بين العقوبات والتهديدات وغضب الشارع
نظام الملالى يـتصدع
ياسمين علاء
يشهد نظام الملالى فى إيران تصدّعًا غير مسبوق، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية الخانقة مع انفجار الغضب الشعبى، بينما تتصاعد التهديدات العسكرية الأمريكية لتضع طهران أمام معادلة وجودية بين خيار الحرب أو الانهيار السياسى.
وفى ظل هذا المشهد المضطرب، تبدو محاولات الوساطة الإقليمية عاجزة عن احتواء أزمة تتجاوز حدود الاحتجاجات إلى أزمة شرعية تهدد بنية النظام برمّتها.
هذا التصدّع الداخلى لم يكن بمعزل عن التفاعلات الخارجية، إذ شهد مطلع عام 2026 تحولًا جذريًا فى طبيعة الصراع بين واشنطن وطهران، حيث انتقلت إدارة الرئيس دونالد ترامب من استراتيجيات الضغط الاقتصادى المعهودة إلى التلويح الجدى والمباشر بالخيار العسكرى، واضعةً حماية المتظاهرين الإيرانيين كـ «خط أحمر» لا يمكن تجاوزه، تقارير مسربة وتكشف التقارير الاستخباراتية المسربة عن حالة تأهب قصوى فى صفوف القوات الأمريكية تحت شعار «مذخرة وجاهزة» (Locked and Loaded)، بانتظار إشارة البدء لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة فى حال استمر النظام فى استخدام الرصاص الحى لقمع الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة التى فجرها انهيار العملة وأزمات الطاقة المتلاحقة.
بدأ التصعيد المتسارع مع اكتمال منظومة العقوبات الأمريكية والأوروبية الموسعة على إيران فى نوفمبر 2025، ما مهد الطريق لانفجار الأوضاع داخليًا مع مطلع يناير 2026، وهو ما أطلق شرارة «انتفاضة البازار» التى تحولت من مطالب معيشية إلى مطالبات سياسية بتغيير شامل فى بنية النظام.
ومع رصد واشنطن لعمليات قمع دموية وسقوط مئات القتلى فى مواجهات يناير، أصدر ترامب أولى تهديداته المباشرة، محذرًا من أن دماء المتظاهرين هى الخط الذى سيستوجب ردًا عسكريًا أمريكيًا فوريًا.
وجاءت نقطة التحول الكبرى فى الحادى عشر من يناير 2026، عندما أحدثت صحيفة «نيويورك تايمز» زلزالًا دبلوماسيًا بنشرها تفاصيل إحاطة عسكرية رفيعة المستوى تضمنت خيارات هجومية تتجاوز الاستهداف التقليدى للمنشآت النووية.
وتضمنت الخطة المسربة توجيه ضربات جراحية دقيقة لأهداف استراتيجية وغير عسكرية داخل العاصمة طهران، لشل مفاصل الدولة، بالإضافة إلى استهداف مراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثورى، ومهاجمة العناصر الأمنية المتورطة ميدانيًا فى قمع المحتجين، كما شملت الخيارات استخدام أسلحة سيبرانية سرية لتعطيل شبكات الاتصال الخاصة بالنظام تمامًا، مع بروز توجه واضح لدى ترامب للتدخل الأمريكى المباشر هذه المرة، بدلًا من الاكتفاء بالاعتماد على العمليات الإسرائيلية المنفردة.
ورغم وصول طبول الحرب إلى ذروتها بحلول الثالث عشر من يناير، لا تزال هناك خيوط دبلوماسية رفيعة تحاول فى الخفاء نزع فتيل الانفجار الشامل، إذ كشفت مصادر عن وجود قنوات اتصال سرية ومباشرة بين وزير الخارجية الإيرانى والمبعوث الأمريكى «ستيف ويتكوف» لمحاولة التوصل إلى تسوية تجنب البلاد ضربة عسكرية مدمرة.
وتأتى تلك التحركات فى وقت يواجه فيه الداخل الإيرانى غليانًا غير مسبوق، حيث تحولت احتجاجات «البازار» من مطالب معيشية ناتجة عن التضخم والفقر، إلى صرخات سياسية تطالب بتغيير شامل فى بنية النظام، وسط تقارير حقوقية تشير إلى سقوط مئات القتلى فى مواجهات دامية فى مختلف المدن الإيرانية، منذ مطلع العام.
الدبلوماسية
على الصعيد الخارجى، تبدو الدبلوماسية الإيرانية فى حالة دفاعية؛ إذ أكد الخبير الدبلوماسى، محمد فرازمند، فى حوار إلى صحيفة «شرق» الإصلاحية، انحسار الدور الإيرانى فى سوريا بعد سقوطها فى يد قوى محسوبة على أنقرة، مما يضع طهران أمام تحدى إدارة مصالحها فى بيئة إقليمية لم تعد قادرة فيها على فرض إرادتها.
