رجل الأزمات اللحظية أم مؤسس المشروع الوطنى للرياضة المصرية
أى وزير نحتاج الآن؟!
محمد عادل حسنى
لحظات التغيير لا تختبر الأشخاص بقدر ما تختبر الأفكار، ومع كل تعديل وزارى تتجه الأنظار إلى الاسم الجديد لكن السؤال الأهم لا يكون مَنْ جاء؟ بل ماذا سيفعل وكيف سيفكر؟ فالمناصب لا تصنع الفارق وحدها بل طريقة إدارتها هى التى ترسم أثرها، ولهذا ومع تولى جوهر نبيل مسئولية وزارة الشباب والرياضة لا يبدو التحدى فى عدد الملفات الموضوعة على مكتبه، بل فى تعريفه هو لطبيعة المرحلة فهل جاء ليدير ما هو قائم أم ليعيد صياغته؟!
مع كل تعديل وزارى يبدأ الوزير الجديد عمله بقائمة طويلة من الملفات العاجلة وتقارير جاهزة واجتماعات لا تنتظر وملفات مفتوحة منذ سنوات غير أن التاريخ لا يتذكر من أداروا الملفات بكفاءة يومية بقدر ما يتذكر من غيروا المسار وصنعوا تحولاً حقيقيًا يبقى بعد رحيلهم، ومن هنا يصبح السؤال أهم من كل القوائم أى وزير نحتاج الآن وهل المطلوب مدير بارع للأزمات اللحظية أم صانع لمشروع يمتد أثره لسنوات؟!
وزارة الشباب والرياضة ليست قطاعًا تقليديًا تتحرك فى نطاق فنى محدود، لكنها مساحة تتقاطع فيها الضغوط الجماهيرية مع الحسابات الاقتصادية مع طموحات الملايين، ولذلك يعيش من يجلس على مقعدها تحت ضغط دائم فخسارة مباراة قد تتحول إلى قضية رأى عام وأزمة إدارية فى نادٍ قد تتسع دوائرها فى ساعات ومشاركة فى بطولة كبرى قد ترفع سقف التوقعات إلى أقصاه ولهذا فإن أى قرار يصدر من هذا المكتب لا يقاس بمعاييره الفنية وحدها، بل بصداه الواسع أيضًا.
وهنا تظهر المعضلة الحقيقية أمام جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة الجديد فهو يتحرك بين زمنين فى وقت واحد، زمن سريع صاخب تحكمه العناوين اليومية ومنصات التواصل وضغط البرامج التليفزيونية والتحليلات وزمن آخر بطىء هادئ يحتاج إلى سنوات حتى تظهر ثماره ويتعلق ببناء قاعدة ناشئين وتطوير بنية تحتية وصناعة منظومة متكاملة، وهنا السؤال الذى سيحدد شكل المرحلة ليس كم ملفًا سيفتح ولا كم اجتماعًا سيعقد، بل أى الزمنين سيحكم قراراته فهل سينحاز إلى امتصاص الغضب اللحظى أم سيغامر بالاستثمار فى المستقبل حتى لو لم يجن ثماره سريعًا.
التجارب الرياضية الكبرى تثبت أن الصعود الحقيقى لا يحدث فجأة فالفرق التى تنافس باستمرار لا تولد قبل البطولات بأشهر، بل تنمو داخل مشروع واضح لا يتغير بتغير الأشخاص والأبطال الذين يصعدون منصات التتويج لا يصنعون فى عام المنافسة، بل عبر سنوات من الإعداد المنظم، ومن هنا يصبح التفكير فى النتائج الفورية وحده فخًا كبيرًا لأنه يغرى بالحلول السريعة ويؤجل البناء الحقيقى وربما كان التحدى الأكبر أمام الكابتن جوهر نبيل ليس فى كثرة التوقعات، بل فى امتلاك شجاعة الاختيار بين قرار يرضى الجميع اليوم وقرار يغضبهم، لكنه يصنع شيئًا يستمر أثره سنوات.
الرياضة مساحة مشاعر قبل أن تكون أرقامًا، ولذلك فإن أى إصلاح حقيقى سيصطدم بالضرورة بمقاومة لأن إعادة هيكلة المنظومة ووضع معايير واضحة وإدخال آليات التقييم والمحاسبة تبدو خطوات غير مريحة للبعض، لكنها فى الوقت ذاته شرط أساسى لأى تحول ونهوض بالمنظومة ولا يمكن بناء مشروع طويل المدى بدون قرارات صعبة ولا يمكن الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل بدون استعداد لتحمل قدر من الهجوم والاختلاف.
