مسئولة الشئون الإنسانية للمفوضية الأوروبية فى حوار خاص:
ما يحـــدث فــى غـــزة «كـــارثـــة»
محمد الجزار
220 مليون يورو مساعدات إنسانية أوروبية لغزة خلال 2025.. ونصف مليون مواطن يعيشون فى ظروف صحية حرجة
تظل غزة واحدةً من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا فى العالم، وعنوانًا مفتوحًا للألم، وتعد اختبارًا أخلاقيًا كبيرًا للمجتمع الدولى؛ أمام حرب طويلة وحصار خانق، ونقص حاد فى الغذاء والدواء والمأوَى، يدفع ثمنَه الضحايا وعلى رأسهم الأطفال والنساء.
هنا تبرز المفوضية الأوروبية؛ كأحد الفاعلين الدوليين الرئيسيين فى ملف المساعدات الإنسانية، ومحاولة تخفيف معاناة أهل غزة، رغم التحديات السياسية والأمنية التى تعرقل وصول الدعم الإنسانى إلى مستحقيه.
فى هذا الحوار، نفتح ملف غزة الإنسانى مع إيفا هرنتشيروفا مسئولة الشئون الإنسانية فى المفوضية الأوروبية؛ للوقوف على حجم الكارثة الإنسانية، ودَور الاتحاد الأوروبى فى دعم سكان غزة، والتحديات التى تواجه إيصال المساعدات.
كيف تصفون الوضع الإنسانى الحالى فى غزة؟
- الوضع الإنسانى فى غزة كارثى بكل المقاييس؛ الفلسطينيون خسروا منازلهم، واختفت أحياء كاملة من الوجود؛ وأكثر من 90 ٪ من منازل غزة تعرضت للضرر أو الدمار، ما أجبر آلاف العائلات على العيش وسط أكوام الركام، ومع دخول فصل الشتاء، يعانى الناس من البرد والجوع والبَلل، لا سيما بعد موجات الفيضانات الأخيرة التى فاقمت المأساة.
ولا يوجد مكان آمن يلجأون إليه، والخيام لا توفر أى حماية حقيقية؛ خصوصًا للأطفال، وهناك حاجة ماسة إلى الملاجئ، والأغطية ومستلزمات الشتاء، إضافة إلى الغذاء والدواء.
وبَعد أشهُر من شبه انعدام الوصول الإنسانى، بدأت بعض المساعدات تصل إلى السكان، وهو تطور إيجابى لكنه لا يزال جزءًا ضئيلًا مما هو مطلوب.. غزة تحتاج إلى تدفّق هائل من المساعدات، لا إلى مساعدات تُقدَّم قَطرة قَطرة.
ما القطاعات التى تواجه الانهيار الأكبر حاليًا؟
- جميع القطاعات الأساسية تواجه ضغطًا شديدًا وانهيارًا خطيرًا؛ إلاّ أن الغذاء والتغذية يمثلان أولوية قصوى؛ خصوصًا بعد إعلان المجاعة فى مدينة غزة من قبل التصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى (IPC).
ويعانى القطاع الصحى من أزمة حادة، إذ تفتقر المستشفيات إلى الأدوية والمعدات الطبية والوقود اللازم لتشغيله؛ ونقص الوقود يؤثر كذلك على إمدادات المياه، تشغيل المستشفيات، توزيع المساعدات الإنسانية، وجميع المواد الأساسية مطلوبة بشكل عاجل.
هل دخلت غزة فعليًا مرحلة المجاعة؟ وما المؤشرات على ذلك؟
- المجاعة لم تَعُد خطرًا محتملًا فى غزة؛ بل أصبحت واقعًا قائمًا؛ الأطفال يموتون بسبب الجوع والأمراض، والعائلات تمضى أيامًا كاملة دون طعام ومياه نظيفة ورعاية صحية.
وأكد تقرير صادر مؤخرًا عن التصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى (IPC)، وهو المرجع العالمى فى تحليل أزمات الغذاء والتغذية، وجود مجاعة فى غزة منذ شهر يوليو الماضى؛ ويُعَد ذلك أخطر تدهور يشهده القطاع منذ بدء تحليل انعدام الأمن الغذائى الحاد وسوء التغذية فى مايو 2024، وأكثر من 500 ألف شخص يواجهون حاليًا ظروفًا كارثية من الجوع وظروف إنسانية صعبة.
ما حجم المساعدات التى قدّمها الاتحاد الأوروبى لغزة خلال الحرب؟
- الاتحاد الأوروبى يُعَد من أكبر مزود للمساعدات الإنسانية لغزة؛ منذ أكتوبر 2023 قدّم الاتحاد أكثر من 550 مليون يورو مساعدات إنسانية؛ وشمل ذلك تنظيم أكثر من 78 رحلة جوية إنسانية؛ ونقل 5,190 طنًا من الإمدادات الأساسية؛ وساهمت المفوضية الأوروبية فى الإجلاء الطبى لـ 387 مريضًا و1,023 فردًا من عائلاتهم.
