هل تستطيع واشنطن إجبار أديس أبابا على الاعتراف بحقوق مصر والسودان المائية
أزمة السد الإثيوبى تعود إلى طاولة المفاوضات الدولية بوساطة أمريكية
مى زكريا
عاد ملف أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى صدارة المشهد السياسي والإعلامي من جديد؛ عقب الخطاب الذي بعث به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي؛ معلنا فيه استعداد الولايات المتحدة لإعادة التدخل كوسيط من أجل التوصل إلى حل لأزمة سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، في محاولة لإنهاء واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في القارة الإفريقية.
تحرك أمريكى
التحرك الأمريكي يأتي في توقيت بالغ الدقة في ظل استمرار السياسات الإثيوبية الأحادية في ملء وتشغيل السد، وتزايد المخاوف من انعكاسات مباشرة على مصر والسودان، خاصة خلال فترات الجفاف الممتد والتداعيات المباشرة على الأمن المائي، وهو ما يعكس ضرورة الانتباه لخطورة استمرار الجمود وحاجة المنطقة إلى اتفاق قانوني ملزم متوازن بين حق أثيوبيا في خطط التنمية؛ وحقوق دولتي المصب في الحفاظ على أمنها المائي.
وتنظر الأوساط السياسية إلى خطاب ترامب باعتباره محاولة لإعادة ضبط مسار الأزمة مستندا إلى تجربة الوساطة الأمريكية السابقة عام 2020، والتي انتهت بانسحاب إثيوبيا وهو ما خلق فجوة الثقة بين الأطراف.
وفي هذا الصدد؛ يرى خبراء قانون دولي أن الولايات المتحدة تمتلك سندًا قانونيا وسياسيا واضحا للوساطة خاصة في ضوء سوابق تفاوضية سابقة وأدوات ضغط متاحة، مؤكدين أن القانون الدولي يوفر غطاء واضحا لحماية حقوق مصر والسودان المائية، من خلال اتفاق ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل وآليات فض النزاعات.
محطة فارقة
أكد الدكتور أحمد الشحات خبير الأمن الإقليمي والدولي؛ على أن أي تحرك دولي جاد تقوده الولايات المتحدة نحو التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن سد النهضة، ويحظى بالشرعية الدولية، سيمثل محطة فارقة في مسار الأمن المائي المصري؛ وتوجّها إيجابيًا لإدارة واحدة من أعقد الأزمات الإقليمية.
وأضاف أن الوصول إلى هذا الهدف يعد نجاحا حقيقيا لسياسة الصبر الاستراتيجي التي انتهجتها الدولة المصرية، والتحرك المتوازن عبر المسارات السياسية والدبلوماسية المختلفة، دون الانزلاق إلى خيارات تصعيدية تمس أمن واستقرار المنطقة.
وأشار الشحات إلى أن الاحتفاء بمثل هذا الاتفاق، حال التوصل إليه سيكون بمثابة تتويج لجهود طويلة هدفت إلى إدارة الأزمة بشكل منضبط ومسؤول، بما يحفظ الحقوق المائية لدول المصب وعلى رأسها مصر والسودان ويجنب المنطقة سيناريوهات التوتر والصدام، مؤكدًا في الوقت ذاته أن استمرار التعنت الإثيوبي، إلى جانب التداخلات الإقليمية والدولية، قد يفتح المجال أمام محاولات الالتفاف على أي مسار تفاوضي جاد، وإطالة أمد الأزمة.
وأضاف أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واستعداده لإعادة إحياء الدور الأمريكي، أعادت القضية بقوة إلى دوائر الاهتمام داخل الولايات المتحدة، بما يفتح نافذة جديدة يمكن للدولة المصرية توظيفها لشرح موقفها بكافة أبعاده القانونية والسياسية والفنية.
وأكد أن الرغبة الأمريكية وحدها لا تكفي، ما لم تترجم إلى مسار تفاوضي جاد مدعوم بتفاهمات واضحة قد تفضي في نهايتها إلى اتفاق مكتوب أو إطار قانوني منظم، يحقق مصالح جميع الأطراف وبصفة خاصة دولتي المصب.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على فرض واقع تفاوضي أكثر جدية على الجانب الإثيوبي، لكنها في الوقت نفسه حريصة على عدم فرض تسوية قسرية قد تقابل بالرفض، في ظل النهج الإثيوبي المعتاد القائم على فرض الأمر الواقع والمناورة السياسية.
وأشار الشحات إلى أن الرسالة الأخيرة التي بعث بها الرئيس الأمريكي إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي تعكس إدراك واشنطن لأهمية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وتجنب إشعال توترات جديدة بين مصر وإثيوبيا، خاصة في منطقة شديدة الحساسية. كما توقع أن يأتي أي تباطؤ محتمل في مسار التحرك الجديد من الجانب الإثيوبي، عبر مناورات وتحايلات تهدف إلى الخروج من سياق إعادة إحياء الدور الأمريكى.
