بنت الصعيد التى كسرت احتكار الرجال للربابة.. وأعادت للسيرة الهلالية صوت النساء
صفا الهلالى لـ«روز اليوسف»: الريس «متقال» الأب الروحى لعازفى الربابة
هاجر عثمان
من سوهاج خرجت صفا الهلالى، لا لتغنى فقط، ولكن لتٌعيد فتح صندوق الذاكرة الشعبية المصرية؛ اختارت آلة «للرجال فقط» كما يُقال فى الصعيد، وتعلمتها بلا منهج، ولا دعم، وسط سخرية ورفض، حتى أصبحت اليوم واحدة من القلائل اللاتى يعزفن الربابة ويقدمن السيرة الهلالية من منظور نسوى، دون أن يفقد التراث روحه أو يتحول إلى زينة موسيقية.
تحكى عازفة الربابة ومغنية السيرة الهلالية صفا الهلالى لروزاليوسف رحلتها من سوهاج وصولًا إلى العزف فى مسارح القاهرة.
فى البداية، بصفتكِ بنتًا من الصعيد، كيف بدأت رحلتك مع عالم الموسيقى؟
كنت طفلة عادية جدًا، عمرى حوالى 10 سنوات، وكانت أمى تستمع باستمرار للأغانى الشعبية وتدندنها طول الوقت، وكانت تُفضل الاستماع لمطربات شعبيات مثل فاطمة عيد وفاطمة سرحان، وكنت أشاركها الغناء والدندنة مع هذه الأصوات، وكانت أمى أيضًا حريصة أن تذهب بنا مع أخوتى لحضور حفلات فى قصر ثقافة سوهاج، وكان شيئًا نادرًا وغريبًا أن يحدث فى الصعيد فى ذلك الوقت.
وأعتقد أن هذا المناخ شكّل وعيى الموسيقى من غير ما أشعر، وزرعت أمى داخلى حب هذا العالم بدون قصد.
فى سن مبكرة، التحقت بفرقة إنشاد دينى تابعة لقصر ثقافة سوهاج، ثم فرقة للفنون الشعبية، وهناك استمعت لأول مرة، لأصوات ساحرة تصدر من آلات كالربابة، المزمار، وكانت تصيبنى هذه الأصوات بسعادة غامرة كلما استمعت لها.
«لم يكن فى بالى أبدًا أن بنتًا صعيدية يمكن أن تمسك الربابة»، كان أمرًا مستحيلًا اجتماعيًا، لذلك قررت فى البداية أكتفى بالغناء، والاستمرار فى الغناء بقصر ثقافة سوهاج حتى مرحلة الالتحاق بالجامعة فى القاهرة.
هل التحقت بالدراسة فى معهد الموسيقى؟
لا، فى البداية درست فى كلية التربية- قسم اللغة الإنجليزية، لكن بالتوازى مع الدراسة انخرطت فى عالم الفرق المستقلة، أبرزها فرقة النيل للآلات الشعبية وفرقة الورشة مع الفنان حسن الجريتلى، تعلّمت الكثير خلال السنوات الطويلة، التى أمضيتها فى هذه الفرق سواء على مستوى العمل المسرحى والغنائى، وكان حظى كبيرًا عندما تتلمذت على يد الأستاذة فاطمة سرحان، التى علمتنى أصول الغناء الشعبى الفولكلورى بوصفه فنًا له قواعد وهوية، لا مجرد أداء.
لكن رغم الغناء، ظل الإحساس نفسه بالفرح والانبهار مستمرًا، كلما سمعت لصوت الربابة فى فرقة النيل، «كنت دايمًا حاسة إن صوتى محتاج الربابة وراه، كنت حريصة على مراقبة العازفين وطريقة عزفهم والاستماع لأنغام الآلة المميزة، فى لحظة قلت « ليه لأ؟ ليه ما أتعلمش الربابة؟».