هل زادت المخصُّصات الطارئة للمساعدات مؤخرًا؟
- نعم، شهد التمويل الإنسانى الأوروبى زيادة ملحوظة، وفى عام 2023 تم توفير 103 ملايين يورو، وفى عام 2024 قدمت المفوضية الأوروبية 237 مليون يورو، وفى 2025 قدمت المفوضية 220 مليون يورو حتى 18 نوفمبر الماضى.
ما هى أولويات المفوضية فى عمليات الدعم داخل غزة؟
- عمليات الدعم الإنسانى الأوروبى تركز على الغذاء، والمستشفيات والرعاية الصحية والمياه والصرف الصحى، والمأوى ومستلزمات الشتاء.
ويواصل الاتحاد الأوروبى الضغط من أجل وصول دعم إنسانى آمن وسريع ودون عوائق، ويجب حماية المدنيين واحترام القانون الدولى الإنسانى فى جميع الأوقات.
ما أبرز العقبات التى تواجه دخول المساعدات إلى غزة؟
- زارت حاجة الحبيب، مفوضة المساعدات الإنسانية، معبر رفح فى نهاية نوفمبر الماضى، وأعربت عن نيتها دخول غزة للاطلاع المباشر على الأوضاع، إلاّ أن السلطات الإسرائيلية لم تمنحها الإذن، وهو ما نأسف له بشدة.
وتشمل التحديات الرئيسية القيود على عدد شاحنات المساعدات، عدم فتح جميع المعابر، والتعقيدات الإدارية والإجراءات الجمركية، وغياب الأمن والنظام لضمان سلامة عمليات الإغاثة، والقيود على إدخال المعدات المتخصصة مثل معدات إزالة الركام، والعراقيل المرتبطة بتسجيل المنظمات الدولية غير الحكومية (INGOs).
ويدعو الاتحاد الأوروبى إلى الفتح الكامل لجميع المعابر، وإزالة الأعباء البيروقراطية التى تعيق وصول المساعدات، ويدير الاتحاد الأوروبى ثلاثة مستودعات إنسانية فى غزة عبر منظمة HI-Atlas؛ أحدها فى شمال غزة أُخلى بناءً على أوامر من الجيش الإسرائيلى ولا يزال خارج الخدمة، بينما يعمل مستودعان فى وسط القطاع بكامل طاقتهما ويستخدمهما حاليًا 24 شريكًا إنسانيًا؛ يجب أن تتحول المساعدات من تدفق محدود إلى تدفق واسع ومستدام.
هل هناك حوار مباشر بين الاتحاد الأوروبى وإسرائيل لتسهيل دخول المساعدات؟
- نعم، يواصل الاتحاد الأوروبى حواره مع السلطات الإسرائيلية بهدف تحسين وصول المساعدات الإنسانية، وعبّر عن قلقه الشديد إزاء معايير تسجيل المنظمات الدولية غير الحكومية، والتى قد تؤدى إلى تعطيل أو وقف عمليات إنسانية حيوية، وطالب السماح بدخول موظفى المديرية العامة للمساعدات الإنسانية (DG ECHO)؛ وكبار المسئولين إلى غزة لتقييم الوضع ميدانيًا.
هل المساعدات البحرية والجوية جزءٌ من الخطة الإنسانية للاتحاد الأوروبى؟
- حرصًا على ضمان وصول المساعدات إلى مَن هم فى أمَسّ الحاجة إليها، قام الاتحاد الأوروبى بتعبئة جميع القنوات المتاحة، بما فى ذلك قدرة الاستجابة الإنسانية الأوروبية والجسر الجوى للمساعدات الإنسانية.
ومن خلال تلك الجهود نظّم الاتحاد أكثر من 78 رحلة جوية، واستخدم النقل البرى والبحرى لتسليم أكثر من 5,190 طنًا من الإمدادات الأساسية، بما فى ذلك المستلزمات الطبية، والمأوى، ومستلزمات المياه والصرف الصحى والنظافة (WASH)، والمواد التعليمية، والأدوية.
ما مستوى المخاطر التى تواجهها الفرق الإنسانية داخل غزة؟
- لا توجد أى منطقة آمنة داخل قطاع غزة، وهو ما يفرض قيودًا كبيرة على العمليات التى تدعمها المفوضية الأوروبية؛ لا يزال النزاع غير قابل للتنبؤ، كما أن وصول الشركاء الإنسانيين غير مستقر، حتى خلال فترات وقف إطلاق النار.
ويُعدّ الرصد المستقل بالغ الصعوبة، بل مستحيلًا فى بعض الأحيان، حتى بالنسبة للمنظمات التى لديها موظفون على الأرض، وقد كان الثمَن الذى دفعه العاملون فى المجال الإنسانى فادحًا؛ فمنذ 7 أكتوبر، قُتل أكثر من 575 عاملًا إنسانيًا، من بينهم أكثر من 350 موظفًا تابعًا للأمم المتحدة.
هل لديكم تقديرات حول عدد المرافق الصحية أو المستودعات التى دمّرت؟
- تحسّنت جزئيًا قدرة الخدمات الصحية فى قطاع غزة منذ وقف إطلاق النار؛ حيث تعمل حاليًا 18 مستشفى بشكل جزئى؛ كما استأنفت أربعة مستشفيات وعدد من المرافق الصحية الأخرى عملها منذ بدء وقف إطلاق النار.