كابتن جوهر نبيل إذا أراد أن يضع بصمته لن يكتفى بإدارة اللحظة، بل سيحتاج إلى إعادة تعريف معنى النجاح فى هذا المنصب، وهل يقاس النجاح بعدد الأزمات التى تم احتواؤها أم بوضع نظم ومعايير لإدارة الملفات وهل يكون الهدف هو عبور موسم هادئ أم بناء منظومة قادرة على العمل بكفاءة حتى فى أصعب الظروف، فالفارق بين الاثنين ليس نظريًا فقط، بل عمليًا أيضًا لأن إدارة الأزمة تتطلب سرعة واستجابة، أما صناعة المشروع فتتطلب رؤية واضحة ومؤشرات قياس وخطة زمنية معلنة ومتابعة دورية صارمة.
لفترة طويلة تم قياس النجاح الرياضى بعدد البطولات والميداليات غير أن التحول الحقيقى لا يكون فى تحقيق لقب مفاجئ، بل فى بناء نظام يجعل اللقب نتيجة طبيعية لعمل مستمر ونظام يربط القاعدة بالقمة ويربط التخطيط بالنتائج ويربط الطموح بالإمكانات، وعندما تتحول الوزارة إلى عقل يخطط ويضع أهدافًا قابلة للقياس ويربط الدعم بالنتائج ويؤسس لثقافة تقييم دورية فإن الإنجازات ستأتى كنتيجة منطقية لا كاستثناء عابر.
لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعى قادرة على تضخيم أى إخفاق وتحويله إلى عاصفة خلال ساعات غير أن القيادة فى هذا الموقع تعنى الثبات أمام هذه العاصفة وتعنى أيضًا الشفافية فى عرض الرؤية والمراحل حتى يصبح الجمهور شريكًا فى الفهم لا خصمًا فى المواجهة فالمشروع حين يكون واضحًا يمكن الدفاع عنه وحين تكون مراحله معلنة يمكن تقييمه بموضوعية.
كل وزير يمر بلحظة اختبار حقيقية لحظة يختار فيها بين أن يكون جزءًا من دورة أزمات تتكرر أو بداية مسار مختلف وقد لا تكون تلك اللحظة معلنة، لكنها تتجسد فى قرارات صغيرة تتراكم لتصنع اتجاهًا عامًا والتاريخ لا يذكر من نجح فى إدارة يوم صعب، بل من وضع أساسًا استفاد منه من جاء بعده ومن ترك وراءه منظومة أقوى مما تسلمها.
ومن ثم فإن السؤال الأهم اليوم أمام جوهر نبيل ليس كم بطولة سنحقق ولا كم أزمة سنحل، بل أى صورة نريد للرياضة بعد عدة سنوات من الآن وهل نريد وزارة تتحرك بردود أفعال سريعة أم مؤسسة تفكر بعقل وتبنى للمستقبل، والفرق بين الاثنين لا يقاس بعدد الاجتماعات، بل بنوع القرارات ولا بحجم التصريحات، بل بوضوح الرؤية.
وفى النهاية لن يتذكر الناس عدد البيانات التى صدرت ولا عدد الاجتماعات التى عقدت، بل سيتذكرون فقط إن كانت هذه اللحظة بداية تحول أم مجرد محطة عابرة فإما أن يختار وزير الشباب والرياضة الجديد متمثلاً فى جوهر نبيل أن يكون رجل مرحلة، وإما أن يختار أن يكون مؤسسًا لحقبة جديدة والفرق الحقيقى بين الاثنين لا يصنعه القرار السريع، بل الرؤية التى تصمد بعد أن يهدأ كل شىء.
جوهر نبيل وهو يتولى منصبًا جديدًا مهمًا يستحق مساحة من الدعم الهادئ لا التصفيق ولا الهجوم، بل دعمًا قائمًا على المتابعة والانتظار لقرارات صحيحة تعيد الانضباط للمنظومة وتفتح الباب لإنجازات حقيقية تعيد الرياضة المصرية إلى مكانتها الطبيعية، فالمناصب تمنح الفرصة، أما النتائج فتكتبها الاختيارات.







