تفاصيل مثيرة فى أول معرض
كيف انتصر المصريون على البرد والمطر وإسرائيل؟
رشدى الدقن
ساعات قليلة تفصلنا عن نهاية فعاليات الحدث الثقافى السنوى الأهم، معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الـ 57 والذى اختارت له وزارة الثقافة شعار «من يتوقف عن القراءة ساعة.. يتأخر قرونًا».
ويعد معرض القاهرة أكبر معرض كتاب عربى من حيث عدد الزوار ودور النشر المشاركة، فلكم أن تتخيلوا أن عدد زوار المعرض قد تجاوز فى بعض دوراته 5 ملايين زائر، وشارك فيه أكثر من 1400 دار نشر من 83 دولة، وهو أقدم معرض كتاب عربى مستمر فى العالم.
المعرض المستمر من 57 عاما لايزال يتتمتع بشباب وحيوية كبيرة وفعاليات هى الأشهر والأهم فى العالم العربى كله.. وما حدث فى اليوم الأول، لأول معرض للكتاب حكاية تستحق أن تروى.. فقد حدث مالم يكن أحد يتوقعه.
اليوم بدأ بمطر شديد وبرد أشد.. وإسرائيل أعلنت مقاطعة أى ناشر غربى يشارك فى المعرض المصرى للكتاب.. وطبعا المدعون كلهم توقعوا فشلاً ذريعًا للمعرض بسبب البرد والأمطار.. وعلت الأصوات تنادى بتأجيل الافتتاح ليوم آخر.. لكن ماحدث على أرض الواقع كان مفاجأة من العيار الثقيل.
الناشرون الأجانب تجاهلوا التهديد الإسرائيلى.. والمعرض فتح أبوابه الساعة 10 صباحا.. ورغم البرد والمطر وقف المصريون طوابير فى انتظار السماح لهم بالدخول.. وحتى الساعة 7 مساء موعد الإغلاق ظل الزحام الشديد ومنظمو المعرض أخرجوا الناس بإعجوبة.
نجاح مبهر بكل المقاييس.. وفى 10 أيام هى مدة المعرض كان وصل عدد الزوار إلى 70 ألف شخص من هنا بدأت الفكرة تكبر وتتطور من خلال خطة أشرفت عليها المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر «الهيئة المصرية العامة للكتاب حاليًا».
المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر..من أول معرض للكتاب وضعت قواعد وضوابط مهمة جدا لضمان استمرار النجاح منها..عدم عرض أى كتاب مر على نشره 5 سنوات والاستثناء الوحيد كان للمراجع والقواميس.. ونظمت ورش عمل وندوات للناشرين لعرض وجهة نظرهم فى مستقبل الكتاب والقراءة.. وكيفية الحفاظ على الملكية الفكرية للناشر والمؤلف والحفاظ على حقوق القراء أيضًا.
فكرة إقامة معرض للكتاب جاءت من الفنان التشكيلى عبدالسلام الشريف (1911 - 1997)، وتحمست لها الدولة المصرية... وأرسلت وزارة الثقافة مندوبًا لألمانيا ليرى أقدم معرض للكتاب فى «ليبزج» وإقامة معرض مصرى للكتاب على غراره.
« الشريف» هو فنان تشكيلى مصرى، وواحد من أبرز مبدعى الفن التشكيلى. وينتمى إلى جيل الرواد فى العصر الحديث، حيت بدأ مسيرته الفنية عام 1935م عقب تخرجه من مدرسة الفنون الجميلة العليا، وقام عام 1970م بتأسيس المعهد العالى للنقد والتذوق الفنى وتولى عمادته.
ولد «الشريف» فى مدينة المنيا فى الثانى من مايو 1910 وكان والده وجده أزهريين وحصل على الشهادة الابتدائية ثم التحق بالتعليم الثانوى وتحمس لتميزه أستاذه الشيخ إبراهيم اللبان، وكان من بين زملائه الدكتور لويس عوض والممثل والملحن عبدالعظيم عبدالحق.
وينتمى عبدالسلام الشريف إلى فنانى الجيل الثانى وهو أحد رواد الفن الصحفى.. حقق إضافة اللمسة الفنية لإخراج الصحيفة والمجلة والكتاب، كما كان صاحب مدرسة فى توظيف الخط العربى للتعبير عن الموضوع الذى يتضمنه وذلك فى عناوين الموضوعات وفى الإعلانات التجارية على حد سواء، وكان قد التحق بمدرسة الفنون الجميلة عام 1930، وكان أول طالب يقبل فى قسم الزخرفة «الديكور».
