مع الاستغلال المادى البشع لـالأهالى
دكاكين علاج الإدمان بالحبس والتعذيب والتجويع
هبة حسنى
لم يكن فرار العشرات بملابس رثة ووجوه شاحبة غاب عنها بريق الحياة، مجرد محاوَلة للهروب من مصحة لعلاج الإدمان؛ بل صرخة نجاة جماعية من جحيم وسجن غير قانونى، يمارس فيه القهر والتعذيب بعيدًا عن أعين الرقابة.
وبين اتهامات بالضرب المبرح وشبهات الاستغلال المادى، نفتح ملف «دكاكين علاج الإدمان» غير المرخصة التى تتاجر بأوجاع المرضى وتبيع الوهم لأسرهم المكلومة.
خارج القانون
المقاطع المصورة، التى انتشرت على نطاق واسع، أظهرت نزلاء يفرون من إحدى مصحات علاج الإدمان بالمريوطية بمحافظة الجيزة، فى مشهد فتح باب التساؤلات مجددًا حول طبيعة بعض المراكز غير المرخصة التى تعمل تحت لافتة العلاج، بينما تشير الوقائع إلى ممارسات أبعد ما تكون عن الطب أو الإنسانية.
ومع تصاعد الجدل، توالت الشهادات عن سوء معاملة وانتهاكات تصل إلى حد التعذيب الممنهج بدعوى العلاج، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى التحرك العاجل لفحص المكان؛ حيث كشف الستار عن مخالفات صارخة، أبرزها عمل المنشأة دون ترخيص قانونى، رغم صدور قرار بإغلاقها قبل عدة أشهر.
الهروب الكبير
ما جرى لم يكن محاولة فرار بالمعنى التقليدى؛ بل استغاثة خرجت إلى العلن، شباب بأصوات منهكة وملامح ضائعة لم يطالبوا بالحرية؛ بل بالكرامة، أحدهم قال بوضوح: «جايين نتعالج.. مش نتهان».. رواياتهم تحدثت عن أيام بلا طعام، وأبواب مغلقة، وضرب وإهانات، ومكان تحول من مصحة إلى سجن، مع استغلال مادى لأسر فقدت الأمل فى إنقاذ أبنائها، فى تلك اللحظة لم يعد الإدمان هو الأزمة؛ بل أن يُقابل الألم بألم أشد، ويطرح السؤال الأكثر قسوة: أين ينتهى العلاج، وأين تبدأ الجريمة؟
شهادات من جحيم الأسوار.. هكذا تحدّث الناجون: «كانوا بياخدوا من أهالينا دم قلبهم، وفى الآخر كنا بناكل العلقة بدل اللقمة».. «كانت فلوسنا بتدفع تمن وجعنا».. «الناس دى كانت بتمَوّت فينا الإنسانية».. «كنا بنموت كل يوم بالبطىء واحنا محبوسين».. «هربت من السّم بَرّه لقيته بيتباع قدّام عينى جُوّه».. «بدل ما يسندونى كانوا بيغرّقونى أكتر».
والثلاثاء الماضى تسبب حريق فى مصحة لعلاج الإدمان ببنها فى سقوط 7 قتلى فى استمرار لمسلسل كوارث المصحات
مخازن بشرية
فراس الوزيرى، المتخصّص فى تعديل السلوك الإدمانى، قال إن بعض تلك الأماكن ليست مصحات بالمعنى المعروف؛ بل مخازن يتم فيها حبس البشر بشكل مزدحم، ومعاملة النزلاء فيها أقرب إلى السجن، دون أى وسيلة للتواصل مع العالم الخارجى.
وأضاف: إن الهدف غالبًا هو المكسب المادى على حساب صحة الشباب، بينما تفتقر بعض الأسر إلى الوعى الكافى لاختيار المركز المناسب، مما يؤدى إلى نتائج مؤسفة؛ لأن استمرار الظاهرة مرتبط بوعى الأسر والمجتمع.
المكان الآمن
وأشار «الوزيرى» إلى وجود نوعين من العلاج: الأول حكومى، يشمل مستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان التى تلتزم بأعلى المعايير العالمية وتطبق القواعد المعروفة بدقة وصرامة وتخضع لمتابعة ورقابة صارمة من الجهات المختصة، وتشمل 16 مستشفى و6 عيادات تخصصية.. والثانى هو المراكز الخاصة التى كثيرًا ما ترتبط بالمشكلات والانتهاكات؛ وبخاصة تلك التى تعمل دون الحصول على التصاريح اللازمة.
وشدّد على ضرورة تحقق الأسر من تراخيص المركز وفريق العمل قبل إرسال أبنائها للعلاج وتسليمهم إلى المصحات.
مراكز وهمية
من جانبه، قال محمد جمال، مدير أحد بيوت إعادة تأهيل سلوك المدمنين: إن انتشار أنواع المخدرات الجديدة أدى إلى ارتفاع أعداد المتعاطين بما يفوق قدرة المصحات الحكومية، ما يضطر الأهالى للجوء إلى المصحات الخاصة، لكنها ليست جميعها مؤهلة.
