العميد على خطى الجنرال
هل يفك حسام حسن «شفرة» النجمة الثامنة؟
محمد عادل حسنى
فى الذاكرة الكروية المصرية هناك أسماء تتحول مع الوقت إلى أساطير، لا بسبب البطولات فقط، ولكن للأثر الذى يتركونه فى وجدان الجماهير، ومن بين تلك الأسماء يظل الجنرال محمود الجوهرى حاضرًا، بوصفه الأستاذ الذى علم جيلًا كاملًا معنى الانضباط والهوية، ثم يأتى العميد حسام حسن، بوصفه التلميذ الأبرز الذى تشكل وعيه الكروى داخل مدرسة الجوهرى.
فصار السؤال منطقيًا ومطروحًا بقوة: هل يسير العميد اليوم على خطى الجنرال، وهل يستطيع أن يعيد كتابة مشهد المجد فى كأس الأمم الإفريقية، وكأس العالم بنفس الروح، وإن اختلف الزمان؟
محمود الجوهرى لم يكن مدربًا تقليديًا، بل صاحب مشروع ورؤية، كان يؤمن أن الكرة ليست مجرد مهارة عابرة، بل منظومة متكاملة تبدأ من العقل قبل القدم، ومن الالتزام قبل الإبداع، ولذلك اعتمد على مدرسة صارمة واضحة الملامح قوامها التنظيم الدفاعى واللعب الجماعى، والانتقال السريع، والقتال حتى آخر ثانية.
تلك الفلسفة لم تكن رفاهية، بل اختيار واع يناسب إمكانيات اللاعب المصرى، ويحولها إلى قوة حقيقية داخل الملعب.
طريقة لعب الجوهرى اعتمدت على التوازن الدقيق بين الدفاع والهجوم، كان يعرف متى يغلق المساحات ومتى يضرب بقوة، كان يرفض العشوائية ويراهن دائمًا على الانضباط التكتيكى، ولذلك لم يكن غريبًا أن تظهر فرق الجوهرى متماسكة، صعبة الكسر حتى أمام الكبار، كان يزرع فى لاعبيه إحساس الجندية، وأن كل لاعب جزء من كيان أكبر هو المنتخب، وهى الفكرة التى صنعت الفارق فى البطولات الكبرى.
إنجازات الجوهرى مع منتخب مصر جاءت ترجمة مباشرة لتلك المدرسة، فقد قاد المنتخب للفوز بكأس الأمم الإفريقية عام 1998، فى واحدة من أكثر البطولات صعوبة، وحقق الحلم التاريخى بالتأهل إلى كاس العالم 1990، ليعيد مصر إلى الخريطة العالمية بعد غياب طويل، تلك النجاحات لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة تخطيط طويل، وثقة متبادلة بين المدرب ولاعبيه وإيمان عميق بالفكرة.
وسط هذا المشروع كان حسام حسن لاعبًا استثنائيًا، ليس فقط لموهبته التهديفية، ولكن بشخصيته القيادية وروحه القتالية، حسام كان التجسيد الحى لفلسفة الجوهرى داخل الملعب، لاعب لا يعرف الاستسلام، ولا يقبل أنصاف الحلول، تعلم من أستاذه أن الكرة معركة شرف قبل أن تكون مباراة، وأن القميص الوطنى مسئولية لا تقبل التهاون، وهنا تشكلت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، علاقة فكر قبل أن تكون علاقة موقع داخل التشكيل.
حسام حسن فى سنوات لعبه مع الجوهرى لم يكن مجرد منفذ للتعليمات، بل كان شريكًا فى الروح، يقاتل من أجل الفكرة، ويقود زملاءه بالصوت والحركة والإصرار.
تلك التجربة صنعت داخله وعيًا تكتيكيًا مبكرًا، وجعلته يفهم كيف يفكر المدرب الكبير، وكيف تدار المباريات الكبرى، وكيف يتم التعامل مع الضغوط والجماهير والإعلام.
عندما انتقل الجوهرى لتجربته التاريخية فى الأردن ونجح فى وضع أسس الكرة الحديثة هناك، أصبح اسمه مرجعًا وملهمًا للمنظومة الأردنية، وعندما رحل الجنرال لم يبحث الأردن عن اسم بعيد عن مدرسته، بل اتجه إلى التلميذ النجيب حسام حسن، إيمانا بأن من تربى داخل مدرسة الجوهرى قادر على استكمال الطريق.
تجربة حسام حسن فى الأردن جاءت محملة بهذا المعنى، فهو لم يذهب كمدرب عابر، بل امتداد لمدرسة تركت أثرًا عميقًا، وهنا يتجلى بوضوح كيف ينتقل الفكر من الأستاذ إلى التلميذ، وكيف تتحول المدرسة إلى ميراث كروى لا يرتبط بشخص واحد، بل بعقيدة كاملة.
اليوم، يعود المشهد من جديد مع منتخب مصر، حيث يقف حسام حسن فى موقع المسئولية الكبرى، وتلقائيًا تستدعى الجماهير صورة الجوهرى فى لحظات التحدى، المقارنة حاضرة لأن التشابه فى الشخصية القوية والرهان على الروح والانضباط والإصرار على فرض الهيبة موجود.. حسام مثل أستاذه لا يحب أنصاف الحلول، ولا يجامل على حساب الفكرة، ويؤمن أن المنتخب يجب أن يلعب بروح المقاتل.
لكن، هل يستطيع حسام أن يحقق ما حققه الجوهري؟ الإجابة ترتبط بقدرته على استلهام الدروس لا استنساخها، الجوهرى نجح لأنه فهم زمنه، وحسام مطالب بأن يفهم زمنه أيضًا، الكرة الافريقية اليوم أسرع وأقوى، والمنافسة أعقد، لكن جوهر اللعبة لم يتغير، ما زال الانضباط والروح والهوية عناصر حاسمة، وهنا تظهر قيمة المدرسة التى تربى فيها العميد.
حسام يمتلك ميزة مهمة، وهى أنه عاش التجربة لاعبًا تحت ضغط البطولات الكبرى، ويعرف ماذا يعنى اللعب من أجل مصر فى أسوأ الظروف، وهذا ما يجعله قريبًا من لاعبيه، وقادرًا على مخاطبة عقولهم وقلوبهم، تمامًا كما كان يفعل الجوهرى، الأستاذ الذى كان يعرف متى يكون صارمًا، ومتى يكون أبًا، ومتى يكون قائدًا عسكريًا.
الجماهير المصرية لا تطلب المستحيل، بل أن ترى منتخبها يقاتل ويؤمن بنفسه كما فعل منتخب الجوهرى فى التسعينيات، وحسام حسن يحمل الآن هذا الإرث الثقيل، لكنه يحمل معه أيضًا الحلم بأن يكون التلميذ الذى لا يكتفى بالسير خلف الأستاذ، بل يحاول أن يضيف سطرًا جديدًا فى نفس الكتاب.
قد لا تتكرر الظروف، ولا تتطابق الأسماء، لكن الروح يمكن أن تعود إذا صدق الإيمان وعاد الالتزام، التاريخ يعلمنا أن الكرة لا تنسى من يخدمها بصدق، وربما يكون العميد حسام حسن هو الامتداد الطبيعى لمدرسة الجنرال محمود الجوهرى، مدرسة علمتنا أن البطولات لا تصنع بالضجيج، بل بالعمل، وأن الأستاذ الحقيقى يظل حاضرًا فى عقول تلاميذه، وأن الحلم حين ينتقل من جيل إلى جيل، يظل قادرًا على الحياة ومنح الجماهير لحظة فرح تشبه الوطن.