وهل كان التعلم سهلًا؟
إطلاقًا، اشتريت ربابة، لكن فشلت فى العزف عليها، لأن الربابة آلة صعبة جدًا، ولا يوجد دروس تعلم لها على اليوتيوب مثلًا، ولا مراجع أو حتى اعتراف أكاديمى بالآلة، فهى لا تُدرّس فى أى مؤسسة رسمية أو معهد موسيقى العربية.
إذن لماذا التحقتِ بمعهد الموسيقى العربية؟
التحقت بالمعهد مؤخرًا ليس لتعلم عزف الربابة، ولكن لتعلم الموسيقى أكاديميًا؛ دراسة المقامات، النوتة الموسيقية، الهارمونى، وكان هدفى أيضًا تعلم كيفية تدوين وكتابة الألحان الشعبية إلى أعرفها بصورة موسيقية أكاديمية بدلا من كونها ألحانًا شفاهية فقط، ليصبح لها منهج مدون أكاديمى متاح للجميع محمى من الاندثار، وتخرجت من المعهد سنة 2025.
وعلى يد من تعلمتِ عزف الربابة فعليًا؟
الحقيقة لم أتعلم الربابة على يد شخص واحد، أغلب عازفى الربابة لديهم موهبة، لكن لا يمتلكوا منهجًا تعليميًا، وتعلمت العزف عليها ذاتيًا، من خلال المتابعة والملاحظة لكل عازف قابلته، سواء فى الفرق الشعبية أو فى الحفلات والمراكز الثقافية فى الصعيد.
هل واجهتِ قبولًا من مجتمع العازفين الذين حاولتِ التعلم منهم؟
فى البداية لم يكن هناك ترحيب بوجودى، واجهت سخرية ورفضًا من العازفين، واستمعت إلى تعليقات لاذعة مثل «مفيش بت تعزف ربابة»، «الربابة للرجالة فقط»، «خليكى فى الغنا أسهل»، «عايزة تتعلمى.. اتعلمى مع ضحكة ساخرة»، وفى الحقيقة الربابة آلة صعبة على الرجال والنساء.
ما الذى يميز آلة الربابة عن غيرها؟
الربابة آلة ثقافية جدًا قبل أن تكون موسيقية، لها خصوصية وهوية. «مش آلة أول ما تلمسيها تطلع صوت. لازم تحبيها»، الربابة تحتاج أن تحبيها وتفهميها وتكونى مؤمنة بخصوصيتها لكى تعطيكى صوتا جميًلا.
لا يمكن الحديث عن الربابة دون ذكر الريس متقال.. ماذا يمثل لكِ؟
الريس متقال كان نموذجًا للفنان المؤمن بآلته، لا الساعى للاستعراض، لم يكن يعزف من أجل المال أو الشهرة، كان له طريقة خاصة جدًا فى العزف والأداء، لذا استمر كأحد أشهر العازفين المميزين لآلة الربابة، وأتعلم منه كثيرًا، أثناء مشاهدته فى برامج الفن الشعبى التى يتم إذاعتها على قناة ماسبيرو زمان.
وتأثرت أيضًا بالفنان الأسيوطى شاكر إسماعيل بفرقة النيل للآت الشعبية، وتعلمت منه الكثير فى العزف على آلة الربابة.
ما أصعب التحديات التى واجهتكِ فى رحلتك للغناء والعزف للربابة؟
فى البداية واجهت تحديات عائلية، الطريق لم يكن سهلًا، بل ملىء بالحروب الاجتماعية، ورفض لفكرة الغناء والسفر للقاهرة؛ لكن أمى كانت الداعم الأساسى فى رحلتى وبدونها لما يكتمل مشوارى، دافعت عنى كثيرًا لإيمانها بدور الفن ورسالته.
ولكن هذه الأفكار لم يكن مرحب بها فى مجتمع صعيدى محافظ، يحمل نظرة سلبية لاحتراف فتاة مهنة الغناء أو الفن، بالإضافة إلى أن سفر البنت بمفردها للعاصمة غير مقبول اجتماعيًا.
