د. وليد جاب الله
«التجربة الـألمانية» و الإصلاح الاقتصادى المصرى
خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية مُنهارة تمامًا، ومُقسمة سياسيًا، وكان كونراد أديناور هو أول مُستشار للجانب الغربى منها، وهو جمهورية ألمانيا الاتحادية، ليقود عملية إعادة إعمارها خلال الفترة من 1945 إلى 1963، كانت البداية من رصد تدمير معظم البنية التحتية، والمناطق الصناعية للبلاد، وفقدان الكثير من الأراضى الزراعية، والموارد الطبيعية الكائنة بالجانب الشرقى، وسط حالة من التضخم الحاد، وانهيار لقيمة العملة فى ظل تحمل الدولة الوليدة ديوناً وتعويضات هائلة قُدرت حينها بنحو 38 مليار مارك ألمانى. وفى سبيل إعادة البناء، توافق أديناور، مع وزير اقتصاده «لودفيج إيرهارد» على صياغة نموذج تنمية يقوم على اقتصاد السوق، ويتوافق مع معايير المُعسكر الغربى من خلال التحالف مع أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، حتى تتمكن ألمانيا الغربية من الحصول على الدعم والتمويل اللازم لإعادة الإعمار، وهو المسار الذى نجح من خلاله أديناور فى خفض ديون بلاده بنحو 50 %، وتقليص تعويضات الحربين الأولى والثانية ما بين الشطب أو التجميد، وإعادة جدولة باقى الديون بتحويلها لديون طويلة الأجل مع ربط سدادها بتحقيق الدولة لفائض تجارى فى مُعاملاتها الخارجية. كما استفادت ألمانيا الغربية من المشروع الأمريكى لإعادة إعمار أوروبا الغربية «خطة مارشال» حيث حصلت على تمويلات بنحو 1، 4 مليار دولار خلال الفترة من 1948 إلى 1952 مما خفف الأعباء عن مالية الدولة وأعطاها قُدرة على الحركة، وساعدها على تبنى إصلاحات تُعزز من ثقة المُستثمرين بها، والتى من أهمها تغيير العملة بإطلاق مارك ألمانى جديد، وإلغاء التدخل فى تحديد الأسعار، مع تبنى سياسات نقدية تدعم استقرار العملة، وتشجيع البنوك على إقراض المُستثمرين. وفى إطار موازٍ تم توجيه تمويلات خطة مارشال إلى قطاعات البنية التحتية، والصناعة.
نموذج التنمية الذى تبناه كونراد أديناور، قد اعتمد على اقتصاد السوق مع مُراعاة البُعد الاجتماعى، فقد قام بتحرير أسعار السلع والخدمات تدريجيًا مع تقديم حماية اجتماعية للشرائح الإجتماعية الفقيرة بما فى ذلك توفير التأمين الصحى، وإعانة البطالة، ومعاش التقاعد، كما قام ببناء أعداد ضخمة من المساكن حيث كان لقطاع الإسكان دور فى تحريك النمو وتلبية احتياجات المواطنين، الذين قدمت لهم الدولة فرصًا متنوعة للتعليم والتدريب المهنى، مما جعل من القوى البشرية الماهرة، والبنية التحتية الجديدة بمثابة أهم حافزين لتشجيع استثمارات القطاع الخاص إلى جوار حوافز أخرى منها تخفيف الأعباء الضريبية على المُستثمرين، والعمل على جذب أكبر قدر من الاستثمارات الأجنبية المُباشرة، مع تشجيع الشركات على إعادة استثمار أرباحها فى الداخل الألمانى.
