الخميس 19 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الكنيسة و الدولة 10.. ارتبط اسمه بالصراع اللاهوتى الثانى وترك كنزا أدبيا للكنيسة القبطية

البابا كيرلس الكبير عمود الدين وتلميذ جبل نتريا

بطاركة الكنيسة القبطية



118 بطريركًا تعاقبوا على كرسى مار مرقس منذ بداية النصف الثانى من القرن الأول الميلادى، وهو تاريخ دخول المسيحية مصر وحتى الآن، بداية من القديس مرقس الرسول إلى قداسة البابا تواضروس الثانى الذى يحمل الرقم 118، وخلال 20 قرنًا تقريبًا ارتبط هؤلاء البطاركة بالدولة والمجتمع المصرى، عبروا عنه وحملوا همومه.

فى هذه السلسلة نقدم نبذة سريعة عن بطاركة الكنيسة القبطية للتعريف بهم وبدورهم ورسالة كل منهم.  

 

منذ بدأ انتشار المسيحية فى بقاع الأرض، قابلها أفكار مضادة تحاول تشتيت رعاياها والمؤمنين بها.. وفى الحلقة الماضية تحدثنا عن البابا ثاؤفيلوس البطريرك الثالث والعشرين، وكيف واجه العديد من الهراطقة والأفكار الغريبة الدخيلة التى كانت تنتشر بشكل كبير فى مصر، إلا أنه كان يفند كل تعليم خاطئ ويواجه بشكل حاد وحازم.

 

فى خضم تلك الأحداث، تولى البابا ثاؤفيلوس رعاية ابن أخته كيرلس الذى وُلد ما بين سنتى 375 و380 م، ونال قسطًا وافرًا من العلوم الكلاسيكية واللاهوتية، حيث كانت الإسكندرية فى ذلك الوقت مركزًا عظيمًا للتعلم، بالإضافة إلى ما تمتع به من تعاليم على يديّ خاله، فشبّ على معرفة العلوم الدينية والشغف بقراءة الكتب المقدسة وأقوال الآباء وسيرهم، كما كان يمتلك موهبة حفظ الألحان الكنسية.

  كيرلس الكبير

كل تلك الظروف والبيئة التى نشأ بها جعلته أهلا لأن يحمل لقب البابا كيرلس الكبير أو عمود الدين، إنه كيرلس الأول البابا الرابع والعشرون،

ارتبط اسم البابا كيرلس أبديًّا بالصراع الثانى العظيم فى اللاهوتيات الخاصة بالمسيح، وقاد المجمع المسكونى الثانى فى أفسس عام 431 لإدانة نسطور بطريرك القسطنطينية.

ويعتبر أحد الآباء البارزين ولاهوتى الكنيسة، وتدين له الكنيسة أكثر من أى لاهوتى آخر، خاصة أنه كان من أكثر المهتمين بتسجيل وكتابة الفكر الأبائى بالكنيسة.

اهتم به خاله البابا ثاؤفيلوس الـ 23 وألحقه بالمدرسة اللاهوتية بالإسكندرية لدراسة العلوم الفلسفية التى تعينه على الدفاع عن المسيحية ضد الهراطقة والمبتدعين، فتمكن من دراسة جميع العلوم الدينية والفلسفية، وبرع فيها حتى تخرجه.

لم يكتفِ خاله بذلك بل أرسله إلى البرية فى جبل النطرون لدير أبى مقار، حتى تتلمذ على يد الأنبا سيرابيون تلميذ الأنبا مقاريوس الذى أوصاه بأن يقوم بتهذيبه بكل العلوم الكنسية والنسكية؛ ومكث بالفعل مع أستاذه مدة خمس سنوات فى جبل نتريا تمكن خلالها من دراسة كتب الكنيسة وأجاد بإتقان كل علوم الكنيسة.

عودته للإسكندرية

بعد كل تلك الدراسات عاد إلى الإسكندرية؛ وقام خاله بسيامته شمّاسًا وبعد ذلك قسًا، وكلّفه بالقيام بالوعظ رغم صغر سنه، وبرع فى فهم الأسفار المقدسة وشرحها بطريقة عجيبة.

