونصف الساعة بين التحضير والتنفيذ والمتابعة؛ فإننا نتحدث عن 300 ساعة إضافية، أمّا الزيارات والجولات الإفريقية الثمانى والثلاثون، والتى تستغرق الواحدة منها فى المتوسط ما بين يومين وثلاثة أيام من العمل المكثف؛ فإننا نكون أمام ما لا يقل عن 1100 ساعة عمل إضافية.
وبذلك يصبح إجمالى الوقت الرئاسى المرتبط مباشرة بالشأن الإفريقى فى حدود ثلاثة آلاف ساعة عمل على الأقل، أى ما يعادل 375 يوم عمل كاملة وفقًا لمعيار ثمانى ساعات يوميًا، أو ما يوازى عامًا كاملاً من العمل الرئاسى المتواصل المخصّص لإفريقيا وحدها.
وهنا تكتسب الأرقام معناها الحقيقى، فهذا الجهد لم يكن موجّهًا إلى إفريقيا بوصفها رقعة جغرافية فحسب؛ وإنما باعتبارها فضاءً استراتيجيًا تتقاطع فيه جميع دوائر الأمن القومى المصرى، فمن أصل أكثر من 760 تفاعلاً رئاسيًا معلنًا مع القادة الأفارقة، ارتبطت نسبة معتبرة منها بملفات ذات طابع وجودى بالنسبة للدولة المصرية، وفى مقدمتها أمن البحر الأحمر، وأمن الممرات البحرية الدولية، ومستقبل السودان، واستقرار ليبيا، ومكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، وأمن القرن الإفريقى، وقضية مياه النيل، فضلاً عن ملفات التنمية والبِنية التحتية والتكامل الاقتصادى والتجارة البينية والاستثمار العابر للحدود.
ملفات حيوية
ولعل أحد أهم المؤشرات على ذلك أن مصر انتقلت من مرحلة الدفاع عن مصالحها الإفريقية إلى مرحلة المساهمة فى صياغة الأجندة الإفريقية ذاتها، وهو ما تجسد بوضوح خلال رئاسة مصر للاتحاد الإفريقى عام 2019، وفى أدوارها المتنامية فى ملفات السلم والأمن وإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات ومكافحة الإرهاب والتكامل الاقتصادى القارى.
واللافت أن هذه السياسة لم تقم على ردود الأفعال أو المعالجات المؤقتة، بقدر ما قامت على بناء شبكة علاقات ممتدة ومتداخلة. فحين يلتقى الرئيس المصرى بنحو 560 لقاءً مباشرًا مع القادة الأفارقة؛ فإننا لا نتحدث فقط عن علاقات ثنائية؛ بل عن تراكم سياسى واستراتيجى يصنع الثقة، ويؤسّس لمجالات أوسع للتفاهم، ويمنح القاهرة قدرة أكبر على التأثير فى القضايا الإقليمية والقارية.
ومن وجهة نظرى؛ فإن التاريخ قد يسجل مستقبلاً أن أحد أهم التحولات التى شهدتها السياسة الخارجية المصرية خلال العقدين الأولين من القرن الحادى والعشرين لم يكن مجرد زيادة عدد الزيارات أو اللقاءات أو الاتصالات؛ وإنما إعادة إدراج إفريقيا بوصفها إحدى الركائز الرئيسية لصناعة القرار المصرى، وأحد أهم مسارات الحركة الاستراتيجية للدولة نحو المستقبل.
ففى السياسة كما فى الاقتصاد لا توجد استثمارات بلا عائد، وعندما تخصّص دولة ما ما يعادل عامًا كاملاً من العمل الرئاسى التراكمى لقارة واحدة؛ فإن الرسالة تصبح واضحة وصريحة: إفريقيا لم تعد مجرد امتداد جغرافى لمصر؛ بل أصبحت أحد أهم مفاتيح مستقبلها الاستراتيجى، وأحد أهم ميادين حركتها السياسية والاقتصادية والأمنية خلال العقود المقبلة.
مع ضرورة إيضاح ملاحظة منهجية هنا، أن جميع الأرقام الواردة فى هذا المقال تمثل حصرًا وإحصاءً مهنيًا ذاتيًا؛ استنادًا إلى تتبع الزيارات واللقاءات والاتصالات الرئاسية المعلنة منذ عام 2014 حتى يونيو 2026، وهى ليست أرقامًا رسمية صادرة عن مؤسسات الدولة المصرية؛ إلاّ أنها قريبة بدرجة كبيرة من الواقع والمؤشرات والبيانات الرسمية المتاحة، وتم توظيفها لأغراض التحليل الاستراتيجى وقياس اتجاهات الحركة الدبلوماسية الرئاسية المصرية فى القارة الإفريقية.
خبير الشئون الإفريقية










