إيران بين الوراثة والانتحار الراديكالى
المرشد الثأرى
ياسمين علاء
استيقظ العالم فجر الاثنين 9 مارس الجارى، على إعلان لم يكن مفاجئًا فى جوهره بقدر ما كان صادمًا فى توقيته وتداعياته، وذلك بإعلان مجلس خبراء القيادة الإيرانى مجتبى خامنئى، مرشدًا عامًا للجمهورية الإسلامية، بعد أيام معدودة من مقتل والده آية االله على خامنئى، فى هجوم استراتيجى نُسب للولايات المتحدة وإسرائيل، ليدخل النظام الإيرانى رسميًا «حقبة الوراثة السياسية» التى لطالما نفاها مؤسسو الثورة، وحذروا من انزلاق النظام إليها.
الصعود الدراماتيكى لهذا الرجل «الغامض»، الذى عاش ثلاثة عقود فى هندسة الظل بلا خطاب عام واحد، يطرح التساؤل الوجودى الأكبر: هل يسير مجتبى على خطى والده فى «الصبر الاستراتيجي» والتوازنات المعقدة، أم أن خلفيته الأمنية وتحالفاته مع الحرس الثورى ستدفعه لتجاوز الخطوط الحمراء نحو تشدد مطلق قد ينهى تصورنا للجمهورية الإسلامية كما نعرفها؟
الانتقال الوراثى
لأول مرة منذ 47 عامًا، يشهد نظام ولاية الفقيه انتقالًا وراثيًا للسلطة، وهو الأمر الذى يمثل زلزالًا أيديولوجيًا. مجتبى، الابن الثانى للمرشد الراحل والمولود فى مشهد عام 1969، لم يعد مجرد «ابن المرشد» بل «السيد» الذى كان والده يمهد له الطريق منذ سنوات طويلة.
تعود جذور هذا التمكين إلى انتخابات عام 2005، حين اتهم مهدى كروبى، رئيس البرلمان الأسبق وأحد رموز الإصلاح، مجتبى بالتدخل المباشر لدعم مرشحين بعينهم، ليرد على خامنئى بجملته الشهيرة التى أصبحت اليوم دستورًا جديدًا: «هو سيد وليس ابن سيد».
كانت هذه الجملة بمثابة الضوء الأخضر الأول لبناء شرعية ذاتية لمجتبى بعيدًا عن كونه ابنًا للقائد، وتمهيدًا لتقديمه كـ«آية الله» فى الحوزة العلمية بقم عام 2022، حيث بدأ تدريس دروس «الخارج» فى الفقه والأصول، وهى الدرجة العلمية اللازمة لتولى منصب القيادة.
انتخاب مجتبى ليس مجرد إجراء إدارى لملء فراغ السلطة، بل هو انتصار حاسم لـ«دائرة الظل» فى مكتب القيادة، التى استطاعت فى لحظة الارتباك عقب الهجمات الخارجية أن تفرض مرشحها وتخلق واقعًا وراثيًا ينهى أى طموح للإصلاحيين، أو حتى المحافظين التقليديين فى تغيير مسار النظام.
صعود المرشد الأمني
يواجه الإيرانيون اليوم «مرشدًا بلا صوت»، فبينما كان على خامنئى خطيبًا مفوهًا يتقن تطويع الأدبيات الفارسية والدينية فى خطبه، يظل مجتبى شخصية أمنية بامتياز، تفضل الغرف المغلقة على المنصات العامة. لم يُنشر له خطاب واحد، ولم يشاهده الإيرانيون يتحدث للجمهور، ما يجعله «صندوقًا أسود» يحكم بلدًا يغلى بالأزمات.
وتؤكد شهادات الخارجين من عباءة النظام، مثل محمد سرافراز، الرئيس السابق لهيئة الإذاعة والتليفزيون، أن نفوذ مجتبى لم يستمد من فقهه بل من إدارته المباشرة للعلاقة مع أجهزة الاستخبارات، وخاصة مع حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات الحرس الثوري.
ويشير هذا التحالف بوضوح إلى أن إيران تنتقل من حقبة «الفقيه السياسي» الذى يوازن بين المصالح، إلى حقبة «الفقيه الأمني» الذى يرى كل تحدٍّ داخلى أو خارجى بمثابة ثغرة أمنية يجب إغلاقها بالقوة.
هذا التحول يعنى أن المرشد الجديد قد يكون أكثر ميلًا للاعتماد على القوة الصلبة والقمع الممنهج لمواجهة أزمات الشرعية المتفاقمة، مدعومًا بجيل من «المحافظين الجدد» والعسكريين الذين نشأوا فى ظل توترات العقد الأخير، ولا يؤمنون بجدوى الدبلوماسية مع الغرب.
صدمة التوريث
تعكس الصحافة الإيرانية حالة من الاستقطاب الحاد وغير المسبوق، إذ تنقسم الآراء بين: المعسكر الأصولى الذى يروج لمجتبى بصفته «القائد الشاب» القادر على حماية الثورة فى وجه «العدوان الصهيو-أمريكي».
ووصفته صحف مثل «كيهان» بأنه خلف صالح لسلف عظيم، وشددت على كفاءته العلمية والأمنية فى وقت الحرب، وهو الضمانة الوحيدة لعدم تفكك الدولة تحت وطأة الضربات الخارجية.
بينما يرى المعسكر الإصلاحى والشارع فى تولى مجتبى «رصاصة الرحمة» على ما تبقى من الطابع الجمهورى للنظام، حيث تعود للأذهان صرخة مير حسين موسوى من إقامته الجبرية وهو يقول: «هل عادت سلالات الـ 2500 عام لتوريث الحكم؟».
