الخميس 19 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
مأزق نزع سلاح «حزب االله» و «حماس»

اختبار مصيرى للبنان والسلطة الفلسطينية

مأزق نزع سلاح «حزب االله» و «حماس»

فى خضم التغيرات المتسارعة على رقعة الشرق الأوسط، يبرز ملف نزع سلاح القوى المسلحة غير الحكومية كتحدٍ مركب يختبر الدولة والمجتمع على حد سواء. فطرح تجريد «حزب االله» فى لبنان أو «حماس» فى غزة من أدوات النزاع المسلح ليس إجراءً عسكريًا فحسب، بل اختبار لطبيعة الدولة وقدرتها على فرض سلطة القانون، وآلية التعامل مع مسارات المواجهة والمسار السياسى معًا. يتجاوز هذا الملف كونه أزمة أمنية، ليصبح انعكاسًا لقدرة المؤسسات على التعامل مع السيناريو الأسوأ، وسط احتمالات تفجير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وربما لحظة حرجة لانفجار حرب أهلية.



  لا يمكن تجاهل تداخل النفوذ الإقليمى والدولى فى هذه الأزمة، حيث يأتى دور مصر كوسيط إقليمى مفصلى لربط لبنان وغزة بمسار استقرار شامل، أو على الأقل تقليص مخاطر الانفجار.

وضع فريد

يتمتع «حزب الله» بوضع فريد فى لبنان؛ فهو حركة سياسية فاعلة وذراع مسلحة تمتد فى البنى الأمنية للبلاد. أظهرت دراسة لمركز تشاتام هاوس أنه منذ عام 2008، جرى ترسيخ صيغة «الجيش – الشعب – المقاومة»، ما مكن الحزب من شرعية الاحتفاظ بالسلاح تحت عنوان الدفاع عن الوطن، بينما لا تخضع قواته للمساءلة نفسها التى تخضع لها المؤسسات الرسمية.

يستهدف مطلب نزع سلاحه إعادة بناء مفهوم الدولة كصاحبة الحق الوحيد فى استخدام القوة، وهو ما يستجلب صراعات داخلية: كيف تتعامل الدولة مع من يعد نفسه «حارسًا» للحدود الجنوبية، أو جزءًا من منظومة المقاومة؟ وكيف تعوض الوظيفة التى يقدمها الحزب فى المناطق التى غابت عنها الدولة؟

حق المساءلة

 يعيش لبنان لحظة «حق المساءلة» أو «الانزلاق الأعمق».وقد أعلنت الحكومة اللبنانية فى أغسطس 2025 قرارًا نادرًا بنزع سلاح كل الميليشيات، بما فيها «حزب الله»، لكن التنفيذ معلق بين إرادة سياسية تخشى الصدام، وتخوف من انفجار داخلي، ونفوذ إقليمى لصالح الحزب.

يشدد مركز بروكينجز إنستيتيوشن على أن «حزب الله» اليوم ليس كما فى 2006: توسع نفوذه الخارجي، لكنه يعانى داخليًا من تراجع شرعيته وتجاذبات متعددة. أزمة نزع السلاح ليست فنية أو تقنية، بل تدخل الدولة اللبنانية مفترق «إما سلطة كاملة أو استمرار نظام موازٍ». فشلها يعنى تفكيكًا أعمق لدولة اللا سلطة.

واقع مختلف 

من ناحية أخرى، تواجه غزة ملف نزع سلاح «حماس» بامتياز. أى تجريد سريع لميليشيا تعمل داخل قطاع محاصر، وينظر إليها جزء كبير من السكان كـ«ضمانة أمن داخلي»، يستدعى مراعاة البعد السياسى والإنسانى. يرى تقرير لمركز كرايسيس غروب أن التفكيك الكامل لا يتم بمعزل عن بدائل سياسية وأمنية واقتصادية.

يشير معهد راند كوربوريشن إلى أن إعلان «تجميد» السلاح من «حماس» لا يعد نزعًا فعليًا، بل احتفاظ بالبنية تحت عنوان «الدفاع». فى غزة، لا تتعلق المسألة بكمية الأسلحة فحسب، بل بالوظيفة التى تؤديها، وموقعها فى البنية الحاكمة، والعلاقة مع السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والمجتمع المدني، والأبعاد الإنسانية.

