الأربعاء 4 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كواليس تحرك النواب تحت القبة

«جمارك الموبايلات».. المواجهة الأولى بين الحكومة والبرلمان

وضعت  أزمة جمارك الهواتف المحمولةمجلس النواب المصرى أمام اختبار حقيقى لقدرته على ممارسة دوره الرقابى، أو ما يمكن تسميته بمعركة إثبات الذات، فى ملف يمس ملايين المصريين بالداخل والخارج.  



القضية التى بدأت منذ أيام بقرار انتهاء الإعفاء الاستثنائى للأجهزة الواردة بصحبة الركاب، تحولت سريعًا إلى مواجهة علنية بين نواب الشعب والحكومة، ليس فقط بسبب الأعباء المالية الجديدة، بل بسبب ما وصفه مراقبون بـ«غياب التنسيق» و«فجائية القرار» الذى أربك الأسواق منذ الساعات الأولى لتطبيقه فى يناير 2026، كما أنه من المستغرب أن يتم التعامل مع «الموبايل» كسلعة استفزازية فى عصر «مصر الرقمية». 

اليوم، لا يبحث البرلمان فقط عن تفسير لزيادة الرسوم، بل يختبر قدرته على تحليل أثر القرارات على أعمدة الاقتصاد، وفى مقدمتها تحويلات المصريين بالخارج وقطاع السياحة، فالذكاء السياسى يقتضى من النواب إدراك أن المساس بهواتف المصريين بالخارج هو مساس بـ«الولاء الاقتصادي»، وهى المواجهة الأولى التى تضع شعارات «التحول الرقمي» فى كفة، ورغبة الحكومة فى تحصيل الرسوم فى كفة أخرى، والمواطن والمغترب يترقبان الآن ما ستسفر عنه جلسات لجان الاتصالات.

المواجهة لا تعنى الرفض لمجرد الرفض، بل تعنى القدرة على طرح «بدائل»، فهل ينجح البرلمان فى إجبار الحكومة على مراجعة القرار وتقديم بدائل تحمى «الاستخدام الشخصي»؟

تساؤلات وهدف استراتيجى 

الحكومة من جهتها تسوق قرارها بأن وراءه هدف استراتيجى، وهو «توطين صناعة المحمول»، وهو هدف لا يختلف عليه أحد، لكن الآليات المتبعة تثير تساؤلات فنية واقتصادية عميقة، ووفقًا لخبراء شعبة المحمول باتحاد الغرف التجارية، فإن الرسوم والضرائب الفعلية قد تتجاوز النسبة المعلنة لتصل إلى أرقام تعجز القدرة الشرائية للمواطن عن تحملها، بسبب آليات التقييم، خاصة مع اتساع الفجوة السعرية مع الأسواق الخارجية.

وهو ما كان قد عبر عنه المهندس وليد رمضان، نائب رئيس شعبة الاتصالات والمحمول باتحاد الغرف التجارية، فى تصريحات له، حيث كشف عن أرقام صادمة تعكس حجم الأزمة؛ مؤكدًا أن الفوارق السعرية بين مصر والأسواق المجاورة وصلت لمستويات غير مسبوقة. 

وضرب رمضان مثلًا بأن الهاتف الذى يباع فى السعودية بما يعادل 60 ألف جنيه، قد يصل سعره فى مصر إلى 94 ألف جنيه بسبب الرسوم والضرائب، أى بزيادة تصل إلى 34 ألف جنيه «بواقع أكثر من 55 % فارقًا سعريًا».

وأوضح أن الرسوم الفعلية على النظام الجمركى تتجاوز أحيانًا الـ 50 % بسبب طريقة احتساب الدولار، مما يدفع المستهلك قسرًا للبحث عن بدائل خارج المنظومة الرسمية.

وفى الوقت الذى تتحصن فيه الحكومة وراء هدف «حماية التصنيع المحلي» لتبرير تلك الأرقام، دخل الدكتور رضا عبد السلام، عضو اللجنة الاقتصادية، على خط المواجهة بطلب إحاطة من العيار الثقيل.

عبد السلام واجه الحكومة بحقائق كاشفة، فبينما تسوق الوزارة لوجود 15 شركة تنتج 20 مليون هاتف سنويًا، سدد النائب طلقة مباشرة فى قلب الادعاءات الحكومية متسائلًا: «لماذا لا تزال جودة هواتفنا بعيدة عن الماركات العالمية؟ ولماذا تباع للمواطن بأسعار تفوق المستورد؟». 

«نميمة» الغرف المغلقة تشير إلى أن عبد السلام حشر الحكومة فى الزاوية، مؤكدًا أن تحويلات المغتربين تجاوزت 39 مليار دولار، متسائلًا باستنكار: «هل نكافئ من يدعمون العملة الصعبة بضريبة مبالغ فيها تصل لـ 38.5 %؟»، مطالبًا بوقف تنفيذ القرار فورًا للمغتربين وأسرهم، كتقدير لدورهم الاقتصادي.