عمل فترة بتدريس الرسم فى المدارس الابتدائية والثانوية من عام 1932 حتى عام.1937 وبدءا من عام 1936 بدأ اهتمامه بالمشاركة فى مجال السينما والمسرح. وصمم ديكور فيلم «تيتاوونج» حيث ساعد فى الإخراج والماكياج والتمثيل وتصميم الإعلانات الصحفية والحائطية.
واستمر فى هذا المجال حتى عام 1939 وهو أول من اتجه للارتفاع بمستوى إخراج المطبوعات عام 1931.
وبدأت شهرته عام 1934 فى إخراج «مجلتى» ثم فى العديد من الجرائد المصرية والسورية والسعودية.. وقد شارك فى معارض جماعة الدعاية الفنية طوال الثلاثينيات، وهى الجمعية التى أسسها الفنان «حبيب جورجى» وقد عين عام 1939 بالقسم الفنى المخصوص بمصلحة المساحة لتصميم البنكنوت وطوابع البريد. ثم عين رئيسًا للقسم الفنى بالمعهد الفرنسى للآثار الشرقية مصاحبًا للبعثة الفرنسية لتسجيل حفرها بالكرنك ثم حفرها بسقارة عام 1942، حصل عام 1967 على وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى. وعلى ميدالية رواد السينما. وعدة شهادات وكؤوس من معارض خارجية فى لبنان وفرنسا والصين وبلجيكا. وقد شارك فى تأسيس العديد من الصحف والمجلات مع تكوين الأقسام الفنية بها. من أهمها جريدة الأخبار والأساس والجريدة المسائية والأسبوع والجمهورية والمساء والشعب. وقد اختير عضوًا بلجنة الفنون التشكيلية ولجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب عند إنشائه ولمدة عشر سنوات، إلى أن رحل عن عالمنا.
نعود لإقامة أول معرض للكتاب والتى تبناها «الدكتور ثروت عكاشة» (1921 -2012)، وزير «الثقافة والإرشاد القومى» بين عامى «1958 – 1962»، وهى سنوات الوحدة بين «مصر وسوريا»، وهو المفكّر القومى المُستنير، حيث رأى أن الاحتفال بمدينة «قاهرة المعز» يكون من خلال معرض سنوى للكتاب، وهى فريضة غائبة من أجل نشر الفكر التنويرى، وإضفاء بلسَم يُداوى جِراح الحزن الذى خيّم على مصر والعرب، بعد هزيمة يونيو 1967.
لقّب الدكتور «ثروت عكاشة» بفارس الثقافة والثورة، فهو الرجل الذى تحوّل من ضابط بالقوّات المسلّحة ومن الضبّاط الأحرار، إلى أديب مفكّر، عندما اكتشف شغفه بالأدب وعشقه للثقافة، فكان المؤسّس الحقيقى لوزارة الثقافة، وقد استطاع أن يجعل من السلطة السياسية سلاحًا لمحاربة الجهل والأميّة، مدعومًا برؤية الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر»، وقد نجح فى أن يطرح دواء الدكتور «طه حسين» للجمهور، لتكون الثقافة مثل التعليم كالماء والهواء، وقدّم «ثروت عكاشة» العديد من المؤلّفات والتراجم من بينها «معجم المُصطلحات الثقافية»، و«تاريخ الفن الإغريقى»، و«تاريخ الفن الرومانى»، وترجم كتاب «مسخ الكائنات» للكاتب الإيطالى «أوفيد»، و«الترجمات للمسرح المصرى القديم» و«مذكّرات ثروت عكاشة»، وقد تأسّست فى عهده وزارة الثقافة كمؤسّسة حقيقية كما ذكرنا، فأنشأ المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب، والهيئة المصرية العامة للكتاب، وأكاديمية الفنون، وكوّن الفرقة الفنية للموسيقى العربية، وأنشأ مشروع الصوت والضوء بالأهرامات الفرعونية، بالإضافة إلى إسهاماته المهمّة فى إنقاذ آثار النوبة وتطوير معبدالكرنك والدير البحرى فى مدينة «الأقصر» فى «صعيد مصر»، وغيرها كثير، فكان إذن أحد البُناة العِظام لهذه الوزارة، كما كان منفّذ طبع «سلسلة الألف كتاب»، التى بدأها ورعاها الدكتور «طه حسين»، وساهمت الدولة فى تمويل ذلك المشروع الحضارى، وقد نشرت «السلسلة» وترجمت لكبار الكتّاب العرب والعالم، كما أشرف «ثروت عكاشة» على مجلة «رسالة الإسلام» التى كانت تصدر عن «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية» فى القاهرة، والتى كان يكتب فيها شيوخ مسلمون شيعة وسنّة، وكذلك من رجال الدين المسيحى، فأشاع جوًا من التسامُح وحب الوطن والوحدة الوطنية.