وأضاف: إن المصحات الجادة توفر بيئة آمنة ومعزولة عن المؤثرات الخارجية، مع متابعة مستمرة للمتعافين، إضافة للمتابعة مع ذوى النزلاء؛ إذ نقوم بإرسال تسجيلات فيديو دورية للأهل لطمأنتهم، كما تتيح لهم استشارة الأطباء القائمين على علاج أبنائهم فى أى وقت، مما يعزز الثقة بين المصحة وأهل المدمن، بينما بعض الأماكن الأخرى وغير المرخصة تتحول إلى أداة ربحية تهمل المريض وإنسانيته، وتمنع المدمن من التواصل مع ذويه بأى شكل من الأشكال حتى لا يفتضح أمرهم.
روشتة التعافى
وأكد أن العلاج الفعّال يتطلب معالجة الأسباب الحقيقية للإدمان، عبر الكشف الطبى والنفسى والأنشطة التثقيفية والرياضية والمتابعة الدورية مع الأسرة، مع ضرورة التفرقة بين المراكز الموثوقة وغير المؤهلة؛ حفاظًا على سلامة المتعافين.
وأوضح أن ترخيص المصحات يتطلب موافقات متعددة من جهات مختلفة لضمان سلامة المرضى، وغالبًا ما يتكاسل هادفو الربح والمتاجرون بآلام المدمن عن استيفاء متطلبات الرخصة والحصول عليها.
مفاجأة أمنية
وأشار اللواء أحمد الخولى، مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات سابقًا، إلى تنامى ظاهرة مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان، ويُدير بعضها مدمنون سابقون أو متعافون بدافع الربح المادى، لا بدافع تقديم علاج حقيقى. وأوضح أن هذه المراكز غالبًا ما تُقام داخل فيلات أو منازل قديمة يتم تأجيرها، مع فرض مبالغ مالية مرتفعة تحت مسمى تكاليف العلاج النفسى والبدنى.
وبيّن «الخولى» أن القائمين على تلك الأماكن يلجأون إلى احتجاز النزلاء بحجة عزلهم عن المؤثرات الخارجية ورفاق السوء، إلى جانب التعاقد الشكلى مع بعض الأطباء لاستخدامهم كواجهة فقط، دون وجود برامج علاجية معتمدة أو إشراف طبى فعلى.. وكشف أنه خلال الحملات التفتيشية السابقة تم ضبط كميات من المواد المخدرة تُباع سرًا داخل بعض هذه المصحات غير المرخصة، فى مخالفة جسيمة تقوّض أى فرصة حقيقية للتعافى.
الخط الساخن
وفى تعقيبه على ما أثير، استعرض الدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى، جهود الصندوق فى توفير بدائل علاجية آمنة ومجانية، مؤكدًا أن الخط الساخن للصندوق «16023» قدّم خلال عام 2025 خدمات علاجية لـ160 ألفًا و570 مريض إدمان من الحالات الجديدة وحالات المتابعة، دون مقابل مادى.
وأوضح أن الصندوق يوفّر خدمات العلاج لأى مريض إدمان من خلال 35 مركزًا علاجيًا تابعًا أو شريكًا، موزعة على 21 محافظة، وتعمل وفق المعايير الدولية. مشيرًا إلى التوسع فى إتاحة الخدمة داخل المناطق المطورة بديلة العشوائيات، مثل: الأسمرات، المحروسة، روضة السودان، روضة السيدة، أهالينا، الخيالة، بشاير الخير، وحدائق أكتوبر، إلى جانب افتتاح مركز العزيمة مؤخرًا بإحدى قرى مبادرة «حياة كريمة» بمحافظة الغربية، وتشغيل فرع الخط الساخن بمحافظة السويس.
وبيّنت بيانات الخط الساخن؛ أن 96 % من المستفيدين من الخدمات العلاجية من الذكور، مقابل 4 % من الإناث، كما جاءت محافظة القاهرة فى مقدمة المحافظات من حيث عدد المكالمات الواردة بنسبة 26 %، تلتها الجيزة بنسبة 20 %.
وأوضح «عثمان» أن الإنترنت جاء فى صدارة مصادر معرفة المواطنين بخدمات الخط الساخن، تلاه التليفزيون ثم المواقع الإخبارية، وهو ما يعكس جهود الصندوق التوعوية عبر منصاته المختلفة.. موضحًا أن المريض نفسه كان المصدر الأول للاتصال بالخط الساخن بنسبة 36 %، يليه الأم ثم الأشقاء، وهو مؤشر على تنامى الثقة فى خدمات العلاج المقدمة.
وأشار مدير الصندوق؛ إلى أن أسباب التعاطى كانت فى المقدمة: أصدقاء السوء وحب الاستطلاع، بينما جاء ضياع الصحة وعدم القدرة المادية والمشكلات المرتبطة بالعمل والضغوط والخوف من الفصل أو المساءلة القانونية فى مقدمة أسباب السعى للعلاج.. مؤكدًا استمرار تلقى الخط الساخن لاتصالات الموظفين المتعاطين مع توفير العلاج المجانى فى سرية تامة حال التقدم الطوعى للعلاج.
