الأحد 15 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بعد قرارات رفع أسعار الوقود

المواطن أولاً إجراءات اقتصادية استثنائية للتعامل مع أزمة لسنا السبب فيها

بعد قرارات الحكومة برفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 %، فسرت وزارة البترول تلك الزيادة بسبب الوضع الاستثنائى الناتج عن التطورات الجيوسياسية فى المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتى أدّت إلى ارتفاع كبير فى تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي.



 

تأتى الزيادة الأخيرة بعد 4 أشهر فقط من زيادة أقرّتها الحكومة فى أكتوبر الماضى، بنسبة 13 %، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعًا إقليمية جديدة.

من المعروف أن ارتفاع أسعار الوقود لا تؤثر فقط على تعريفة وسائل النقل، ولكن يمتد أثرها لكل السلع والخدمات التى يحصل عليها المواطن، لذا أعلنت الحكومة عن حزمة قرارات للحد من التداعيات الاجتماعية لرفع أسعار الوقود، ومنها مدّ العمل بزيادة الدعم النقدى لمستفيدى برنامجى «تكافل وكرامة» والأسر الأولى بالرعاية من حاملى البطاقات التموينية لمدة شهرين إضافيين، لدعم قدرتهم على مواجهة الضغوط الاقتصادية.

كما أعلنت الحكومة عن حزمة تحسينات فى الأجور والدخول للعاملين بالدولة اعتبارًا من العام المالى 2026/2027، تشمل رفع الحد الأدنى للأجور بما يواكب المتغيرات الاقتصادية، لدعم القوة الشرائية للعاملين بالجهاز الإدارى للدولة.

وأكدت الحكومة استمرار سياساتها فى توفير السلع التموينية الأساسية المدعومة وضمان استقرار إمداداتها، مع إدارة متوازنة لتسعير الطاقة، وتحمل جزء من الفجوة بين التكلفة الفعلية وسعر البيع المحلى، للحفاظ على استقرار الأوضاع المعيشية للمواطنين.

إحالة المتلاعبين للقضاء العسكرى 

فى السياق ذاته، تعتزم الحكومة تنفيذ توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسى بإحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكرى لمنع رفع الأسعار أو التلاعب بها خلال هذه الظروف الاستثنائية.

«روزاليوسف» حاولت تقديم قراءة تحليلية لتلك القرارات الجديدة من خلال خبراء اقتصاديين وبرلمانيين وقانونيين، لمعرفة تأثيرها على المواطن المصرى، وكيفية تخفيف وطأتها عليه ومسئولية الحكومة، وكذلك تقديم روشتة بالحلول كإسعافات أولية لتخفيف العبء الاقتصادى المتوقع على كاهل المواطن. 

الدكتور أيمن غنيم، أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادى والقانونى، أكد أن موجة ارتفاع الأسعار التى تشهدها بعض الأسواق المصرية مؤخرًا ترتبط بدرجة كبيرة بالتوترات الجيوسياسية فى المنطقة، والتى انعكست على أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات النفط فى الشرق الأوسط.

وأضاف فى تصريحاته لـ«روزاليوسف» بأن أسعار النفط شهدت بالفعل قفزات حادة نتيجة تلك التوترات، حيث تجاوز سعر خام برنت مؤخرًا مستوى 100 دولار للبرميل فى بعض التداولات، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يعكس حساسية أسواق الطاقة لأى تصعيد عسكرى فى المنطقة.

وأوضح أن مضيق هرمز يمثل أحد أهم نقاط الاختناق فى سوق الطاقة العالمية، حيث تمر عبره نحو 25 % من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ما يجعل أى تهديد للملاحة فيه سببًا مباشرًا فى ارتفاع الأسعار.

وتابع غنيم أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس سريعًا على تكاليف النقل والإنتاج والصناعة عالميًا، وهو ما يؤدى إلى انتقال التضخم إلى العديد من الاقتصادات عبر ما يعرف بالتضخم المستورد.

وأضاف غنيم، أن التضخم فى مصر كان قد بلغ ذروته عند نحو 38 % فى سبتمبر 2023 قبل أن يتراجع تدريجيًا بفضل السياسات النقدية والمالية، ليصل إلى نحو 11.9 % فى يناير 2026 وفق بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.

