ثنائى قدم فكرا أكثر منه فنا
شاهين ومنير..والأغانى الممكنة
محمد شميس
عندما نشاهد أفلام «يوسف شاهين»، نلاحظ أن الأغنية تكاد تكون عنصرًا حاضرًا فى غالبية أعماله، لكنها لا تأتى أبدًا على النحو المعتاد فى أفلامنا المعاصرة والتى تُستخدم فيها الأغنية غالبًا لأغراض ترويجية، أو بوصفها فاصلاً استعراضيًا لتخفيف ثقل الدراما أو توتر الأحداث، أو حتى كمحاولة لاكتشاف القدرات الغنائية لدى الممثلين.
لكن على العكس تمامًا، تحضر الأغنية فى سينما «شاهين» بوصفها امتدادًا تفاعليًا للحالة الدرامية للعمل ككل، وأداة تعبير موازية للصورة، تعبّر عما قد تعجز الكاميرا عن البوح به، وتفضح ما قد يتحاشاه الحوار. فالشخصيات لا تغنى اضطرارًا؛ بل تغنى لتحرّضنا، أو لتذكّرنا بما نسيناه، أو لتمنحنا حكمة تختزل غرض الفيلم والغاية التى صُنع من أجلها. و«شاهين» كان عبقريا موسيقيا- غير عادى- فهو يعشق الموسيقى والأغانى والاستعراضات ويوظفها فى كل أفلامه؛ بل وصل الأمر إلى إخراجه لفيلمين يمكن تصنيفهما على أنهما أفلام «ميوزيكال» وهما (عودة الإبن الضال) و(سكوت حنصور).. هذا بالإضافة إلى أن أفلامه الأولى كانت تعتمد على الأغانى بشكل كبير مثل (سيدة القطار، ودعت حبك، وأنت حبيبى).
ولا شك أن أكثر المطربين الذين تناسقوا مع فكر «يوسف شاهين» هو الفنان «محمد منير» الذى قدم معه ثلاث تجارب مختلفة هى (حدوتة مصرية)، (اليوم السادس) و(المصير)..وإذا بدأنا بـ(المصير) سوف نتحدث عن فكرة «التحريض» الذى صنعاه فى أغنية (علِّى صوتك بالغناء).. فعندما قرأت ما كتبه الناقد الكبير «طارق الشناوى» فى مقال قديم له حول الخلاف الكبير بين «يوسف شاهين» و«كمال الطويل»، ملحن الأغنية، بسبب قرار المخرج حذف الموسيقى الفاصلة بين كلمة «ترقص» و«أرقص، غصب عنى أرقص»؛ حيث كان الملحن يرى أن التتابع الغنائى يكون بلا فاصل «صامت»، بينما اعتقد المخرج أن الفصل بين الكلمتين يمنح الأغنية جمالاً أكبر.
ويُذكرنى ذلك بأننى كنت أسافر عشرات الكيلومترات مع أصدقائى لحضور حفلات «منير»، للاستماع إليه وهو ينادى «ترقص؟»، ثم يصمت كل شىء وكأن السؤال موجّه لى وحدى بين آلاف الحاضرين؛ لأجيب بالرقص وأشارك الجمهور هذه اللحظة. ولم أكن أعلم أن هذه الرؤية الفنية الساحرة هى إبداع خالص لـ«يوسف شاهين»، ما يدل على أن هذا المخرج كان يمتلك حسًا فنيًا وموسيقيًا متقدّمًا، ربما يتفوق به على الموسيقيين أنفسهم.
ولذلك تكتسب كل أغانى أفلام «يوسف شاهين» معانى أعمق، كونها تصلح للتعبير عن أكثر من موقف؛ لأن أعماله كلها تخاطب الوجود الإنسانى. كما تؤكد أغنية فيلمه (حدوتة مصرية) هذا الغرض، فكلماتها تقول: «لا يهمنى اسمك، لا يهمنى عنوانك، لا يهمنى لونك، ولا ميلادك، مكانك، يهمنى الإنسان ولو ما لوش عنوان». وإذا كان الفيلم ذاتيًا يخص فصلاً من فصول قصة حياة «يوسف شاهين»، فهى تصلح أن تكون ملخصًا لأفكاره وتصوراته عن الحياة، فهو محب ومتسامح وغير متعصّب لأى أفكار، ويرفض تصنيف البشر حسب اللون أو العرق أو الجنس أو الدين، كما أن الرؤية الموسيقية للأغنية، بأن يكون صوت «منير» هو البطل وخلفه الموسيقى بشكل مصاحب «على استحياء»، عكس المتعارف عليه فى توزيعات الأغانى بالاعتماد على الكثير من الآلات والوتريات وصناعة «هارمونى»، بحيث تتقاسم الموسيقى البطولة مع صوت المغنى، لم يكن موجودًا بهذا الشكل فى الأغانى السائدة حينها، وهو ما يجعل الأغنية ثورية ليس فقط بسبب كلماتها، ولكن أيضًا بسبب تنفيذها موسيقيًا بشكل مغاير تمامًا عن السائد من وقتها وحتى يومنا هذا.
ونجد من أغانى أفلام «يوسف شاهين» التى تمنحنا الحكمة، أغنية (بعد الطوفان) من فيلم (اليوم السادس). فإذا كان الطوفان المقصود هو «مرض الكوليرا» كما جاء فى الفيلم، فربما يكون الطوفان ليس طوفانًا بمعناه الحَرفى، ولكنه رمز للمحن والأزمات الكبيرة. وتأتى الأغنية لتذكرنا فى لحظات الضعف، عندما يصبح «الجو شبورة» وتكون الرؤية منعدمة، بأن «الصديق الزين» سيأتى لينقذنا من الغرق. وإذا كانت الأغنية تذكرنا بأن بعض الظلام سيتبعه النور، فهذا تأكيد حتمى وضرورى، ولكنها فى الوقت ذاته تطرح تساؤلات نقدية: «ده والله حرام! ما نبتديش العلام غير بالطوفان يعنى؟ لازم طوفان يعنى؟» وكأن «صلاح جاهين» وفق رؤية «يوسف شاهين» يَسخر من طبيعتنا المصرية التى لا تظهر معدنها إلا فى وقت الشدة والأزمات، بينما فى الأيام الطبيعية العادية يكون كل منا مشغولاً بنفسه.
وهذا أجمل ما فى أغانى «يوسف شاهين».. فهى أكثر من مقطع غنائى؛ بل تعتبر مرآة للمجتمع والإنسان، وسجلاً للمحن والانتصارات، وسلاحًا للوعى والحكمة. وفى كل أغنية، نجد قدرة هذا المخرج الكبير على تحويل الصوت إلى تجربة شعورية إنسانية كاملة.