ويعتمد البرنامج التأهيلى للمتعافين من الإدمان داخل مراكز «العزيمة» التابعة للصندوق على الدمج بين مجموعة من البرامج العلاجية والتأهيلية، تشمل التأهيل النفسى والعلاج المعرفى السلوكى، وبرامج تنمية مهارات منع الانتكاسة، بالإضافة إلى التأهيل المهنى من خلال «العلاج بالعمل»، والتأهيل البدنى عبر «العلاج بالرياضة»، فضلًا عن الأنشطة الترفيهية اليومية.
تشترط القوانين المصرية، وعلى رأسها قانون المنشآت الطبية غير الحكومية وقانون الصحة النفسية، أن تكون جميع المراكز مرخصة رسميًا من وزارة الصحة قبل مزاولة النشاط، وتعمل وفق معايير السلامة والنظافة والأطقم الطبية المؤهلة، مع تحديد عدد الأسِرّة بما لا يتجاوز 25 سريرًا لضمان متابعة فعّالة للمرضى.
الترخيص ليس مجرد إجراء إدارى؛ بل ضمانة لسلامة المريض وحقوقه؛ إذ تخضع المراكز المرخصة لإشراف طبى منتظم، بينما تفتقد المراكز غير المرخَّصة هذه الضمانات، مما يُعرّض المرضى للخطر.
وتقوم وزارة الصحة ومجلس الصحة النفسية بحملات تفتيش دورية لإغلاق أى مركز غير مرخص، وتحويل المخالفين للجهات القضائية.
كما تم إنشاء لجنة متخصصة لحوكمة الترخيص وربط تسجيل المرضى بنظام رقمى مركزى؛ بهدف رفع جودة الخدمات والمساءلة، وحماية المرضى من أى إساءة أو علاج غير آمن، وضمان الإشراف الطبى المتخصص داخل المصحات، وتقليل انتشار المراكز غير الرسمية.
وفى نهاية المطاف، تظل واقعة «هروب الجيزة» جرس إنذار يدق فى وجدان المجتمع والجهات الرقابية على حد سواء..وإن الإدمان مرض يستوجب الرعاية لا العقاب، والفرق بين «المصحة» و«الاحتجاز» يكمن فى ترخيص قانونى ورقابة بشرية لا تنام.
وبينما تواصل الدولة جهودها فى إغلاق أوكار المتاجرة بالمرضى، تظل المسئولية الكبرى ملقاة على عاتق الأسر؛ فالبحث عن العلاج لا يجب أن يكون مبررًا لتسليم الأبناء لمراكز مجهولة تحول رحلة التعافى إلى مأساة إنسانية جديدة.
ويبقى السؤال المعلق: كم مصحة «سرية» لا تزال تعمل خلف الأبواب المغلقة، وتنتظر لحظة انفجار مماثلة لتكشف ما تخفيه الصدور؟
الصحة: إغلاق 112 منشأة غير مرخصة فى 6 أشهر
تابعت وزارة الصحة والسكان ما تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعى؛ بشأن هروب جماعى من إحدى المنشآت غير المرخصة لعلاج الإدمان فى المريوطية بالجيزة، وما صاحب ذلك من مزاعم سوء معاملة.
وأكدت الوزارة أن المنشأة تمارس نشاطًا غير قانونى، مخالفًا لقوانين المنشآت الطبية والصحة النفسية.
وشددت الوزارة؛ على تحركها الفورى لإغلاق المنشأة وإحالة الواقعة للنيابة العامة، مع استمرار حملاتها التفتيشية على المنشآت غير المرخصة بالتعاون مع المجلس القومى للصحة النفسية والأمانة العامة لعلاج الإدمان ووزارة الداخلية، وأسفرت الحملات خلال 2025 عن إغلاق مئات المنشآت المخالفة، منها 112 منشأة فى النصف الأول من العام، و25 مركزًا فى يوليو، و15 مركزًا فى شهر أكتوبر.
وأوضحت الوزارة؛ أن خدمات علاج الإدمان متوفرة مجانًا وبسرية فى مستشفيات الأمانة العامة المنتشرة بجميع المحافظات، مع إمكانية الاستعلام عبر الخط الساخن 16023.
ودعت الأسر للتأكد من ترخيص أى منشأة؛ والإبلاغ عن المخالفات عبر الخط الساخن 01207474740؛ أو صفحات المجلس الرسمية على فيسبوك وإنستجرام.
وشددت الوزارة على التزامها بحماية حقوق المرضى، وعدم التهاون مع أى جهة تستغل معاناة المتعاطين أو تخالف القانون، مع مواصلة جهود الرقابة لضمان تقديم علاج آمن وإنسانى وفق أعلى المعايير.
ختامًا؛ وفى ظل الحاجة المتزايدة لخدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، وضعت الدولة إطارًا قانونيًا صارمًا لترخيص المصحات ومراكز العلاج؛ بهدف ضمان جودة الرعاية وحماية المرضى.