مشهد استراتيجى

يربط الملف اللبنانى بالغزى تداخل فى الأسباب والدوافع والنطاقات الإقليمية. استمرار سلاح «حزب الله» على الحدود الشمالية لإسرائيل يُعد العمود الفقرى للتواجد الإيراني، لكنه عبء على الدولة اللبنانية ومنطقها الأمنى. كذلك قوة «حماس» المسلحة فى غزة تعنى أن الاستقرار ليس مقصورًا على القطاع، بل له انعكاسات على دول الجوار، خاصة مصر والحدود الشرقية لإسرائيل.

تدرك مصر أن استقرار لبنان وغزة محوران أساسيان فى مشهد أمنى واستراتيجى أوسع. عجز الدولة اللبنانية عن السيطرة، أو فشل غزة فى تحويل القوة المسلحة إلى أدوات ضمن مؤسسات الدولة، يؤدى إلى «دول فاشلة» أو «مذهبية مسلحة» تعيد إنتاج الهشاشة.

دبلوماسية مصرية

تدخل مصر فى هذين الملفين يأتى بحكم الجغرافيا والسياسة والتاريخ. لعبت مصر دور الوسيط بين إسرائيل و«حماس»، وتتعامل بدبلوماسية قوية مع الطرفين بجانب علاقتها التاريخية مع السلطة الفلسطينية.

فى الملف اللبناني، برزت مصر كلاعب مهم فى الوساطة العربية والدولية، تربط الاستقرار اللبنانى بمصالحها الأمنية فى سيناء.

يبين تقرير لمركز ذا سوفان سنتر أن القاهرة ترى أى سلام فى غزة يحتاج مشاركة «حماس» تحت مظلة دولة فلسطينية موحدة ذات سيادة. لكن الخيارات تتقاطع مع إيران وواشنطن ودول خليجية، والقرار اللبنانى والفلسطينى. دور مصر يتأطر فى بناء «جسور تفاوضية» وتقديم مقترحات استراتيجية، لا فرض حلول.

 خريطة خروج

 حتى يكون نزع السلاح بداية استقرار لا نهاية الدولة، ثمة مقترحات أساسية:

1.إدماج المقاتلين السابقين: برنامج اقتصادى وسياسى لتسوية أوضاعهم، لتجنب الفراغ الأمنى.

2 . بناء مؤسسات أمنية واضحة: تحويل صيغة «الجيش – المواطن – المقاومة» إلى إطار قانونى ينص على مهام الدولة وحدها، كما يشير تحليل تشاتام هاوس.

3 .دعم دولى وإقليمى متزامن: مالى وسياسى لتقوية الدولة، وإلا يبقى نزع السلاح شعارًا، كما يؤكد أتلانتيك كاونسل.

4. البديل الأمني: فى غزة، نزع سلاح «حماس» يحتاج بديلًا أمنيًا وسياسيًا ومعاشيًا، كما يؤكد واشنطن إنستيتيوت.

رهان على الدولة

تمثل أزمة نزع سلاح «حزب الله» و«حماس» اختبارًا لدول الشرق الأوسط؛ ليس السلاح وحده القضية، بل رمز لسلطة الدولة، ومكانة الحركات المسلحة فى النظام السياسي، وعلاقات الفاعلين داخليًا وخارجيًا. لبنان أمام خيار: دولة كاملة السلطة، أو ضعيفة بهشاشتين. غزة أمام طريقين: إدماج القوة ضمن سلطة منتخبة وإعادة بناء، أو اشتباك السلاح مع الوظيفة السياسية والإنسانية. مصر وسيط بحدود دوره، مرهون بتوازن عربي - دولى وإرادة داخلية لبنانية فلسطينية. أى تباطؤ أو غياب خطة شاملة يعيد إنتاج التوتر محولًا الملف من فرصة استقرار إلى باب مفتوح على التفكك أو الانفجار.