ومع هامش الإتفاق الكبير ما بين نموذج تنمية أديناور، ونموذج التنمية التقليدى للغرب القائم على مبادئ الليبرالية الاقتصادية، تمت مُراعاة الخصوصية الألمانية عند صياغة برامج الحماية الاجتماعية، والاتجاة نحو تخارج تدريجى للدولة من النشاط الاقتصادى بجداول زمنية أطول من نماذج التحول الرأسمالى الأخرى، حيث تم البدء بالتخارج وحلول القطاع الخاص محل الدولة فى الصناعة والتجارة، مع تأجيل تخارجها من قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل لمراحل تالية. وقد ظهرت النتائج الإيجابية لنموذج كونراد أديناور تدريجيًا لتُحقق ألمانيا الغربية مُعدلات نمو ما بين 8 % و10 % خلال فترة الخمسينيات التى شهدت انخفاض البطالة تدريجيًا لتصل إلى نحو 1 % عام 1960 فى ظل تحسن لافت لمُستوى معيشة المواطنين.
وهكذا نجد أن نجاح نموذج كونرا أديناور للتنمية قد اعتمد فى الأساس على اعترافه بوجوب الاندماج فى تحالفات دولية تُقدم الدعم لمسار إعادة الإعمار، على أن تتفق مبادئ النموذج مع مبادئ التنمية عند شركاء التنمية، والتى كانت تعتمد على مبادئ الاقتصاد الحر وفقا للفكر الليبرالى، مع مُرعاة الخصوصة الألمانية فى مجال تصميم برامج الحماية الاجتماعية، وإدارة عملية تخارج الدولة والتمكين الاقتصادى للقطاع الخاص بتنظيم يُراعى الاعتبارات التى تضمن نجاح هذا التخارج ولا تدفع نحو اضطراب الأسواق.
وبالنظر لمسار التنمية المصرى، نجد أنه بعد سنوات من الاضطراب السياسى بعد يناير 2011 بدأ مسار الإصلاح الاقتصادى فى نوفمبر 2016 ببرنامج تتعاون فيه مصر مع صندوق النقد الدولى باعتبار هذا التعاون هو السبيل لكسب الدعم والتمويل الدولى من الصندوق، وغيره من الكيانات الدولية، وفى مسار الإصلاح طبقت مصر الكثير من الإصلاحات التى تتشابه مع نموذج التنمية لكونراد أديناور، ورغم أن الدعم الدولى لمصر كان أقل بكثير مما حصل عليه أديناور، ورغم تتابع التحديات الخارجية للبرنامج المصرى مثل جائحة كورونا، والحرب الأوكرانية، وحرب غزة، وفى ظل اضطراب غير مسبوق للاقتصاد العالمى، نجح النموذج المصرى فى تحقيق الكثير من النجاحات التى وثقتها مؤشرات المؤسسات الدولية، فإنه دائمًا ما يحتاج برنامج الإصلاح الاقتصادى المصرى لتفهم أكبر من صندوق النقد الدولى، وغيره من المؤسسات الدولية، سيما فى مجالات تصميم برامج الحماية الاجتماعية وأهمية توافقها مع الواقع المحلى، ومُراعاة طبيعة المُتغيرات الدولية التى تؤثر فى سرعة تخارج الدولة وطرح شركاتها للقطاع الخاص فى ظل تقلص شديد لحجم الاستثمارات الأجنبية المُباشرة عالميًا تأثرًا بما يحدث فى العالم من صراعات، فالدولة المصرية تبحث عن تخارج عادل من استثماراتها وفقًا لوثيقة سياسات ملكية الدولة، وتحتاج إلى مزيد من تفهم المؤسسات الدولية بحاجتها لمدى زمنى أطول لا يؤثر على ما تحصل عليه من تمويل، ومُساندة دولية، على غرار ما حدث عند تطبيق نموذج التنمية الألمانى لكونراد أديناور، فنجاح نموذج التنمية المصرى لا يرتبط بالإجراءات الحكومية فقط، ولكنه يرتبط أيضًا بتفهم ومرونة شركاء التنمية، وبقدرة القطاع الخاص على شغل المساحات الاقتصادية التى تنسحب منها الحكومة.