الشخصية الأخرى الأبرز فى تاريخ معرض الكتاب هى الدكتورة سهير القلماوي (1911 – 1997)، تلميذة الدكتور «طه حسين»، والتى كانت تُصرّ على أن تنطق اسمها «سهير بفتح السين وكسر الهاء»، فتعلّمت منه الجدّ والاجتهاد، وحفظت عنه كما كتبت فى مذكّراتها «مذكّرات جدّتى» قوله لها: «أنا لا أحب الطُرُق القِصار ولا الأبواب الواسعة، بل أحب الطُرُق الطويلة والأبواب الضيّقة»، وبالفعل مشت فى الشوارع الطويلة، وتمكّنت من فتح كل الأبواب الثقافية التى كانت مُغلقة عليها وعلى المرأة المصرية عمومًا، فكتبت ونشرت فى المجلاّت والجرائد وتحدّثت فى الإذاعة، ثم هى أول فتاة تتخرّج من الجامعة المصرية وتحصل على الدكتوراه، وأول من شغل منصب رئيس قسم اللغة العربية فى كلية الآداب، وهو الكرسى الذى شغله أستاذها عميد الأدب العربى طه حسين، كما تولّت منصب أستاذ الأدب العربى الحديث فى كلية الآداب أيضًا عام 1956، كما تولّت الإشراف على «دار الكتاب العربى»، ثم الإشراف على مؤسّسة التأليف والنشر، وكانت ممَن أسهموا فى إقامة أول دورات معرض القاهرة الدولى للكتاب عام 1969، والذى اشتمل على جناح خاص بالأطفال، وهو ما استمر بعد ذلك ليُصبح فيما بعد «المعرض السنوى لكتب الطفل»؛ الذى يحتفى هذا العام بالكاتبة الكبيرة فاطمة المعدول.
وترجمت «سهير القلماوى» كذلك العديد من الأعمال منها «قصص صينية» للكاتبة الأمريكية «بيرل بك»، و«عزيزتى اللويتا»، و«رسالة أبون لأفلاطون»، وعشر مسرحيات لشكسبير وأكثر من 20 كتابًا فى «مشروع سلسلة الألف كتاب»، وكانت الأولى فى تقديم دراسة عن الأدب المصرى المُعاصر إلى التعليم الجامعى، كما أعطت الفرصة لأكثر من ستين أديبًا لتقديم مؤلّفاتهم عندما قامت بإصدار سلاسل أدبية سُمّيت «مؤلّفات جديدة»، وعُرِفت باسم «فارسة الطفل والمرأة» لدورها فى توعية المرأة ورعاية الأطفال ثقافيًا، ولذلك تستحقّ الدكتورة «القلماوى» والدكتور «عكاشة» أن يكونا رمزًا لمعرض الكتاب، وإن كان اسم كل منهما منفصلًا يستحق وحده أن يكون رمزًا تنويريًا.