كان يرافق البابا فى الاجتماعات المهمة حتى فى مجمع السنديان بالقرب من خلقيدونية؛ حيث دين القديس يوحنا ذهبى الفم عام 403 م؛ وهو الأمر الذى كان يؤرقه كثيرا خاصة أنه كان يرى ندم خاله على هذا القرار ولم يتوان عن رفع هذا الحرم بعد جلوسه على كرسى البطريركية.

بعد رحيل خاله البابا ثيؤفيلس؛ حتى قال الشعب القبطى كلمته وأجمع الإكليروس على انتخاب القس كيرلس ليخلفه على العرش؛ وتم تجليسه بطريركًا بعد يومين فقط من رحيل خاله، وزار البابا دير القديس مقاريوس الكبير وخدم أول قداس إلهى بعد سيامته.

وكما تحدثنا كانت بداية عهده كبطريرك متأثرًا بالقضية التى ثارت بين خاله البابا ثيؤفيلس وبين القديس يوحنا ذهبى الفم، فعكف على دراسة هذه القضية؛ وهو يعرف أن خاله كان قد ندم على إصداره حكم النفى على ذهبى الفم، وظهر ندمه هذا فى آخر حديث له قبيل انتقاله من هذا العالم.

القديس يوحنا

  أخيرًا قام بإلغاء الحرْم الذى كان قد أصدره البطريرك ثيؤفيلس ضد القديس يوحنا الذهبى الفم، كما قام بتكريم القديس يوحنا ذهبى الفم والاعتراف بفضله أمام الجميع، مشيدًا بمؤلفاته الكثيرة ذات القيمة العظيمة، وقام البابا بتدوين قداس القديس مرقس الرسول دوَّن اسم القديس ذهبى الفم فى قائمة أسماء القديسين الذين يُذكَرون فيه، وهكذا وضع البابا كيرلس حدًا نهائيًا لهذه القضية.

 معاركه

لم تكن فترة حبرية البابا كيرلس أقل هدوءًا من فترة خاله بل كانت مثلها وأشد؛ لذلك ارتبط اسمه بالدفاع عن الإيمان المسيحى، ضد العديد من المشكلات والهراطقة مثل كتابات يوليانوس الجاحد والذى وضع ثلاثة كتب ضد المسيحية « فقام البابا كيرلس بالرد على هذه الأقوال وفنّدها كلها، وذلك فى ثلاثين كتابًا حرّرها سنة 433 م، ولا تزال عشرة كتب موجودة من الثلاثين».

 ولم يكتفِ بذلك بل كتب للإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير يطلب منه جمع كل نسخ كتب يوليانوس وحرقها فكان له ما أراد؛ كذلك قاوم أتباع نوفاتيوس الهرطوقى قس كنيسة روما الذى كان يرفض توبة من جحد الإيمان أثناء الاضطهادات، فأوضح البابا كيرلس فساد هذا المعتقد، وأمام إصرارهم على رأيهم اضطر البابا أخيرًا أن يطردهم من الإسكندرية.

كما واجه ثورة اليهود على المسيحيين بعد أن رأوا انتشار المسيحية السريع فقاموا بأعمال قتل وعنف ضدهم.

طرد اليهود

الحادثة الشهيرة والتى أشاع فيها اليهود أن إحدى الكنائس قد اشتعلت بها النيران، وإذ اجتمع مسيحيون حولها لإطفائها قاموا بقتلهم؛ قابلها المسيحيون من جهتهم بمحاولات عنف مضاد حاول البابا منعها، ولما لم يستطع استأذن الإمبراطور وطرد اليهود من المدينة دون سفك أى دماء، وبهذا انتهت الجالية اليهودية بالإسكندرية.

اتهم البابا كيرلس من قبل الوثنيين بالمسئولية عن قتل الفيلسوفة هيباتيا التى كانت تتبع الأفلاطونية الحديثة، وكانت صديقة والى المدينة أورستيوس، فيقول سقراط أنها ماتت بطريقة بشعة على أيدى بعض المسيحيين فى مارس سنة 415 م؛ وذلك بعد أن واجه الوثنيين فى كل محفل لهم.

بدعة نسطور

 أهم مشكلة واجهها البابا كيرلس كانت بدعة نسطور بطريرك القسطنطينية؛ والذى كان ينشرها بشكل كبير فى كل مكان؛ ولذلك قام البابا كيرلس وانتهز فرصة عيد الفصح عام 429 م؛ وكتب فى رسالته الفصيحة ما يفنّد هذه البدعة دون الإشارة إلى اسمه؛ وأرسلها إلى جميع الكنائس فى كل مكان، وأرسل رسائل كثيرة إلى نسطور ملأها بالحجج الدامغة والبراهين القوية التى تظهر فساد هرطقته لعله يقتنع ويرجع عن ضلاله.

