الإثنين 2 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

اختبار حقيقى لقدرة المجتمع الدولى على الصمود

أمريكا اللاتينية تحت القصف «الترامبى»

مع تطور استراتيجية (أمريكا أولًا) التى يتبناها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، تواجه أمريكا اللاتينية حالة من التوتر غير المسبوق، وفى الوقت الذى يوحى فيه خطاب «ترامب » بالانعزال والانسحاب من الشئون العالمية، تُظهر الحقائق على الأرض صورة معاكسة تمامًا، حيث تتوسع «واشنطن» فى استخدام القوة العسكرية والضغط الاقتصادى، لضمان هيمنتها فى نصف الكرة الغربى، إلى جانب مناطق نفوذها المتفرقة حول العالم. 



فى فترة قصيرة، نفذت الإدارة الأمريكية عمليات عسكرية واسعة النطاق، بداية من ضربات جوية فى الشرق الأوسط وتحديدًا فى إيران، مرورًا بمهاجمة قوارب يُشتبه فى تهريبها للمخدرات فى البحر الكاريبى والمحيط الهادئ، وصولًا إلى غارة على فنزويلا، حيث تم القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. 

وفى هذا الصدد، لم يخف «ترامب» طموحه بأن تكون دول أخرى مثل: «كوبا، كولومبيا، المكسيك»، وغيرها، أهدافًا محتملة للتدخل الأمريكي.

 

د.هيثم عمران
د.هيثم عمران

 

> جذور استراتيجية «ترامب» 

عقيدة (أمريكا أولًا) التى تبناها «ترامب» ليست نتاج لحظة عابرة، بل تمثل محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإحياء نهج العزلة والحمائية ومعاداة الهجرة، الذى اتبعته الولايات المتحدة قبل دخولها الحرب العالمية الثانية.

غير أن العولمة المتسارعة تجعل الانسحاب الكامل مهمة مستحيلة؛ فالاقتصاد الأمريكى مرتبط بشكل لا يمكن فصله بالأسواق العالمية، كما أن التحديات الأمنية باتت عابرة للحدود. ولذلك، رأى العديد من المحللين السياسيين أن نهج «ترامب» اتسم بالتذبذب بين محاولات الظهور كصانع سلام، وبين اللجوء إلى القوة والعنف لحماية المصالح الأمريكية.

وبالحديث عن «أمريكا اللاتينية» تحديدًا- التى تعد الفناء الخلفى للولايات المتحدة ومرتكزًا أساسيًا فى أمنها القومى - اتضحت معالم استراتيجية «ترامب» تجاه المنطقة من خلال استراتيجية الأمن القومى لعام 2025، التى دعت صراحة إلى إحياء (مبدأ مونرو) الذى أعلن عام 1823.

والمبدأ فى أصله كان تعبيرًا عن رغبة الولايات المتحدة فى منع التدخل الأوروبى فى شئون الأمريكتين، لكنه تطور فى عهد «ترامب» ليصبح أداة لإعادة تأكيد التفوق الأمريكى فى المنطقة عبر الضغط على الدول المجاورة بحجج مثل: منع الهجرة الجماعية، ومكافحة المخدرات، وحرمان القوى الأجنبية من الوصول إلى الموارد الحيوية.

>«فنزويلا» كنموذج لاستراتيجية الهيمنة

تعد فنزويلا الاختبار الأول لاستراتيجية «ترامب» فى أمريكا اللاتينية، فالعملية العسكرية التى نفذتها الولايات المتحدة مكنتها من السيطرة على الاحتياطيات النفطية الهائلة فى البلاد، وتسهم -فى الوقت نفسه- فى تحقيق أهداف أمن الطاقة، ومواجهة النفوذ الصينى، والروسى، والإيراني. 

 

د.رامى عاشور
د.رامى عاشور

 

وفى هذا الصدد، قال الدكتور رامى عاشور، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة -فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- إنه انطلاقا من رؤية الولايات المتحدة لنصف الكرة الغربى باعتباره منطقة نفوذ ضمن دوائرها الحيوية فى الأمن القومى فإنها تستخدم أداة القوة لبسط نفوذه.

وأشار «عاشور» زاوية أخرى لمسألة بسط النفوذ الأمريكى بالقوة، عبر تسليطه الضوء على الفترة المقبلة فى فنزويلا، التى اعتبرها اختبارًا حقيقيًا للولايات المتحدة، ولمبدأ (مونرو) الذى تتبعه، مضيفًا أنها مرهونة بتحركات «ترامب» الذى أعلن مسئوليته عن إدارة «كاراكاس». 

> الضغط على الجنوب الأمريكي

فى أعقاب عملية فنزويلا بدأت الإدارة الأمريكية التلويح باستخدام قوتها لبسط نفوذها على أمريكا اللاتينية.. وفى هذا الصدد برزت «كوبا» على رأس قائمة الأهداف المحتملة، خاصة أن الجزيرة تعتم -تاريخيًا- على النفط الفنزويلي. 