نعود إلى تفاصيل إقامة المعرض نفسه.. وقد وردت تفاصيل الدورة الأولى للمعرض فى كتاب (محمد سيد ريان) الذى يحمل عنوان «حكاية أول معرض دولى للكتاب» ففى 23 يناير 1969 كانت القاهرة تحتفل بألفيتها الأولى بمناسبة مرور ألف عام على تأسيسها، فكانت هذه الاحتفالية انطلاقا لأول دورة من دورات معرض الكتاب، وكان الفنان عبدالسلام الشريف صاحب فكرة إقامة المعرض فى هذا التوقيت بالتزامن مع احتفالية القاهرة؛ ليكون شاهدًا على تطور مدينة القاهرة وتاريخها، وقد رحب وزير الثقافة آنذك الدكتور ثروت عكاشة بالفكرة وقرر أن يكون الاحتفال بهذا العيد على نحو فكرى وثقافى، فعهد إلى الدكتورة سهير القلماوى، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب آنذاك، بالإشراف على إقامة أول نسخة لمعرض للكتاب، وكان الهدف من الجمع بين الاحتفال بألفية القاهرة وأولى دورات المعرض هو أن يكون المعرض «شاهدا على تطور مدينة القاهرة وتاريخها»، وتم افتتاح المعرض فى يوم 22 يناير من نفس العام بأرض المعارض بالجزيرة وهو المكان الذى تقع فيه دار الأوبرا الجديدة حاليًّا، وقد استمر ثمانية أيام، وشارك فيه 46 ناشرًا يمثلون 32 دولة من أوروبا وأمريكا وآسيا والدول العربية.. عرضوا «مليون كتاب منها 8 آلاف كتاب عرضتها 6 دول عربية، وكان الاتحاد السوفيتى هو أكبر دولة أجنبية اختارت أكبر مساحة فى سراى القومية العربية بلغت 150 مترا، أما المؤسسات المحلية فأكبرها الجناح الخاص بمؤسسة الأهرام وتبلغ مساحته 600 متر».
شارك 150 عاملا فى الإعداد لافتتاح المعرض.. بحسب ملحق خاص أصدرته جريدة الأهرام يوم افتتاح المعرض.. مكون من 6 صفحات، وجاءت الصفحة الأولى من الملحق بعنوان «يوم الكتاب العربى»، وملحق بعناوين فرعية كانت: «كلمة للدكتور ثروت عكاشة فى مناسبة افتتاح معرض القاهرة الدولى للكتاب: الكلمة المكتوبة أدت دورا مضيئا ومشرفا فى كل مراحل النضال الوطنى المصرى» و«مناقشات واسعة للناشرين حول:إخراج الكتاب ونشره وحماية المؤلف والقارئ».
وصاحب هذا الموضوع صورة للدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة وقتها، وبدأ الموضوع: «وجه الدكتور ثروت عكاشة كلمة فى مناسبة يوم الكتاب العربى، تحدث فيها عن دور القاهرة الثقافى والحضارى، ودور الكلمة المكتوبة فى مراحل النضال الوطنى. وقال إن إقامة معرض القاهرة الدولى للكتاب حدث ثقافى مهم، يجب أن تتكاتف كل الجهود من أجل الاستفادة منه خدمة للقارئ والقضايا العربية». وفى الصفحة نفسها، ورد موضوع عن كلمة الدكتورة سهير القلماوى، كان عنوانه «الكتاب والمعرض وأحلام الناشرين»، وجاء فى مقدمته: «قالت الدكتورة سهير القلماوى رئيسة مؤسسة التأليف والنشر إن معرض القاهرة الدولى للكتاب يعتبر حدثا مهما لأنه أول معرض دولى للكتاب يقام فى المنطقة، وهو يدل على أن رسالة الكتاب العربى تتطور مع تطور رسالة الكتاب فى العالم كله، حيث لم يعد الكتاب سلعة خاصة ولم يعد تسلية أو ترفا».
قبل أن أنهى الكتابة لا بد من الإشارة إلى أن الاهتمام بفكرة عرض الكتب فى مصر أقدم من العام 1969 بكثير فالتاريخ يقول لنا إن مع بداية دخول الطباعة مصر سنة 1822 بدأ الاهتمام بالكتاب.. وأول مشاركة فى المعارض الدولية للكتب كانت سنة 1867، فى معرض باريس، وشاركنا فيه بمطبوعات مطبعة بولاق، ومدرسة المدفعية، ومدرسة الطب، والأزهر الشريف.
والتاريخ يسجل لنا أيضًا أن مصر فى هذا المعرض شاركت بـ 254 كتابًا.. ومطبعة بولاق حصلت على الميدالية الفضية فى جودة وجمال طباعة الكتب.
والتاريخ يسجل لنا أن أول معرض وطنى للكتاب كان فى الإسكندرية سنة 1893، وقتها فكر بعض التجار فى إقامة معرض للمطبوعات عمومًا.. والحكومة المصرية مولت الفكرة بألف جنيه وبلدية إسكندرية دفعت 400 جنيه.. وكان مبلغًا ضخمًا جدا وقتها.. وأقيم المعرض وتم توزيع الجوائز على المطابع التى فازت فى مسابقات الطباعة والتجليد.