وأمام إصرار نسطور على رأيه ومعتقده عقد البابا كيرلس مجمعًا مكانيًا فى الإسكندرية من أساقفة الكرازة المرقسية أدان فيه نسطور وشجب كل تعاليمه؛ وأرسل تقريرًا بما حدث فى المجمع إلى سفرائه الموجودين فى القسطنطينية وإلى كلستينوس أسقف روما، ثم إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس حين رآه يدافع عن نسطور حاسبًا إياه رجلًا فاضلًا عالمًا.

وأخيرًا قام البابا بعقد مجمع إقليمى آخر فى الإسكندرية عرض فيه كل المحاولات لمقاومة بدعة نسطور والرسائل التى كتبها فى هذا الشأن، فكتب الآباء بدورهم لنسطور يوضّحون له اعتقادهم فى الإيمان بالمسيح؛ وقدم البابا كيرلس الكبير اثنى عشر بندًا أو «حرومًا» ضد بدعة نسطور؛ شرح فيها العقيدة المسيحية السليمة وحرم فيها كل من يتعداها، وهى التى سُميت فيما بعد «الحرومات الاثنى عشر».

إلا أن نسطور احتقر الرسالة والحرومات وقام بكتابة بنود ضدها، وهكذا انقسمت الكنيسة إلى قسمين: الأول يضم كنائس روما وأورشليم وآسيا الصغرى وهذه الكنائس أيّدت البابا كيرلس فى رأيه، والثانى يضم كنيستى إنطاكية والقسطنطينية التى هى كرسى نسطور.

وأمام هذا الانقسام طلب البابا كيرلس من الإمبراطور ثيؤدوسيوس أن يجمع مجمعًا لدراسة الأمر، فاستجاب الإمبراطور لطلب البابا؛ وأرسل لجميع الأساقفة بما فيهم نسطور لكى يجتمعوا فى أفسس، وكان اجتماعهم يوم الأحد 13 بؤونة سنة 147 ش الموافق 7 يونيو سنة 431 م؛ وانتهى المجمع بحرم نسطور ووضع مقدمة قانون الإيمان.

استقبال الشعب

بعد انتهاء المجمع عاد البابا كيرلس إلى مدينته الإسكندرية، خرج الشعب كله لاستقبال البابا الحبيب، وعاش بعدها البابا حوالى أربعة عشر عامًا ثم تنيح بسلام فى 3 أبيب سنة 160 ش الموافق 10 يوليو سنة 444 م.

تعيّد له الكنائس التى تتبع الطقس البيزنطى فى 27 يونيو، والكنيسة الرومانية اللاتينية (الكاثوليكية) فى 28 يناير، والكنائس الغربية فى 15 أكتوبر وهو يوافق يوم ارتقائه للسُدّة المرقسية الرسولية.

لقد رحل عمود الدين تاركا كنزا كبيرا للكنيسة القبطية حيث تعتبر كتابات البابا كيرلس الأول من أعظم ما ورد فى الأدب المسيحى المبكر، فهى تكشف عن عمق فى الفكر، وغنى فى الآراء، وتحمل براهين ثمينة وواضحة تجعل كتاباته من المصادر الأولى لتاريخ العقيدة والتعليم الكنسي.

كرّس كتاباته للتفسير والجدل ضد الأريوسيين حتى سنة 428 م، بعد هذا تحوّلت بالكامل إلى تفنيد الهرطقة النسطورية؛ ظلت الكنيسة القبطية الأولى فى مواجهات كثيرة وكبيرة ضد من حاولوا شق الصف ولكن بطاركتها وقفوا أمام كل هذه المحاولات وكانوا لهم بالمرصاد، كانوا يواجهون كل هذا بعلم وقوة وثبات فكانت الكنيسة القبطية منارة للكثيرين.

رحل البابا كيرلس الكبير تاركا إرثا من العواصف لا يستهان بها، فكان البابا ديسقورس خلفا له ليكمل المسيرة التى وضعت على عاتق كرسى الإسكندرية وهذا ما سنتحدث عنه فى الحلقة القادمة بإذن الله.