الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية تتسع إقليميا
حرب الـ7 جبهات
آلاء البدرى
تستقطب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران يومًا بعد يوم أطرافًا جديدة؛ لتتحول تدريجيًا إلى صراع شبه إقليمى؛ يهدد فتح الباب أمام موجات أوسع من الفوضى والعنف، قد تمتد تداعياتها إلى العالم بأسره؛ حيث تحاول طهران الاستفادة من شبكة حلفائها التى بنتها على مدى عقود لتعزيز مكاسبها وفرض ضغط مستمر؛ بينما تجد واشنطن وتل أبيب أمام تحدٍ غير مسبوق فى إدارة حرب متعددة الأطراف ومعقدة يصعب التنبؤ بمسارها أو حتى حصر نتائجها.
طهران وتل أبيب
رغم أن الجبهات الأساسية للصراع فى المنطقة تبدو واضحة طهران تل أبيب والقواعد الأمريكية فى الخليج العربى؛ فإن هذا المثلث الذى كان يفترض أن يشكل قلب الحرب بدأ يتسع تدريجيًا ليشمل سبع جبهات مفتوحة؛ ما ينقل المواجهة إلى مرحلة حرب شبه إقليمية.
تتحرك إيران عبر شبكة واسعة من الميليشيات والحلفاء الإقليميين للضغط على إسرائيل والولايات المتحدة؛ بينما تسعى تل أبيب إلى تحييد التهديد الإيرانى المباشر عبر الضربات الجوية والهجمات السيبرانية؛ فى حين تتهم إيران القواعد الأمريكية المنتشرة فى الخليج العربى أنها تستخدم كمنصات رئيسية لعمليات الدعم اللوجستى والعسكرى؛ وهو ما يجعلها أهدافًا متكررة لهجماتها وهجمات أذرعها العسكرية.
هذا التوسع غير طبيعة الحرب جذريًا؛ إذ خرجت من إطار المواجهة التقليدية إلى حرب متعددة الجبهات متشابكة وغير متوقعة؛ حيث يمكن لأى ضربة فى إحدى هذه النقاط أن تؤدى إلى تصعيد واسع النطاق يجر أطرافًا جديدة إلى دائرة الصراع ويحول المنطقة إلى مسرح مفتوح لحرب طويلة الأمد تتجاوز الحدود الوطنية؛ وتعيد رسم موازين القوى الإقليمية.
الفصائل العراقية
كثفت الجماعات المسلحة الموالية لإيران فى العراق هجماتها بشكل غير مسبوق؛ حيث تجاوز عددها المئات وتنوعت بين ضربات بسيطة لإرباك الخصم وأخرى قوية وتكتيكية؛ استهدفت بشكل مباشر القواعد الأمريكية فى العراق والأردن؛ إضافة إلى مواقع إسرائيلية مرتبطة بالعمليات الجارية؛ وفى الأيام الأخيرة وسعت هذه الجماعات نطاق عملياتها لتشمل البنية التحتية الخاصة بجماعات المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة فى شمال العراق؛ ذى الحكم الذاتى الذى يهيمن عليه الأكراد؛ فى محاولة لإضعاف أى نفوذ معارض لإيران داخل حدودها.
ومن أهم ضربات الميليشيات العراقية؛ هجمات صاروخية دقيقة استهدفت القاعدة الأمريكية فى مطار أربيل شمال العراق خلال الأيام الماضية؛ كما أطلقت طائرات مسيرة وصواريخ من مواقع فى الصحراء الغربية الإيرانية باتجاه أهداف فى الأردن؛ بينما أطلقت ميليشيات فى الجنوب صاروخًا باتجاه الكويت أحدث أضرارا بالغة.
ورغم محاولات إسرائيل والولايات المتحدة إضعاف قدرات هذه الميليشيات عبر الغارات الجوية الدقيقة وعمليات القوات الخاصة على الأرض؛ إلا أن التعامل معها يظل معقدًا وصعبًا إذ إن عملية التجنيد تتم من بين غالبية الشعب العراقى الشيعى ما يمنحها قاعدة اجتماعية واسعة؛ بينما تصدر أوامرها مباشرة من كبار ضباط الحرس الثورى الإيرانى الأمر الذى يعزز من تماسكها ويجعلها جزءًا من شبكة إقليمية متكاملة.
هذه الديناميكية تعكس أن المواجهة فى العراق ليست مجرد صراع محلى بل جبهة رئيسية فى الحرب الأوسع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة؛ حيث يتداخل البعد العسكرى مع البعد الاجتماعى والسياسى؛ ويجعل من العراق ساحة مفتوحة لتصعيد طويل الأمد يهدد بتوسيع رقعة الفوضى فى المنطقة.