لكن مع الوقت، وعندما تابعوا أخبارى وحفلاتى التى تقام فى أماكن تابعة لوزارة الثقافة المصرية مثل؛ قصر الأمير طاز، بيت السحيمى، بيت السنارى التابع لمكتبة الإسكندرية ومركز طلعت حرب الثقافي؛ أصبح أفراد من عائلتى بالصعيد يراسلونى ويطلبون غناء أجزاء بعينها من السيرة الهلالية.
اخترتِ غناء السيرة الهلالية.. هل تعتقدين أن دخول المرأة إلى هذا المجال يعيد قراءة التراث من زاوية جديدة؟
أولًا أنا نشأت على سماع السيرة فى الصعيد، واعتقد غياب النساء تاريخيًا عن روايتها مرتبط بظروف نشأتها فى جنوب مصر، وإنها تروى وسط عالم الرجال فى المناسبات المختلفة، ولكن مع ذلك كانت تلهمنى نساء العائلة فى الأفراح كمناسبة الحنة، حيث استمعت فى طفولتى لنساء يروين السيرة الهلالية ولكن داخل جدران المنازل، لم يحترفن الغناء خارج البيوت نظرًا للعادات والتقاليد التى تحكم المرأة فى الصعيد.
إذن، النساء الراويات للسيرة موجودات منذ زمن ولكن غُيب حضورهن فى المجال العام بحكم الخصوصية الثقافية للصعيد، أما وجود نساء الآن يروين السيرة، من المؤكد أنه سيظهر جوانب جديدة من السيرة عكس السائد، فمثلا أفضل فى غنائى التركيز على قصص البطولة النسائية ، فالسيرة مليئة بنساء ملهمات مثل الجازية وخضره الشريفة، ولكن تتوارى هذه البطولات النسائية خلف البطولة الفردية المطلقة لأبو زيد الهلالى.
السيرة الهلالية مُدرجة على قائمة التراث غير المادى لليونسكو، ما المخاطر التى تهدد بقاءها اليوم؟
السيرة الهلالية مهددة بالاندثار، إذا لم تُدرّس أكاديميًا، نحن معزولون عن تعليم تراثنا فى المدارس والجامعات، لماذا لا تُدرس الآلات الشعبية فى معهد الفنون الشعبية والموسيقى العربية؟ لماذا لا يصبح للغناء الشعبى منهج أكاديمى واضح، ويتخرج مئات العازفين لآلتنا الشعبية المهددة بالاندثار كالربابة والمزمار والكولة والأرغول، الحفاظ على التراث يحتاج مؤسسات، وليس مجهودات فردية.
أنتِ أيضًا تصنعين الربابة.. لماذا؟
لأن الربابات المتاحة مصممة للأصوات الرجالية، كنت محتاجة آلة تناسب طبقة صوتى، ومن خلال الفك والتركيب والتجريب، وبمساعدة أصدقاء، نجحت فى صنع ربابة من الصفر، وهدفى أن أعلم جيلًا جديدًا صناعة الآلة قبل أن تندثر.
كيف ترين توظيف الآلات الشعبية فى الموسيقى المعاصرة؟
أحيانًا يتم تشويهها واستخدامها «كديكور» فى العمل الفنى المعاصر، لكن هناك تجارب محترمة مثل تجربة الموسيقار العالمى فتحى سلامة، وظف استخدام الآلات الشعبية مع موسيقى الجاز، وكانت لها مساحة حقيقية بدون ما تطغى آلة على أخرى.
ما حلمك القادم؟
نفسى العالم كله يسمع الربابة بطعمها المصرى الأصل؛ وأحلم بمشروع وطنى لتعليم عزف وصناعة الآلات الشعبية، ودعم الفن الشعبى بوصفه فنًا أصيلًا، وليس فن درجة تانية.







