الأحد 8 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
وتلك قصة أخرى

وتلك قصة أخرى

ليس أجمل من حديث الدكتورة لميس جابر إلا كتابتها، وليس أجمل من الاثنين إلا شخصيتها الشجاعة الواضحة وروحها الحرة التى تأبى أن تكون حبيسة فكرة أو زمن أو قيود أو أى ظرف عامًا كان أو شخصيًا.



لم يتغير ذلك فيها أبدًا منذ عرفتها قبل أعوام طويلة كاتبة وباحثة شغوفة ومثقفة حقيقية، وصاحبة رأى نزيه ورؤية مختلفة تستحق أن ننصت إليها، وصديقة تضيف إلى عقلك وإنسانيتك الكثير.. سيدة حديدية جمعت بين شهامة الأصل الصعيدى وعبقرية الجينات الشعبية لأبناء شبرا فى سبيكة متفردة لديها نزوع طبيعى إلى العدل والبساطة والإحساس بالآخرين.. وقبل هذا وبعده زوجة رائعة لفنان عظيم علمتنا -ومازالت- أعمق معانى العطاء دون ادعاء.

على مدار العامين الماضيين استمعت من الدكتورة لميس فى لقاءات خاصة إلى أطياف من ذكرياتها عن الفترة التى قضتها فى قرى الصعيد كطبيبة مُكَلَفة عقب تخرجها فى بداية السبعينيات.. تفاصيل مدهشة وحياة وأنماط إنسانية لم يعرفها أغلبنا إلا بشكل عابر، ومرحلة زمنية فارقة بين هزيمة يونيه1967 وانتصار أكتوبر 1973، وقراءة ذكية لواقع اجتماعى بعيد/ قريب بكل ما فيه من أمل ويأس وفساد ونقاء وجمود وتمرد وإرادة.

لم أكن قرأت ما كتبته من بعض تلك الذكريات فى مقالات نشرتها سابقًا، لكن عندما عرفت منها أنها تفكر فى أن تقدم كتابًا عنها تمنيت بالفعل أن تنجزه وهو ما تحقق أخيرًا بصدوره قبل أيام عن مركز الأهرام للترجمة والنشر بعنوان «وتلك قصة أخرى».

 حفل التوقيع الذى احتضنته قاعة «محمد حسنين هيكل» جاء مميزًا كصاحبته، وجاء حديثها عن أيامها الخالية فى جنوب مصر ممتعًا لمحبيها وأصدقائها الذين امتلأت بهم القاعة العريقة.

فى 29 قصة عاشتها فى الحقيقة يأتينا الكتاب الذى يخطفك منذ صفحاته الأولى بذلك الإهداء المطبوع بخط يدها إلى:

« كل البسطاء والشرفاء.. أهل الريف فى الجنوب الذين قضيت معهم تلك الأيام التى تبدو متعبة وقاسية.. لكنها أيام حقيقية مفعمة بالإنسانية.. ربما كانت مظلمة بدون كهرباء.. مرهقة بدون مياه.. لكنها كانت ساطعة بنور الأصالة.. مروية بالصدق والعرفان.. رغم الشقاء والفقر وقلة الحال».

تعشق الدكتورة لميس جابر التاريخ وتملك قدرة خاصة على ترويض أحداثه بالكلمات لتخرج إبداعًا رائقًا وعميقًا.. وهى هذه المرة ليست كاتبة سيناريو تمزج الواقع بالخيال ولا باحثة تتحرى طريق الحقيقة فى مراجع وصحف ومذكرات شهود، بل طرف عاش ورأى وسمع وتأثر.

من مارس 1973 حين أقلها قطار الصباح إلى المنيا إلى بداية 1975 حين عادت إلى القاهرة، تنساب المشاهد الحية بين حوادث وأحداث وشخصيات فى أجواء صعبة، لكنها ناطقة بالحقيقة.. شابة عنيدة تؤمن بقيم ومثل عليا وتتطلع إلى غد يتجاوز فيه الوطن هزيمته فى الداخل وعلى جبهة القتال، وترى أن لها دورًا ورسالة جعلاها لا تسعى - كأغلب زميلاتها- إلى إلغاء «أمر التكليف»، بل تصر عليه: «كنت مؤمنة بضرورة العمل فى الريف كمقابل لتعليمنا فى كلية الطب بمصاريف رمزية، ولابد أن نرد هذا الجميل إلى المحرومين من الخدمات الطبية».

لكن الطبيبة التى أقبلت على أداء رسالتها بحماس تصطدم منذ اللحظة الأولى بواقع يختلط فيه الإهمال الحكومى الجسيم بفساد الواسطة والنفوس، ودماء الثأر بجرائم الشرف، وأغلال التقاليد البالية برقابة « أمن الدولة «.. وبين رفض لما هو كائن وعقيدة تقودها دائمًا إلى أن هناك من يستحقون عطاءها من البسطاء والأنقياء والبائسين، تعيش «الدكتورة» رحلتها متنقلة بين الوحدات الطبية فى محافظات الصعيد، من قرية «محمد باشا سلطان» إلى «ساقية داقوف» بالمنيا، ومن «وحدة قفط المجمعة» و«نجع حمادى» و«الهيشة القبلية» بقنا إلى قرية «الفهمية» على حدود بنى سويف.

ولأن «تلك قصة أخرى» بالفعل فنحن نتعرف فى كتاب الدكتورة لميس جابر على جانب آخر سبق حرب أكتوبر وأعقبها منذ مشاركتها فى مظاهرات الطلبة يناير 1973 للمطالبة بالحرب، وما أسفر عنها من ملاحقتها أمنيًا وإبعادها سياسيًا من وحدة لأخرى.. وحتى تلك المشاهد الرائعة التى تصفها لنا حين جاء اليوم المنتظر وعبر الجيش المصرى إلى شرق القناة بينما هى فى قرية نائية لا تصلها صحف ولا إذاعات، ثم تصف لنا جانبًا لم تسجله كاميرات وسائل الإعلام عن انعكاس حرب أكتوبر فى قرى الجنوب بين احتفالات الأهالى بالنصر وتوديعهم لشهدائهم.

الكتاب الذى تقدمه لنا الدكتورة لميس جابر لا يزيد عدد صفحاته على 120 صفحة لكنه كنز حقيقى، وجزء من قصة حياة لا يستحق فقط أن يُروى فى كتاب، بل لابد أن يتجسد فى عمل درامى.

 ولكن «تلك قصة أخرى».. لعلها تتحقق.