الأحد 1 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بين الدعم والإدانة.. تناقض موقف الإدارة الأمريكية حول احتجاجات طهران ومينيسوتا

أمريكا تدافع عن المتظاهرين فى إيران.. و«تسحلهم» فى الداخل

فى الوقت الذى ترفع فيه الولايات المتحدة راية الدفاع عن المتظاهرين فى إيران، وتدين استخدام القوة ضدهم، تُظهر شوارعها الداخلية مشهدًا مغايرًا تمامًا.. متظاهرون يُسحلون، واعتقالات جماعية، استخدام مفرط للقوة ضد احتجاجات خرجت رفضًا ضد سياسات قمعية تستهدف المهاجرين، فى مفارقة صارخة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل الدفاع عن حقوق الإنسان موقف مبدئى، أم أداة سياسية تُستخدم حين تخدم المصالح الأمريكية فقط؟



لم تتوانَ واشنطن، خلال موجات الاحتجاج التى شهدتها إيران، عن إصدار بيانات رسمية تُدين ما وصفته بـ «القمع العنيف» للمتظاهرين، مؤكدة دعمها لحق الشعب الإيرانى فى التعبير السلمى عن مطالبه. 

وحرص المسئولون الأمريكيون على تصوير المحتجين فى إيران باعتبارهم رمزًا للحرية، وضحية لسلطة لا تحتمل المعارضة، فى خطاب يتكرر كلما اندلعت احتجاجات داخل دول تُصنف ضمن خصوم الولايات المتحدة.

هذا الدعم لم يكن مجرد تعبير أخلاقى، بل تحوّل إلى أداة ضغط سياسى وإعلامى، استُخدمت لتشديد العقوبات وتبرير التدخل السياسى، تحت شعار حماية حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات العامة.

احتجاجات أمريكية

على الجانب الآخر، شهدت مدن أمريكية عدة احتجاجات واسعة؛ رفضًا لاستخدام القوة فى حملة القمع ضد المهاجرين، التى توسعت فى عهد الرئيس دونالد ترامب؛ خرج المتظاهرون تنديدًا بالمداهمات، والاعتقالات الجماعية، وفصل العائلات، وسياسات الهجرة الصارمة التى طالت آلاف المهاجرين، كثير منهم بلا سجل جنائى.

هذه الاحتجاجات، التى اتسمت فى أغلبها بالطابع السلمى، عبّرت عن قلق متزايد داخل المجتمع الأمريكى من تآكل القيم التى طالما تغنّت بها الولايات المتحدة، وعلى رأسها حرية التعبير وحق التظاهر السلمى.

لكن رد الفعل الرسمى جاء معاكسًا تمامًا للخطاب الأمريكى الموجَّه إلى الخارج، فقد واجهت قوات الشرطة، مدعومة أحيانًا بقوات فيدرالية، المتظاهرين بالقوة، مستخدمة الهراوات والغاز المسيل للدموع، مع تسجيل حالات سحل لمحتجين واعتقالات واسعة النطاق.

ولم يقتصر الأمر على المتظاهرين فقط، بل شمل صحفيين ومراقبين، فى مشاهد أعادت إلى الأذهان صورًا طالما انتقدتها واشنطن حين وقعت فى دول أخرى. مشاهد بدت كأنها تنسف الخط الفاصل بين ما تُدينه الولايات المتحدة خارجيًا، وما تمارسه داخليًا.

وتظاهر آلاف الأشخاص فى مينيابوليس هاتفين اسم المرأة التى قُتلت برصاص عنصر فى إدارة الهجرة والجمارك فى المدينة، وسط غضب عارم من استخدام القوة فى حملة القمع التى تقودها إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ضد الهجرة.

انفجار سياسى

ووسط حملة البيت الأبيض المناهضة للهجرة فى المدن الكبرى فى البلاد، تحوّل مقتل السيدة رينيه جود إلى نقطة انفجار سياسية، حيث تدافع الإدارة بحزم عن ضابط إدارة الهجرة والجمارك، بينما انتشرت الاحتجاجات ضد الوكالة فى جميع أنحاء المدينة والبلاد، وتُجدّد حادثة مينيابوليس المخاوف بشأن الحقوق المدنية، وسلوك الشرطة، وعنف الدولة، وسياسة الهجرة.

