بين قرع طبول الحرب وهمس الدبلوماسية
هل اقتربت المواجهة بين واشنطن وطهران؟
داليا طه
لا تزال قاذفات القنابل بعيدة المدى المتمركزة فى الولايات المتحدة والقادرة على ضرب أهداف فى إيران، فى حالة تأهب قصوى مع دخول التوتر بين طهران وواشنطن مرحلة جديدة من التعقيد، وذلك بعد خروج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتصريحات صريحة أثارت مخاوف واسعة من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
ترامب أكد فى سلسلة تصريحات أنه تم إرسال أسطول عسكرى ضخم نحو إيران، وصفه بأنه “أكبر من أى قوة تم نشرها من قبل”، مع تلميحات قوية بأن الوقت ينفد أمام طهران لاتخاذ قرار نهائى بشأن التفاوض أو المواجهة العسكرية”.
وأضاف إنه يعتقد أن القيادة الإيرانية ترغب فى التوصل إلى اتفاق سياسى، لكنه ربط هذا الخيار بالاستعداد لاتخاذ “إجراءات مستقبلية” صارمة إذا لم تتوقف طهران عن نشاطها النووى أو قمع المحتجين، مهددًا بأن الهجوم القادم سيكون “أسوأ بكثير” إذا لم تنفذ طهران شروط واشنطن.
وفى تصريحات أخرى، استخدم ترامب لغة حادة حين وصف نشر القوة العسكرية بأنه رسالة ردع، لكنه لم يستبعد بشكل مطلق خيارات عسكرية أوسع.
فى المقابل ، قال نائب وزير الخارجية الإيرانى، كاظم غريب آبادى، إن أى مفاوضات مع واشنطن لا تقلل استعداد بلاده لحـرب محتملة.
وأضاف أن أى هجـوم أمريكى محدود سيواجه برد مناسب، مشددًا على أن أولوية طهران ليست التفاوض مع واشنطن بل الاستعداد للدفاع عن إيران.
وأكد نائب وزير الخارجية الإيرانى، أنه لا يوجد مفاوضات حالية مع واشنطن، لكن البلدان تتبادلان الرسائل معًا.
كما أعلنت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة، أن رد طهران سيكون «غير مسبوق» فى حال تعرّضها لهجوم أمريكى، وذلك بعد تحذير الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من أن «الوقت ينفد» أمام طهران.
وقالت البعثة إن «إيران مستعدة لحوار قائم على الاحترام والمصالح المتبادلة - ولكن إذا تعرضت للضغط، فستدافع عن نفسها وترد بشكل غير مسبوق».
وحسب صحيفة نيويورك تايمز فقد تلقى دونالد ترامب عدة تقارير استخباراتية تشير إلى «تراجع موقف الحكومة الإيرانية»، وتؤكد أن «قبضتها على السلطة فى أضعف حالاتها منذ ثورة 1979»، وفقًا لعدد من المصادر المطلعة.
وبحسب التقارير، فإن الاحتجاجات التى اندلعت أواخر العام الماضى «هزت أركان الحكومة الإيرانية، لا سيما مع امتدادها إلى مناطق كانت تعتبر معاقل دعم المرشد على خامنئي».
ورغم انحسار الاحتجاجات، لا تزال الحكومة فى موقف حرج، فقد أكدت التقارير الاستخباراتية أن الاقتصاد الإيرانى يعانى ضعفًا تاريخيًا.
تهديدات متبادلة
جاءت التصريحات الحادة على وقع تهديدات متبادلة: طهران ردّت بأن أى تهديد أو عمل عسكرى سيتم مواجهته بقوة شديدة، وقد يؤدى الرد إلى عواقب خطيرة على القوة الأمريكية فى المنطقة، كما صرح مسئول فى الحرس الثورى الإيرانى فى مواجهة واضحة لتصريحات ترامب.
فى المقابل، يؤكد البيت الأبيض أن نشر القوة ليس قرارًا بحرب وشيكة بقدر ما هو إجراء ردع، ومحاولة لإعادة إيران إلى طاولة التفاوض.
تصريحات مسئولين أمريكيين نقلتها وسائل إعلام دولية توضح أن واشنطن ترى فى الدبلوماسية جزءًا من الاستراتيجية، لكنها لا تريد استمرار طهران فى تطوير برامجها النووية دون قيود.
رغم حدة الخطاب وتصريحات ترامب التى تم تدورها بشكل واسع على صفحات الصحف العالمية ووسائل التواصل، لا توجد حتى اللحظة أمر مباشر ببدء عمليات حربية شاملة ضد إيران من قبل القيادة الأمريكية الرسمية.
المحللون فى الجارديان وغيرهم يرون أن إظهار القوة العسكرية هو جزء من استراتيجية الضغط، وليس إعلان حرب بحد ذاته، وأن التصريحات تصبّ فى خانة التهديد الجزئى والضغوط السياسية أكثر من كونها إعلانًا عن نية شن حرب كاملة.
الجانب الإيرانى لم يُظهر أى بوادر للتراجع أو القبول بشروط واشنطن تحت الضغط، بل شدد مسئولو طهران على أن الحوار لا يمكن أن يتم فى “جو يهيمن عليه التهديد العسكري”، مما يعنى أن الفجوة بين الطرفين لا تزال عميقة.
مساع متجددة
من جانبه أكد وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى، أن طهران تسعى لضمان حقها فى امتلاك التكنولوجيا النووية، مشددًا على أن إيران ترحب دائمًا بالتوصل إلى اتفاق نووى “منصف” وخالٍ من الترهيب والتهديد، وقال إن إيران “رحبت مرارًا باتفاق نووى يضمن حقوقها ويكفل عدم امتلاكها سلاحًا نوويًا”، موضحًا أن الأسلحة النووية “ليست ضمن حسابات إيران الأمنية”، وأكد أن طهران لم تسع يومًا لامتلاك أسلحة نووية.
وأضاف أن تجربة ما وصفه بـ”حرب الـ12 يومًا” قدمت درسًا لإيران يمكنها من الرد “بقوة وسرعة وعمق أكبر”، فى إشارة إلى جاهزية طهران للتعامل مع أى تطورات عسكرية أو أمنية.
وشدد عراقجى على أن إيران سترد على أى عدوان، لافتًا إلى أن القوات المسلحة الإيرانية “جاهزة واليد على الزناد”، فى رسالة تحذيرية تعكس تصاعد التوترات فى المنطقة.
ووفقا للمعطيات الحالية والشواهد الواضحة فى تصريحات ترامب وردود الفعل الإيرانية، يمكن القول إن خيار الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران ليس الأرجح فى المدى القريب، لكنه ليس مستبعدًا كليًا.
لغة التصعيد فى الخطابين السياسى والعسكرى تجعل نقطة التفجير واردة إذا ما حدث حادث عسكرى مباشر أو خطأ تقديرى ميدانى، وهو ما يشير إليه العديد من خبراء الشئون الدولية. المقاربة الأمريكية حتى الآن تميل إلى الردع والتفاوض المشروط، بينما ترى إيران أن أى تحرك عسكرى قد يجرّ المنطقة إلى صراع أوسع لا تخشاه فقط، بل تستعدّ له.