ولم تقتصر الأزمة على الشراء من الداخل، بل امتدت لتطال السائحين والمغتربين، لأن إرغام السائح على دفع رسوم وإلا يتوقف هاتفه عن العمل عند تكرار الزيارة، يمثل عائقًا أمام تجربة السائح فى مصر، فالهاتف اليوم هو المحفظة البنكية وخريطة الطريق، وأى تخبط فى التعامل معه يمس مباشرة جهود الدولة لتنشيط القطاع السياحي.

فيتو برلمانى

فى قلب تلك المواجهة، تبلور الموقف البرلمانى بين تيار «الضغط والمساءلة» الذى يقوده عدد من نواب المعارضة، من بينهم النائب عبد المنعم إمام، وتيار «التنسيق والحلول» الذى يمثله النائب أحمد بدوى ومن ورائه أعضاء لجنة الاتصالات بالبرلمان. 

وقاد النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل ووكيل لجنة الخطة والموازنة، جبهة الاعتراض الفنى بتقدمه بسؤال برلمانى شامل لرئيس الوزراء ووزراء المالية والاتصالات والخارجية، وأكد إمام فى تصريحات خاصة لـ«روز اليوسف» أن المطلب الرئيسى لممثلى الشعب هو عدم تطبيق قرار إلغاء الإعفاء على المصريين بالخارج، أو السماح لهم بإدخال هاتفين سنويًا، كتقدير معنوى لدورهم فى دعم الاقتصاد.

وفسر إمام موقفه بأن الهاتف للمغترب هو «أداة مالية»، فمنظومة التحويلات التى تدعم الاقتصاد مرتبطة بتطبيقات بنكية على تلك الأجهزة، وأى عرقلة لها هى عرقلة لتدفق العملة الصعبة.

وأضاف إمام بلغة الأرقام: «لدينا أكثر من 11 مليون مصرى بالخارج يضخون تحويلات تقترب من 35 مليار دولار سنويًا، وليس من المنطقى أن نعرقل احتياجاتهم بحجة ضريبة لن تحقق عائدًا يوازى حجم الضرر»، كما حذر من «التخبط» الذى حول هواتف السياح إلى «حتة حديدة» صماء -حسب وصفه- عند تكرار زيارتهم لمصر، مؤكدًا أن هذا الانزعاج يضرب سمعة المقصد السياحى المصرى عالميًا.

ولم يكن هذا هو الموقف البرلمانى الأوحد، حيث اتخذ الحراك أبعادًا رقابية أخرى، وأبدت النائبة الدكتورة عبير عطا الله، عضو مجلس النواب عن المصريين بالخارج، تحفظًا حادًا على فرض أى أعباء مالية على الهواتف الشخصية، مؤكدة أن «الهاتف أصبح عنصرًا أساسيًا فى منظومة العمل والإنتاج» ولا يجوز التعامل معه كوعاء ضريبى يرهق المستهلك.. 

واعتبر الجندى أن هذا الحل «المتوازن» يحقق العدالة ويغلق أبواب السوق السوداء ويراعى البعد الاجتماعى للمصريين بالخارج.

على الجانب الآخر، أكد النائب أحمد بدوى، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن البرلمان يراقب الملف عن كثب، ولن يسمح بوجود معوقات تضر بالمواطن أو السائح، موضحا أنه تابع مع الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات كافة الشكاوى المتعلقة بتوقف هواتف السائحين، مؤكدًا أن الخدمات تعمل حاليًا بصورة طبيعية، وأنه تم التعامل الفورى مع أى أعطال رصدت.

 لاعب أساسى

أثبتت أزمة جمارك المحمول أن البرلمان يسعى ليكون لاعبًا أساسيًا فى رسم السياسات الاقتصادية، نحن الآن أمام «المواجهة الكبرى»؛ الاختبار الحقيقى الذى ينتظره الشارع المصرى ليرى، هل مجلس النواب مجرد «جهة اعتماد» لقرارات الحكومة، أم أنه حائط الصد الأخير عن جيوب المواطنين وحقوق المغتربين؟ 

المواجهة الحالية تحت القبة ليست مجرد «خناقة» على موبايلات، بل هى صراع إرادات، فالموقف الراهن يعكس رغبة برلمانية أكيدة فى استبدال «المنع العام» بـ«المنع الذكي» للتهريب، الحل الآن فى يد الحكومة للاستجابة لمطالب النواب بوضع ضوابط مرنة تحمى المغترب والسائح، وتثبت أن الدولة تدعم المواطن الملتزم بقدر ما تحمى صناعتها الوطنية.