ولفت الخبير الأمنى إلى أن الولايات المتحدة تستند في دورها كوسيط إلى المادة (33) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تتيح الوساطة شريطة قبول أطراف النزاع، مرجحا أن تتحرك واشنطن بحذر في هذا الإطار، مستندة إلى ما تحقق سابقًا، مع البناء عليه. وأكد أن اللقاءات المرتقبة بين الرئيس السيسي ونظيره الأمريكي، ومن بينها لقاء دافوس، ستسهم في توضيح الصورة الكاملة للجهود المصرية، التي تشمل إلى جانب المسار السياسي، طرح أفكار اقتصادية ولوجستية وإدارية، مثل المشاركة في إدارة الملف وشراء الكهرباء، بما يعزز فرص التوصل إلى حل متوازن.
الإرادة السياسية
أكد الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية؛ على أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك أساسا قانونيا وسياسيا قويا يؤهلها للقيام بدور الوسيط في أزمة سد النهضة، مشددا على أن عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة إطلاق الوساطة يمثل فرصة حقيقية للتوصل إلى حل نهائي، شريطة توافر الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف.
وأشار مهران إلى أن الوساطة الأمريكية في ملف سد النهضة تستند إلى سوابق قانونية واضحة، أبرزها قبول مصر والسودان وإثيوبيا سابقًا بالوساطة الأمريكية عام 2020، والتي أسفرت عن مسودة اتفاق متقدمة، بما يعكس اعترافا ضمنيا بشرعية هذا الدور، فضلا عن امتلاك واشنطن مصالح استراتيجية وأدوات ضغط مؤثرة في الإقليم.
إلزام إثيوبيا
فيما يتعلق بإمكانية إلزام إثيوبيا باتفاق قانوني، شدد مهران على أن القانون الدولي يوفر آليات واضحة لصياغة اتفاق ملزم، موضحا أن الاتفاق المرتقب يجب أن يكون معاهدة دولية مكتملة الأركان، لا مجرد إعلان نوايا، وأن يخضع لأحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، التي تقر بمبدأ «العقد شريعة المتعاقدين» ووجوب تنفيذ المعاهدات بحسن نية.
وأضاف أن أي اتفاق فعال يجب أن يتضمن عناصر جوهرية، في مقدمتها تحديد قواعد واضحة لتقاسم المياه في الظروف العادية وحالات الجفاف، وآليات دقيقة لتشغيل السد، إلى جانب إنشاء هيئة فنية مشتركة دائمة بصلاحيات حقيقية، فضلا عن وضع آلية واضحة لتسوية النزاعات المستقبلية عبر التحكيم أو القضاء الدولى.
ترامب
وأشار إلى أن ترامب لن يقبل بتكرار تجربة 2020، ويمتلك أدوات ضغط قوية على إثيوبيا، من خلال المؤسسات المالية الدولية والمساعدات الخارجية، مؤكدًا أن نجاح الوساطة مرهون بجدية الضغط الأمريكي، وصلابة الموقف المصري، ووجود جدول زمني ملزم يمنع المماطلة.
وأكد أن الفرصة الراهنة تاريخية لكنها مؤقتة، داعيًا مصر إلى خوض المفاوضات بثوابت واضحة لا تقبل التنازل، محذرًا من أن أي اتفاق لا يضمن الحصة التاريخية لمصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، ستكون له تداعيات خطيرة على الأجيال القادمة، مشددًا على أن القانون الدولي يقف إلى جانب مصر، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية حاسمة تحميه.
الشخصية المتعنتة
من جانبها، قالت الدكتورة هبة البشبيشي، مدرسة العلوم السياسية وخبيرة الشؤون الإفريقية، إنها لا تتوقع أن المساعي الأمريكية التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوسط في أزمة سد النهضة تحدث تغييرًا جوهريًا في الموقف الإثيوبي، مشيرة إلى أن الأزمة باتت مرتبطة بشكل مباشر بشخصية رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الذي وصفته بـ«الشخصية المتعنتة».
وأوضحت البشبيشي؛ أن آبي أحمد يوظف الخلاف مع مصر كأداة سياسية داخلية، بهدف من خلالها لتوحيد القبائل الإثيوبية المنقسمة، في ظل تصاعد التوترات الداخلية التي قد تتحول إلى مواجهات قبلية مسلحة، كما حدث سابقًا في صراع إقليم تيجراي الذي استمر عامًا كاملًا.
أزمات إثيوبيا
وأكدت أن المبادرة الأمريكية لن تسهم في حل الأزمة بالقدر الذي يتوقعه البعض، مضيفة أن آبي أحمد يعاني من أزمة داخلية حادة؛ ويحاول حلها عبر افتعال أزمات جديدة، مشددة على أنها تري انه لا يبدي أي استعداد حقيقي للتهدئة أو التسوية، بل على العكس يمضى في مسار التصعيد حتي وصل الامر سابقًا إلى تقديم شكوى ضد مصر في الأمم المتحدة، وهو ما قوبل برد مصري هادئ ومتزن من وزارة الخارجية.
وأكدت أنها لا تتفاءل بعودة آبي أحمد إلى طاولة المفاوضات، كما أبدت تشككها في قدرة الولايات المتحدة على حل أزمات معقدة في إفريقيا، مشيرة إلى أن التجربة الأمريكية في إدارة الأزمات تعتمد في كثير من الأحيان على الأدوات العسكرية، كما حدث في مواجهة جماعة بوكو حرام بنيجيريا.