وأوضح أن هذه المؤشرات تعكس نجاح السياسات الاقتصادية فى كبح موجة التضخم السابقة، لكنها لا تمنع حدوث ضغوط سعرية جديدة إذا استمرت الأزمات العالمية لفترة طويلة.

وأشار إلى أن مواجهة تلك الممارسات تتطلب تطبيقًا حازمًا للقوانين المنظمة للأسواق، وعلى رأسها قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018.

وأضاف غنيم، أن هذا القانون يجرّم عددًا من الممارسات التى تضر بالمستهلك، ومنها إخفاء السلع أو حجبها عن التداول أو الامتناع عن بيعها بقصد رفع السعر.

وأوضح أن المادة (71) من القانون تنص على معاقبة من يقوم بإخفاء السلع أو حبسها عن التداول أو الامتناع عن بيعها بغرض التأثير على الأسعار بعقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

وتابع غنيم، أن هذه النصوص القانونية توفر بالفعل إطارًا قويًا لمواجهة التلاعب بالأسواق، إذا تم تطبيقها بصرامة. وأشار إلى أن مقترح الرئيس عبد الفتاح السيسى بإمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار والخدمات إلى القضاء العسكرى يأتى فى سياق البحث عن أدوات أكثر ردعًا لمواجهة هذه الممارسات فى الظروف الاستثنائية.

الدولار والمحروقات

من جانبه، يرى الدكتور محمد راشد، أستاذ الاقتصاد المساعد بكلية السياسة والاقتصاد جامعة بنى سويف، أن العنصر الأساسى الذى أدى لارتفاع الأسعار فى مصر جراء الحرب الإقليمية هو الدولار، قائلًا لـ«روزاليوسف»: تحرك الدولار من حوالى 47.5 جنيه إلى ما يتجاوز 52 جنيهًا، وكان من الطبيعى أنه ينعكس على الأسعار لأنه مكون أساسى فى تكلفة تسعير المنتج لدى كل التجار أو المستوردين أو حتى عند المنتجين أنفسهم الذين يعتمدون على الكثير من الخامات المستوردة فى التصنيع.

وفسر ارتفاع سعر الدولار بأنه يعود لخروج العديد من رؤوس الأموال الساخنة التى كانت مُستثمرة فى أدوات الدين المحلى، موضحًا: هذا أمر طبيعى ويحدث كثيرًا فى وقت الأزمات أو الحروب التى تؤدى لعدم الاستقرار، حيث تهرب رؤوس الأموال الساخنة سواء المُستثمرة أموالها داخل البورصة المصرية أو فى أدوات الدين المحلية، للبحث عن ملاذات آمنة أخرى، أو الاستثمار فى النفط الذى شهدت أسعاره ارتفاعات كبيرة.

وتابع: الخروج يكون بهدف تكوين مراكز شرائية جديدة، أو البحث عن مجالات استثمارية أخرى مثل النفط أو الذهب أو غيرهما، وكذلك محاولة الذهاب إلى الأسواق المستقرة، والبعد عن الأسواق القريبة من مناطق عدم الاستقرار.

التجار ورفع الأسعار

يرى أستاذ الاقتصاد، أن من حق التاجر الحفاظ على رأس ماله، ولكى يحدث ذلك سوف يقوم برفع أسعار السلع الموجودة لديه بنسبة معينة، لكى يستطيع شراء نفس كمية هذه السلع مرة ثانية بالأسعار الجديدة.

وتابع: فى الحقيقة أن المغالاة والمبالغة فى التحوط هى المشكلة، ويؤدى ذلك إلى حدوث جشع من جانب بعض التجار فى تسعير السلع الموجودة لديهم، حيث يكون لديهم توقعات سلبية بشكل أكبر من المتوقع، ولكن هم يتحوطون بقدر الإمكان وبدرجة مبالغ فيها، وهذا ينعكس على ارتفاع الأسعار بشكل كبير فى الأسواق.

وأكد راشد على ضرورة توفير الحكومة رعاية ودعم الفئات المستحقة للدعم، وزيادة حجم الدعم النقدى المقدم لتلك الفئات خلال الفترة الحالية للتخفيف من أعباء زيادة الوقود عليهم، لأن زيادة أسعار الوقود ستنعكس على ارتفاع جميع السلع بلا استثناء، خاصة أن الزيادة كانت كبيرة، وبالتالى سوف تترك تأثيريها بشكل رئيسى فى الأسعار.