حزب الله
انضم حزب الله بشكل كامل إلى الحرب بعد تنسيق وثيق مع إيران؛ حيث أفادت تقارير أن ذخائر عنقودية فتاكة استخدمت فى ضربات متزامنة من الجانبين أصابت إسرائيل وخاصة تل أبيب؛ ما شكل تحديًا معقدًا ومميتًا للدفاعات الجوية الإسرائيلية المنهكة؛ هذه الذخائر تنفجر على ارتفاعات شاهقة فتتناثر عشرات القنابل الصغيرة على مساحة واسعة؛ وتبدو ليلًا ككرات نارية برتقالية يصعب اعتراضها وقد أثبتت فتكها فى الميدان.
وصرح الباحث الإسرائيلى البارز كابى مايكل من معهد دراسات الأمن القومى ومعهد مسغاف؛ من ملجأ تحت الأرض للتليفزيون الإسرائيلى إلى أن حزب الله يطبق الدروس المستفادة من حربه الأخيرة مع إسرائيل؛ فى إطار استعداداته لاحتمال غزو برى شامل ونزاع طويل الأمد.
وأوضح أن الحزب عاد إلى جذوره فى حرب العصابات بجنوب لبنان؛ حيث يعمل مقاتلوه فى وحدات صغيرة ويتجنبون استخدام أجهزة الاتصال التى قد تكون عرضة للتنصت أو التفجير؛ ويقومون بترشيد استخدام الصواريخ المضادة للدبابات أثناء الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية.
وأضاف: حتى الآن يتركز معظم القتال على الأرض قرب بلدة الخيام عند تقاطع الحدود اللبنانية مع إسرائيل وسوريا؛ وهى منطقة يعتقد الحزب أنها ستكون نقطة انطلاق لأى غزو برى إسرائيلى محتمل.
وقد أعلن حزب الله أن مقاتلى رضوان النخبة الذين انسحبوا من الجنوب عقب وقف إطلاق النار عام 2024 قد عادوا إلى المنطقة للانتقام.
جبهة الأكراد
تشير تقارير أمريكية موثوقة ومصادر متعددة إلى أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تعمل على تسليح القوات الكردية؛ بهدف إثارة انتفاضة داخل إيران فى إطار استراتيجية أوسع لإدارة الرئيس دونالد ترامب؛ تقوم على توريط الأقليات العرقية فى حربه ضد طهران؛ بعد أن حققت إيران تفوقًا تكتيكيًا فى الميدان.
ووفقًا لهذه المصادر تجرى الإدارة الأمريكية مناقشات جادة ونشطة مع جماعات المعارضة الإيرانية والقادة الأكراد فى العراق لتزويدهم بالدعم العسكرى؛ بما يفتح الباب أمام إدخالهم فى الحرب الدائرة بين إسرائيل وأمريكا وإيران؛ حيث تنتشر آلاف المقاتلين من الجماعات الكردية الإيرانية على طول الحدود العراقية الإيرانية؛ خصوصًا فى إقليم كردستان العراق.
وقد أصدرت عدة جماعات بيانات علنية منذ بداية الحرب تلمح إلى تحرك وشيك وتحث القوات الإيرانية على الانشقاق؛ وأكد مسئول كبير فى حكومة إقليم كردستان أن دعم وكالة المخابرات المركزية بدأ قبل أشهر من اندلاع الحرب؛ فيما أجرى ترامب محادثات مباشرة مع مصطفى هجرى رئيس الحزب الديمقراطى الكردستانى الإيرانى الذى كان من بين أبرز الجماعات المستهدفة من قبل إيران.
وتشير التقديرات إلى أن قوات المعارضة الكردية الإيرانية تستعد للمشاركة فى عملية برية داخل غرب إيران خلال الأيام المقبلة؛ فى توقيت يعتبر مثاليًا بالنسبة للأكراد مع وجود دعم مباشر من الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فى المقابل كثف الحرس الثورى الإيرانى غاراته على هذه الجماعات؛ معلنًا استهدافها بعشرات الطائرات المسيرة.
وهذا التحرك يؤكد محاولة واشنطن وتل أبيب توسيع رقعة الصراع عبر إشراك الأقليات العرقية والدينية، أيضًا ليس فقط للضغط على إيران بل لإرباك دول المنطقة؛ وإظهار أن الحرب قد تتحول إلى مواجهة إقليمية شاملة تتجاوز حدود النزاع التقليدي.
جماعة الحوثي
تواجه جماعة الحوثيين فى اليمن معضلة معقدة فى ظل تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى؛ فمن ناحية يخشى الحوثيون أن يؤدى التخلى عن إيران إلى فقدان الدعم العسكرى والمالى الحيوى؛ بما فى ذلك الإمدادات من التكنولوجيا الحديثة ومكونات الطائرات المسيرة والمعدات الحساسة التى تشكل العمود الفقرى لقدراتهم القتالية.
ومن ناحية أخرى فإن الانخراط المباشر فى الحرب يعرضهم لاحتمال ضربات أمريكية وإسرائيلية تستهدف مواقعهم المتبقية؛ وهو ما قد يضعف قوتهم العسكرية ويعزلهم سياسيًا ويعمق أزمتهم الاقتصادية؛ هذا التوازن المستحيل دفع جماعة الحوثى المسلحة إلى اتخاذ إجراءات احترازية واسعة فى المناطق الخاضعة لسيطرتهم شملت إخلاء مواقع ومنشآت حساسة إعادة نشر الأسلحة؛ والتحصن فى شبكة أنفاق تحت الأرض تحسبًا لهجوم محتمل.