يرى الشارع الإيرانى، الذى قاد احتجاجات دامية فى 2025 و2026، أن مجتبى يفتقر لأى شرعية شعبية، ما يعمق الفجوة النفسية بين السلطة والجيل الشاب الذى لا يرى فى «المرشد الوراثي» سوى استمرار لسياسات القمع والإفقار.
بلد يحترق
يتولى مجتبى خامنئى السلطة وإيران غارقة فيما يسميه الخبراء «الأزمة المركبة»، ولا يقتصر التحدى أمامه على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التى أودت بحياة والده وبعض أفراد عائلته (من بينهم زوجته زهرة حداد عادل وشقيقته هدى)، بل هو انهيار بنيوى يضرب مفاصل الدولة، يتمثل فى الانهيار الاقتصادى والمالى الذى يظهر فى تضخم مزمن تجاوز حدود السيطرة، وانهيار كامل لقيمة «التومان»، واتساع رقعة الفقر لتشمل الطبقة الوسطى التى كانت يومًا صمام أمان النظام، فضلًا عن أزمات مياه وكهرباء حادة أخرجت مدنًا إيرانية كاملة عن طور الخدمة، ما حول الاحتجاجات المطلبية إلى انتفاضات سياسية تطالب بإسقاط النظام، وهجرة جماعية للنخب والعقول، وفقدان الأمل لدى الشباب، وتحول المجتمع إلى قنبلة موقوتة تنتظر أى شرارة للانفجار.
وهنا يظهر سؤال: كيف يمكن لمرشد بلا خبرة تنفيذية، ولا يتمتع بكاريزما جماهيرية، أن يقنع شعبًا مثقلًا بالديون والهموم بجدوى نظام وراثى يأتى فى توقيت الحرب والفقر؟
بين التصلب والانهيار
يرى المحللون أن مجتبى خامنئى أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يحاول استنساخ براجماتية والده الحذرة، وهو أمر مشكوك فيه نظرًا لأن مجتبى هو «ابن المؤسسة الأمنية» وليس «ابن السياسة»، كما أن الظروف الدولية الحالية لا تسمح بمساحات المناورة التى كانت متاحة لوالده.
والخيار الثانى هو استخدام التصعيد الراديكالي؛ وهو السيناريو الأرجح، فقد يعمد المرشد الجديد إلى تسريع البرنامج النووى للوصول للحافة النووية كـ«تأمين نهائي» لبقاء سلالته، وزيادة وتيرة القمع الداخلى تحت ذريعة «حالة الحرب».
د. دينا محسن، مديرة مركز العرب للدراسات، قالت إن تولى مجتبى خامنئى قد يمثل نهجًا أكثر تطرفًا وصدامية مقارنة بعهد والده، نتيجة البيئة المحيطة به، والتى توصف فى بعض مراكز الفكر الإيرانية بأنها «حرب النهاية»، حيث لا مكان للمنطقة الرمادية، وإنما الانتصار أو الهزيمة.
وتشير إلى أن مجتبى قد يتجه إلى اعتماد سياسة أكثر حدة، مع أمل بأن تظل الصدامية موجهة نحو التحالف الصهيو- أمريكى، بعيدًا عن الدول العربية والبنى التحتية المدنية.
وتؤكد أن أساليب مجتبى الحالية لا يمكن اعتبارها صبرًا استراتيجيًا على غرار والده، موضحة أن موقفه من التفاوض يظهر رفضًا لأى تسويات أو هدنة، مع ميل إلى التهور لتحقيق أهداف استراتيجية أو على الأقل لحفظ ماء الوجه.
وأضافت أن التحالفات الراديكالية التى أوصلته للسلطة تحمل إشكالات داخلية، وهو لا يمتلك النفوذ الكامل داخل جميع مؤسسات النظام، ما يجعل ملء الفراغ السياسى والحفاظ على مؤسسات الدولة وحماية اللحمة الوطنية مهمة معقدة للغاية، خاصة فى ظل آثار الحرب المستمرة والعقوبات الاقتصادية.
وفى تقييمها لقدراته، ترى محسن أن مجتبى يتمتع بخبرة عسكرية واستخباراتية واسعة، وقد شارك فى الحرب العراقية-الإيرانية، ولديه علاقات دولية، إلا أن التحدى الأكبر يكمن فى إدارة مؤسسات الدولة وتجنب تفاقم الأزمات الداخلية والخارجية، وهو ما سيظهر أثره خلال الأسابيع والأشهر القادمة.
مقامرة السلالة
انتقال السلطة إلى مجتبى خامنئى فى ظل هذه الظروف الدامية ليس مجرد تغيير فى الوجوه، بل هو تدشين لجمهورية جديدة هجينة، تمزج بين ولاية الفقيه الوراثية والدولة الأمنية العسكرية.
وبينما يحاول النظام لملمة شتاته بعد الضربة القاصمة التى تلقاها، يجد نفسه أمام مرشد محاصر بالحرائق من كل جانب.
لقد أصبح «سيد الظل» الآن فى بؤرة الضوء، لكنه ضوء مشحون بالتوترات، ولن تحدد الأسابيع والأشهر الأولى من حكم مجتبى مصير عائلته فقط، بل ستحدد ما إذا كانت إيران ستنجو كدولة موحدة، أم أن نظام «الوراثة القسري» سيكون هو المسمار الأخير فى نعش الجمهورية الإسلامية التى لم تعد تشبه أحلام مؤسسيها.