قرار غير مدروس 

بدأت النائبة البرلمانية عن الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى، سناء السعيد، حديثها قائلة إن قرار رفع أسعار الوقود غير مدروس وعشوائى، ولم تدرس الحكومة جيدًا تبعاته وآثاره الخطيرة على المواطن المصرى، لدينا حكومة تناقض نفسها.

وتساءلت السعيد: لماذا خالفت الحكومة لجنة تسعير المواد البترولية المشكلة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم (2764) لسنة 2018 والذى نصت فقرته الأخيرة من مادته الثانية على (على ألا تتجاوز نسبة التغيير فى سعر المنتج للمستهلك ارتفاعًا وانخفاضًا عن 10 % من سعر البيع السائد حاليًا، والقرار ينص بمادته الأولى على انعقاد اللجنة بشكل ربع سنوي.

وتابعت: لماذا تلك الزيادات الرهيبة غير المبررة مع تراجع سعر برميل النفط لما يقارب تقديرات الحكومة له بموازنة العام المالى الحالى، وكيف يتم رفع أسعار كل أنواع البنزين بنسبة %19.7 والغاز بنسبة %30 وأسطوانة الغاز المنزلى بنسبة 22.2 %، ولماذا تجاوز الحكومة وتخالف ما أصدرته من قرارات؟

وأكدت السعيد، أن الحكومة كان يجب عليها ألا تتلاعب فى أسعار المواد البترولية فى هذا الوقت، مفسرة أن لذلك آثاره السلبية مع موجة الارتفاع التى ستضرب كل السلع والخدمات، قائلة: المواطن سوف يعانى الفترة المقبلة، وسوف يصبح عاجزًا عن تلبية احتياجاته الأساسية.

تابعت: القرارات أحدثت توترا وقلقا فى الشارع المصرى، وسوف يتأثر بها الجميع فقراء وأغنياء، لكنها ستكون شديدة الصعوبة على الطبقة الفقيرة التى باتت تصرخ ولا أحد يسمعها، بينما تآكلت الطبقة المتوسطة تمامًا، ولهذا نرفض تبريرات الحكومة بأن ذلك ضريبة الحرب الإقليمية، وكان يستوجب عليها اتخاذ قرارات أخرى لمواجهة آثار الحرب غير جيوب المواطنين الذين يعانون أساسا فى ظل الأزمة الاقتصادية.

وأضافت: هذه القرارات العشوائية لن تؤثر فقط على أسعار وسائل النقل بل ستصل حتى لـ«ربطة الجرجير»، وحزمة الحماية الاجتماعية التى أعلنت عنها وزارة المالية والحكومة لن يكون لها أى تأثير إيجابى على المواطن، فهذه الزيادة التهمتها من قبل أن تصل لمحفظته.

وقالت، أقول لوزير المالية أنت أخدت من المواطن الزيادة فى المرتبات قبل إقرارها، وأى زيادة جديدة فى الحد الأدنى للمرتبات لن تفيد.

ووجهت النائبة رسالتها للمواطن قائلة: «الله يعينك، ما أقدرش أقوله غير كده، إحنا صوتك فى البرلمان ونطالب بحقك».. وناشدت الحكومة قائلة: «يا جماعة بصوا للمواطن المطحون، الغلبان، المواطن بقت حالته صعبة، والطبقة المتوسطة تآكلت، والفقيرة تصرخ».

ضغوط عالمية

وبرر رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر، أحمد عصام، قرارات الحكومة قائلًا إن الزيادات الأخيرة فى أسعار الوقود تأتى فى ظل ضغوط اقتصادية عالمية تتجاوز الحدود المحلية، مشيرًا إلى أن أزمة الطاقة وارتفاع الأسعار باتت ظاهرة تؤثر فى عدد كبير من الدول ومنها مصر.

وأوضح أن ما يحدث فى السوق المحلية يرتبط أيضًا بتغيرات سعر الصرف، إذ أدى ارتفاع الطلب على الدولار إلى زيادة قيمته خلال الفترة الأخيرة، وهو ما انعكس بدوره على تكلفة استيراد الطاقة وتسعير المنتجات البترولية مقارنة بالتقديرات التى وضعتها الحكومة فى الموازنة العامة.

وأضاف رئيس الهيئة البرلمانية فى تصريحاته لـ «روزا اليوسف» أن الحكومة تحاول موازنة الأعباء وتقسيمها بين الدولة والمواطن، موضحًا أن الزيادات الأخيرة لا تعكس رفعًا كاملًا للدعم. 