ومع سيطرة «واشنطن» على النفط الفنزويلى، وفرض حصار بحرى على ناقلات النفط، تهدد الولايات المتحدة بانهيار الاقتصاد الكوبى دون الحاجة لتدخل عسكرى مباشر.

ومن خلال تلك الاستراتيجية، يبدو أن «واشنطن» تعتمد على الضغط الاقتصادى كوسيلة لتقويض الحكومات التى تعتبرها معادية، وذلك قبل اللجوء إلى العمليات العسكرية، ما يعكس تحول القوة الأمريكية إلى أداة للضغط الشامل بين القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية.

بدورها، تواجه المكسيك -أيضًا- تهديدات متزايدة، بسبب دورها كمورد رئيسى للنفط إلى كوبا، إذ شحنت نحو 12 ألف برميل يوميًا فى عام 2025، وهو ما يمثل نحو 44 ٪ من واردات «كوبا» النفطية. 

أما «كولومبيا»، التى كانت تعتبر حليفًا تاريخيًا لواشنطن، فتحولت إلى هدف محتمل بعد انتقاد الرئيس «جوستافو بيترو» لغارة «فنزويلا» ووصفها بأنها (انتهاك مشين لسيادة «أمريكا اللاتينية»)؛ وهو ما دفع «ترامب» للرد عبر فرض عقوبات شخصية على «بيترو» وعائلته، وترك الباب مفتوحًا لإجراءات عسكرية مستقبلية، رغم أنه تراجع مؤقتًا- بعد اتصال هاتفى من (البيت الأبيض).

لم تتوقف التهديدات الأمريكية عند هذا الحد، إذ تتعرض نيكاراجوا -أيضًا- للرقابة الأمريكية المشددة، إذ تعتبرها «واشنطن» جزءًا من (ثلاثية الديكتاتوريات) إلى جانب «كوبا، وفنزويلا»؛ كما صُنفت كدولة مفتاحية فى عبور المخدرات؛ ما دفع الحكومة الرئاسية فى «نيكاراجوا» لتعزيز مجمعها الرئاسى، فى محاولة لحماية نفسها من أى تدخل محتمل، وهو ما يعكس تأثير استراتيجية ترامب على خلق حالة دائمة من التهديد والرقابة فى المنطقة.

>القوة الصلبة 

تُظهر تحركات «واشنطن» خلال الفترة الأخيرة، أن الاستراتيجية الأمريكية فى عهد «ترامب» تعتمد بشكل واضح على القوة الصلبة، سواء عبر التدخل العسكرى المباشر، أو الحصار الاقتصادى، أو تصنيف الدول والعصابات كتهديدات أمنية.

وفى هذا السياق، أوضح الدكتور هيثم عمران، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولى بجامعة السويس، أن استراتيجية «ترامب» تجاه أمريكا اللاتينية، القائمة على عقيدة (مونرو) المحدثة، تثير إشكاليات قانونية وسياسية عميقة تمس جوهر النظام الدولي؛ مؤكدا أن استراتيجية الضغط العسكرى، التى تجسدت فى العمليات داخل الأراضى الفنزويلية واعتقال قادتها، تمثل انتهاكًا صارخًا للمادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة، التى تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضى أو الاستقلال السياسى لأى دولة.

وأكد أن توصيف هذه العمليات باعتبارها «إنفاذًا للقانون» خارج الحدود يُعد التفافًا قانونيًا يفتقر إلى الشرعية الدولية، إذ لا تمنح الولاية القضائية الجنائية لأى دولة حق انتهاك سيادة دولة أخرى، أو اختطاف مطلوبين من أراضيها، وهو ما يُعد عدوانًا وفقًا للقانون الدولى العرفي.

كما أشار إلى عدم مشروعية التدابير القسرية الانفرادية؛ موضحًا أن العقوبات الاقتصادية الشاملة، والتعريفات الجمركية العقابية تنتهك مبدأ المساواة فى السيادة، ومبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول، باعتبارها أدوات تهدف إلى إكراه الدول على تغيير سياساتها السيادية.

وخلص «عمران» إلى أن تلك الممارسات تؤدى لتآكل سيادة القانون الدولى، واستبدالها بـ«عقيدة القوة»، ما يُضعف النظام الدولى متعدد الأطراف، ويُهمش دور المنظمات الدولية، ويفتح الباب أمام قوى إقليمية أخرى لتبنى النهج ذاته، وصولًا إلى حالة من الفوضى القانونية التى تبرر فيها كل قوة عظمى تدخلاتها بذريعة حماية مصالحها القومية.

فى النهاية، تبدو استراتيجية «ترامب» تجاه أمريكا اللاتينية اختبارًا حاسمًا لقدرة النظام الدولى على الصمود أمام منطق القوة، ما ينذر بتحول السيادة والقانون الدولى لضحايا مباشرة لمعادلات القوة والمصالح.>