الأزمة الحقيقية تكمن فى أنهم عالقون بين خيارين أحلاهما مر إما الانخراط فى الحرب بما يحمله من مخاطر وجودية أو التراجع عن دعم إيران بما يعنيه من فقدان الحليف الاستراتيجى الوحيد القادر على تزويدهم بالقدرات العسكرية المتقدمة، فحتى الآن يكتفون بالمظاهرات الرافضة للعدوان على إيران منظمين تجمعات حاشدة ترفع صورة المرشد السابق إلى جانب البنادق هذا الوضع يضع الحوثيين فى موقع هش؛ حيث أى قرار قد يترتب عليه تداعيات عميقة على مستقبلهم السياسى والعسكرى فى اليمن ومنطقة القرن الإفريقى بعد أن فعلوا شبكة علاقات معقدة هناك.
سوريا فى دائرة النار
رغم أن سوريا لم تنخرط بشكل مباشر فى الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران؛ إلا أنها وجدت نفسها ضحية جانبية للصراع؛ حيث تعرضت أراضيها لسقوط شظايا صواريخ حارقة وضربات خاطئة من الطرفين.
واستغلت إسرائيل هذا الوضع لتوسيع المنطقة العازلة عبر رش مواد كيميائية سامة فوق بعض المناطق السورية؛ ما جعل سوريا طرفًا معتدى عليه وغير فاعل فى حرب لا تعنيها بالاضافة إلى أن المجال الجوى السورى أصبح بدوره ساحة مفتوحة للهجمات العابرة للحدود إذ استخدمته كل من إسرائيل وإيران مرارًا لتنفيذ ضربات فى ظل عجز السلطات الانتقالية عن التدخل الفعلى واكتفائها بمحاولات الحد من خطر امتداد الأعمال العدائية.
ويرى المحللون أن تعمق الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية سيزيد من هشاشة الوضع الأمنى فى سوريا؛ وهو وضع قد تستغله إيران فى تفعيل شبكة عملائنا داخل سوريا عبر تجنيد مقاتلين فى الجنوب لشن هجمات إضافية ضد إسرائيل بغض النظر عن فعالية أو أهمية الهجمات.
هذا السيناريو الذى ينتظر سوريا إذا طال أمد الحرب لا يقتصر على إطالة أمد الأعمال العدائية فى المنطقة فقط بل يفاقم أيضًا التوترات بين إسرائيل وسلطات دمشق الجديدة؛ ويضع سوريا فى موقع بالغ الخطورة دولة تتعرض للاعتداءات دون أن تكون طرفًا فاعلًا بينما تستغل أراضيها ومجالها الجوى كمنصة لصراع إقليمى متقلب وغير متوقع النتائج ما يهدد بزيادة الانقسام الداخلى ويعطل أى جهود لإعادة بناء الدولة أو استعادة سيادتها.
جبهة مجهولة
تشير المعطيات الميدانية إلى أن هناك هجومًا مضادًا غامضًا ينفذ ضد قواعد الميليشيات الموالية لإيران فى جنوب بغداد؛ وبالقرب من مدينتى الناصرية والبصرة يعتمد على استخدام طائرات صغيرة انتحارية بدون طيار.
أفادت تقارير أنها قتلت نحو 15 مقاتلًا معظمهم من كتائب حزب الله التى تعد الأقوى بين الفصائل العراقية المرتبطة بالحرس الثورى الإيرانى وإلى جانب ذلك وقعت سلسلة انفجارات غامضة عطلت أنظمة الرادار الحكومية العراقية المسئولة عن مراقبة حركة الطيران فى المجال الجوى، ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه العمليات.
وصرح الخبير الاستراتيجى الأمريكى مايكل نايتس، أن الطائرات المسيرة قصيرة المدى المستخدمة فى هذه الهجمات لا يمكن أن تكون، قد أُرسلت مباشرة من إسرائيل أو الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن هذا النمط من العمليات شوهد سابقًا خلال الحرب الأخيرة ولا يعرف من يقف وراءه بالتحديد، وهو ما يعكس وجود نشاط سرى على الأرض ورغم الغموض الظاهرى.
ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة وإسرائيل تنفذان بالفعل هجمات مزدوجة؛ تستهدف الميليشيات والدولة العراقية فى آن واحد لكن بأسلوب غير معلن يتيح لهما التنصل من المسئولية المباشرة الهدف منها هو إجهاض أى محاولة تقوم بها الحكومة العراقية لبناء منظومة عسكرية مستقلة؛ وإبقاء العراق فى حالة ضعف وسط دوامة الحرب الإقليمية التى لا تنتهى دون الدخول فى مواجهة رسمية معلنة.