 

 

 

وخرج الناس إلى الشوارع فى مدن أمريكية مختلفة فى عطلة نهاية الأسبوع احتجاجا على أساليب إدارة ترامب بتطبيق قوانين الهجرة، ونظّم محتجون على سلوك وطبيعة تلك الإدارة مظاهرات فى عشرات المدن الأمريكية يومى السبت والأحد، مطالبين «بمساءلة نظام عمل بلا عقاب لفترة طويلة جدا».

ودافع ترامب عن شرطى إدارة الهجرة وألقى اللوم على المحتجين، وقال: إن المرأة كانت فوضوية، واتهمها بدهس الشرطى، وبرّر قتل الأخير لها، ووصف سلوكها بأنه أدى إلى إطلاق نار دفاعا عن النفس، كما لام ترامب «اليسار الراديكالى» واتهمه بخلق بيئة معادية «تهدد وتهاجم وتستهدف ضباط إنفاذ القانون وعملاء الهجرة والجمارك».

وصاغ ترامب ما حدث فى مينيسوتا وما تبعه من مظاهرات كجزء من هجمات أوسع على أجهزة إنفاذ القانون، مؤكدا أن إدارة الهجرة والجمارك والضباط الفدراليين يحاولون «جعل أمريكا آمنة»، مشيرا إلى أن المحتجين ضد الهجرة يهددون السلامة العامة.

وفى الوقت الذى رفع فيه المتظاهرون شعارات ترفض استمرار حملة اعتقالات تشنها الحكومة الفدرالية  ضد المهاجرين غير القانونيين فى المدن الأمريكية، كرر ترامب ادعاءات بأن الاحتجاجات كانت مدفوعة بمخربين مدفوعين أو شبكات يسارية، وليس بمظالم حقيقية. 

وعندما سُئل عن اقتراح منح الحصانة المطلقة التى يطلبها بعض الجمهوريين لشرطة تطبيق قوانين الهجرة، المعروفة اختصارا باسم «آيس» (ICE)، رد ترامب «سأترك للناس أن يحددوا ذلك».

وأضاف «كانت تلك المرأة غير محترمة جدا تجاه جهات إنفاذ القانون، رأيت الأصوات نفسها، والتكسير نفسه، ولا يمكنك فعل ذلك سواء كانت الشرطة، أو إدارة الهجرة، أو دوريات الحدود، أو أى شخص آخر، علينا احترام إنفاذ القانون». ووصف المتظاهرين بأنهم «مخربون محترفون».

المتظاهر السلمى

تطرح هذه المفارقة سؤالًا محوريًا: من يحدد من هو «المتظاهر السلمى» ومن هو «مثير الشغب»؟ فى إيران، يُقدَّم المحتجون فى الخطاب الأمريكى كضحايا يستحقون الدعم والحماية، بينما يُصنَّف المحتجون فى الشوارع الأمريكية كخطر أمنى يستوجب الردع.

الأداة واحدة، وهى الاحتجاج، لكن التوصيف يختلف باختلاف الموقع الجغرافى والمصلحة السياسية، ما يكشف عن معايير مزدوجة فى التعامل مع الحق ذاته؛ تعكس هذه المقارنة كيف تحولت حقوق الإنسان، فى الخطاب الأمريكى، من قيمة عالمية إلى ورقة سياسية تُستخدم بمرونة شديدة؛ تُرفع حين تخدم الاستراتيجية الأمريكية، وتُهمل أو يُعاد تفسيرها حين تتعارض مع السياسات الداخلية.

هذا التناقض لا يمر دون ثمن، إذ يُضعف من مصداقية الولايات المتحدة كمدافع عالمى عن الحريات، ويمنح خصومها مساحة أوسع للتشكيك فى نواياها وخطابها الأخلاقى.