فيما أكد الخبير السياسى، غلام على رجائى، فى حواره إلى صحيفة «شرق» الإصلاحية، أن الاحتجاجات الحالية تمثل حلقة فى سلسلة متراكمة من تآكل التفاؤل الشعبى منذ سنوات، إذ تحولت من مطالب سياسية مرتبطة بالانتخابات إلى قلق عميق بشأن سبل العيش والمستقبل والقدرة الشرائية.

وتابع: «غياب قنوات التمثيل الفعالة والأحزاب أدى إلى تزايد هشاشة المشهد، مما ينذر بتكرار سلسلة احتجاجات جديدة، وكذلك إفساح المجال للتدخلات الخارجية لتعقيد الأزمة، وتحويل المطالب المعيشية المشروعة إلى تهديد لاستقرار المجتمع وتماسكه».
وشدد على أن تجاهل مطالب الشارع يهدد بتكرار دورات الاحتجاج بنمط أكثر حدة وعنفًا، مطالبًا بضرورة تعزيز الحوار الداخلى والاستجابة الفورية للاحتياجات، قبل أن يتحول اليأس الاجتماعى إلى أزمة شاملة يصعب احتواؤها.
مخطط أمريكى إسرائيلى
وفى تفسيره لما يحدث فى الداخل الإيرانى حذر الكاتب والمحلل السياسى د.سعيد الشارودى، فى تصريحات خاصة لمجلة روزاليوسف، من مخطط تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل لتقسيم إيران إلى سبع دول، والسيطرة على ثرواتها من النفط والغاز، على غرار ما حدث فى فنزويلا، سعيًا لنهب الأموال المجمدة، وتفكيك القدرات الصاروخية، والبرنامج النووى السلمى.
وأكد على أن تلاحم الحرس الثورى مع الشعب هو الصخرة التى تتحطم عليها تلك المخططات الغربية التى تستهدف إشعال حرب داخلية وتجزئة الدولة.
وأوضح أن الحكومة الإيرانية تتبنى نهجًا إيجابيًا تجاه المطالب المعيشية، حيث نفذت إصلاحات اقتصادية شاملة، تضمنت تخصيص دعم مالى شهرى بقيمة مليون تومان لنحو 86 مليون مواطن.
وأوضح الشارودى أن الدولة تعهدت بزيادة هذا الدعم مع ارتفاع الأسعار، والعمل على كبح انخفاض العملة، مؤكدًا تميز إيران بأرخص أسعار للطاقة عالميًا، حيث لا تتجاوز تكلفة الكهرباء والغاز والمياه لأسرة كاملة دولارًا واحدًا شهريًا.
وشدد على أن النظام الإيرانى يتمتع بحاضنة شعبية واسعة تجعله عصيًا على الانهيار، محذرًا من أن أى حماقة عسكرية قد تقدم عليها واشنطن أو تل أبيب ستواجه بردًا إيرانيًا «أكثر إيلامًا» من أى وقت مضى، يستهدف مصالحهم فى المنطقة بشكل مباشر.
فرص التهدئة ما زالت قائمة
فى تعليقه على التغيرات المتسارعة داخل إيران، قال الدكتور محمد محسن أبوالنور، رئيس المنتدى العربى لتحليل السياسات الإيرانية فى تصريحات لـ«روزاليوسف»، إن الاحتجاجات التى يشهدها «بازار» طهران تأتى فى ظل ضغوط مركبة داخليًا وخارجيًا، تتزامن مع دعم أمريكى وإسرائيلى معلن، وعقوبات أمريكية وأوروبية موسعة بدأت ملامحها منذ نوفمبر الماضى.
وأشار أبو النور إلى أن الاحتجاجات بدأت بطابع اقتصادى متعلق بأوضاع التجار والقطاع الخاص، لكنها سرعان ما اكتسبت أبعادًا سياسية مرتبطة بسياسات إيران الخارجية، خصوصًا موقفها من التفاوض مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، مع رفض إيران الدخول فى اتفاقات تعتبرها غير عادلة أو التفاوض المباشر مع مبعوثين أمريكيين محددين.
وأضاف أن المجتمع الدولى، وعلى رأسه واشنطن، دعم تلك الاحتجاجات بعد تحولها إلى تحركات سياسية، وأوضح أن السلطات الإيرانية تتبع ما وصفه بـ«الحلول الثلاثية الأبعاد» لاحتواء الموجة الاحتجاجية، وتشمل: تحرك سياسى عاجل عبر الحكومة للرد على مطالب التجار، وتحرك أمنى بنشر الجيش والحرس الثورى للسيطرة على الشغب، وتحرك اجتماعى عبر حشد مؤيدى النظام فى الشوارع.