ومع ذلك؛ لا تتجاوز نسبة المرافق الصحية العاملة، بما فى ذلك المستشفيات، والمستشفيات الميدانية، والنقاط الطبية، ومراكز الرعاية الصحية الأولية، 36 ٪ من إجمالى المرافق (213 من أصل 589)؛ وما يزيد على 60 ٪ من المرافق الصحية لا تزال خارج الخدمة؛ كما أن ما لا يقل عن 94 ٪ من مستشفيات قطاع غزة قد تضررت أو دمّرت.
أمّا فيما يخص المستودعات، فلدينا معلومات جزئية من شركائنا، لكننا لا نملك صورة شاملة حتى الآن؛ وأفادت منظمات مثل منظمة الصحة العالمية وHI (أطلس لوجستيك) بتعرض مستودعاتها لأضرار جسيمة.
كيف تضمنون التوزيع العادل للمساعدات؟
- رغم البيئة شديدة الخطورة والتعقيد، يعمل الشركاء الإنسانيون على ضمان أن يكون توزيع المساعدات عادلًا وقائمًا على الاحتياجات قدر الإمكان؛ ويتم ذلك من خلال التنسيق عبر نظام العناقيد الإنسانية لتجنب التداخل وضمان التغطية المتوازنة، إضافة إلى الاعتماد على تقييمات ميدانية تتابع تحركات السكان واحتياجاتهم، باستخدام معلومات موثوقة لتوجيه عمليات التوزيع.
ما خطة المفوضية الأوروبية للمرحلة التالية للحرب؟
يعمل الاتحاد الأوروبى عن كثب مع شركائه، وهم مستعدون لتوسيع نطاق إيصال المساعدات، غير أن ذلك يتطلب ضمانات واضحة تتعلق بالوصول والأمن؛ ولم يقتصر دعم الاتحاد على التمويل فحسب؛ بل شمل أيضًا توفير القدرات اللوجستية، مثل التخزين ودعم التنسيق؛ لضمان الحفاظ على المخزونات عند المعابر.
وخصصت المفوضية الأوروبية 50 مليون يورو إضافية لدعم توسيع عمليات الشركاء الإنسانيين؛ ويبلغ إجمالى المساعدات الإنسانية الأوروبية المقدمة لغزة والضفة الغربية 220 مليون يورو فى عام 2025، وأكثر من 550 مليون يورو منذ عام 2023، ويظل الاتحاد الأوروبى على استعداد لتقديم دعم إضافى لتمكين الشركاء من إيصال المساعدات إلى غزة بالحجم المطلوب.
هل لدى المفوضية برنامج لدعم إعادة إعمار المستشفيات والمدارس؟
- تركز الأولوية الفورية للاتحاد الأوروبى على تلبية الاحتياجات العاجلة للفئات الأكثر ضعفًا، وفى الوقت ذاته يستعد الاتحاد للقيام بدوره فى تنفيذ خطة السلام لغزة، والمساهمة فى استقرار القطاع، والحكم الانتقالى، والتعافى، وإعادة الإعمار، بما فى ذلك من خلال المشاركة فى مركز التنسيق «المدنى- العسكرى».
ويعمل الاتحاد الأوروبى على تعزيز وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، ويؤكد أن السلطة الفلسطينية بعد إصلاحها ستضطلع بدور محورى فى إعادة إحياء غزة.
ومن خلال مجموعة مانحى فلسطين، سيتعاون الاتحاد الأوروبى مع الدول الأعضاء والشركاء الدوليين، بما فى ذلك دول الخليج؛ لتعزيز الدعم المالى للسلطة الفلسطينية، إضافة إلى حشد الدعم السياسى لإقامة حكم فلسطينى مستقبلى قابل للحياة ودعم تنفيذ الإصلاحات.
مع الاستفادة من اجتماع مجموعة مانحى فلسطين الذى عُقد فى بروكسل فى 20 نوفمبر الماضى 2025 لمناقشة عناصر التعافى وإعادة الإعمار وتنسيق الجهود الدولية.
وما هى الرسالة التى توجهينها إلى المجتمع الدولى بشأن ضرورة حماية العاملين فى المجال الإنسانى والمدنيين فى غزة؟
يجب أن تتدفق المساعدات بحرية، لا أن تتعثر عند الحواجز والإجراءات البيروقراطية.
ويواصل الاتحاد الأوروبى الضغط من أجل وصول إنسانى آمن وسريع ودون عوائق لإيصال المساعدات، يجب حماية المدنيين، واحترام القانون الدولى الإنسانى فى جميع الأوقات.
الاتحاد الأوروبى والشركاء معه مستعدون لتوسيع نطاق إيصال المساعدات، لكن ذلك يتطلب ضمانات حقيقية تتعلق بالأمن والوصول، الغذاء والمأوى والوقود يجب أن تصل إلى المحتاجين الآن.