كما اعتبر أن الرقابة على الأسواق تمثل أحد أهم أدوات الحد من آثار ارتفاع الوقود على الأسعار، مفسرًا: «المشكلة لا تقتصر على التكلفة فقط، بل تمتد أحيانًا إلى ممارسات بعض التجار، والرقابة على الأسواق هى الأساس حتى لا نترك المواطن فريسة للممارسات الاحتكارية من بعض التجار.

وأشار عضو مجلس النواب إلى أن تشديد الإجراءات ومن بينها اقتراح رئيس الجمهورية تحويل المتلاعبين بأسعار السلع الاستراتيجية للقضاء العسكرى قد يشكل رادعًا لتلك الممارسات، مؤكدًا أن الهدف هو منع استغلال الأزمات الاقتصادية فى تحميل المواطنين أعباء إضافية. 

رسالة ردع

من الناحية القانونية، أوضح المحامى أسعد هيكل، المتحدث السابق باسم لجنة الحريات بالنقابة العامة للمحامين، الإطار الدستورى والقانونى الذى يمكن الاستناد إليه فى إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكرى، قائلًا إن الأصل فى النظام القضائى المصرى هو محاكمة المدنيين أمام القضاء العادي.

وقال إن إحالة المدنيين إلى القضاء العسكرى تظل استثناءً دستوريًا، مشيرًا إلى أن الدستور المصرى أجاز هذا الاستثناء فى حالات محددة، من بينها الجرائم التى تمس المنشآت أو المصالح الحيوية التى تتولى القوات المسلحة حمايتها.

وأوضح المحامى أسعد هيكل، أن هذا المسار لا يتم تلقائيًا فى جميع حالات المخالفات، بل تخضع لتقدير السلطات القضائية المختصة بعد تحرير محضر بالواقعة.

وأشار إلى أن المحاضر قد تُحرر بواسطة الشرطة المدنية أو العسكرية، قبل عرضها على الجهات القضائية التى تقرر الجهة المختصة بنظر القضية، موضحًا أن القرار النهائى قد يكون بالإحالة إلى القضاء المدنى أو العسكرى «وفقًا لما تراه من مصلحة عامة للبلاد».

وأوضح أن النشاط التجارى غالبًا ما يرتبط بمقار للتخزين أو العرض، وهو ما قد يندرج ضمن نطاق الحماية القانونية للمنشآت، التاجر يبيع من خلال أماكن تخزين وأماكن عرض، وتلك الأماكن تتولى حمايتها القوات المسلحة وتندرج «أوتوماتيكيًا» وفقًا لهذا القانون.

وأشار إلى أن هذا الإجراء يحمل رسالة ردع فى مواجهة الجرائم التى قد تؤثر على الاقتصاد أو الاستقرار العام

 

تكلفة شراء الخام 

من جانبه قال محمود العسقلانى، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، إن قرار زيادة أسعار المحروقات سيكون له انعكاسات مباشرة على تكلفة المعيشة.

وأضاف أن الدولة مُضطرة طبعًا لاتخاذ هذا الإجراء، مفسرًا أنها قد تلجأ إلى تلك القرارات فى ظل الارتفاعات العالمية فى أسعار الطاقة، وأن شركات البترول العاملة فى مصر، بما فيها الشركات الشريكة فى عمليات التنقيب، تتعامل وفق آليات تسعير مرتبطة بالسوق العالمية، وهو ما ينعكس فى النهاية على تكلفة شراء الخام محليًا.

وأوضح العسقلانى، أن الحكومة وعدت بحال تراجع الأسعار عالميا وتوقف الحرب سوف تعود للأسعار القديمة، لكنه حذر فى الوقت نفسه من استغلال بعض التجار للأزمات الاقتصادية، لافتًا إلى أن الأسواق تشهد فى كثير من الأحيان زيادات فى الأسعار قبل صدور أية قرارات رسمية.

وأشاد العسقلانى بمقترح الرئيس السيسى بإحالة بعض التجار المتلاعبين للقضاء العسكرى، قائلًا: «مقترح إيجابى جدًا، ويجب ملاحقة التجار الجشعين الذين يمارسون الاحتكار وتعطيش السوق خاصة بالسلع الاستراتيجية، وتقديمهم للمحاكمة، لتكون رسالة ردع حازمة لغيرهم من الانتهازيين.