
محمد جمال الدين
نزوات هذا الرجل
بعد فوز الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى الانتخابات الرئاسية بفارق حاسم، قرّر تطبيق شعار حملته الانتخابية (لنجعل من أمريكا عظيمة مجددًا)، وهو نفس الشعار الذى سبق أن استخدمه فى حملته الانتخابية الرئاسية عام 2016، وكذلك فى عام 2024، وتطبيقه على جميع دول العالم التى تتعامل معه، حتى ولو تم ذلك بالترغيب أو بالترهيب إذا لزم الأمر، وما قراراته أو تصرفاته عقب توليه منصب الرئاسة؛ سوى دليل على أن هذا الرجل تحكمه نزوات وهوس يتحكم فى سياسته الجديدة سواء فى علاقات واشنطن بحلفائها الأوروبيين، أو جارتيها كندا والمكسيك، فضلاً عن الضجة الكبيرة حول بنما وجرينلاند وغزة والعلاقات مع الصين، وما ينتج عنها من آثار حول المواقف الأمريكية على المنظمات الدولية؛ وبخاصة تلك التى تتضمن جوانب المساعدات الإنسانية بعد الإيقاف المندفع لوكالة المساعدات الأمريكية لمدة ثلاثة شهور للمراجعة، بخلاف وقف المساعدات لبعض الدول والانسحاب من المنظمات الدولية التى لا تنصاع لرغبة وسياسات أمريكا الجديدة، التى أجزم أنها غير مدروسة لاعتمادها على مبدأ فرض الأمر الواقع لتحقيق شعار أمريكا العظيمة، فمثلاً الرجل يتملكه هوس فرض الرسوم الجمركية، دون أن يفهم أو يعى أن فرض هذه الرسوم سيتحملها المستوردون، وأن جزءًا كبيرًا من التكلفة سيُنقل إلى المستهلكين، ثم يعود ويرفعها، ثم يُعاد فرضها على ما يبدو بمحض نزوة تنتابه بين الوقت والآخر، مما نتج عنه أن الشركات الأمريكية لا تستطيع التخطيط للمستقبل، وأن المستهلكين والمستثمرين يشعرون بالذعر؛ خصوصًا أن الدول التى فرض عليها هذه الرسوم، قامت هى الأخرى بفرض رسوم على المنتجات الأمريكية، وهذا ما أثر بدوره على المواطن العادى داخل بلده بالرغم من زيادة عدد المصوتين من اللاتينيين والسود للرئيس ترامب فى انتخابات نوفمبر 2024؛ لأنه يعتقد أن الرجل الأبيض وليس اللاتينى أو الأسود هو مَن سيحمل لواء فكره وسياسته وينقلها للأجيال القادمة، لذلك كان قراره بطرد إبراهيم رسول سفير جنوب إفريقيا لدى واشنطن وسط اتهامات بأنه (سياسى عنصرى) يكره ترامب؛ لمجرد أن السفير أدلى بتصريحات ينتقد فيها سياسات أمريكا الخارجية، متهمًا فيها إدارته باتباع سياسات تقوم على «تفوُّق العِرق الأبيض» وعدم احترام المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وقرارات مجموعة العشرين.
لم يكتفِ تاجر العقارات بسياسة الترهيب والوعيد وقطع المساعدات والانسحاب من المنظمات الدولية؛ بل أضاف إليها نزوة أخرى من نزواته، تختص بالاستيلاء على أراضى الغير، عندما أدلى بتصريحات استفزازية يعلن من خلالها رغبته بضرورة ضم كندا إلى دولته.. مشيرًا إلى أن ذلك (سيعزّز الأمن القومى والاقتصاد الأمريكى) ثم يعود ويعلن أيضًا عدم استبعاده أى خيارات، بما فيها التحركات العسكرية، لضم كل من قناة بنما وجزيرة جرينلاند؛ متجاوزًا كل الحدود من رجل يتولى رئاسة دولة كبرى.. وهنا يتحول الأمر برمته إلى بلطجة سياسية اعتمادًا على مبدأ القوة، التى تمحو فى طريقها الصورة التى تروج لها الولايات المتحدة باعتبارها رمزًا للديمقراطية وشرطيًا للعالم الحر، وهذا تحديدًا ما أكده الرئيس البرازيلى (لولا دا سيلفا) فى مقابلة له مع محطتىّ راديو ميتروبولى وسوسيداد، وكلتاهما فى ولاية باهيا البرازيلية، أن ترامب يرتكب (تصرفات شاذة).. مضيفًا: (أنا أحترم الرئيس ترامب الذى انتخبه الشعب الأمريكى لحكم الولايات المتحدة وليس لحكم العالم)، حتى جاءت نزوته الكبرى عندما صرّح بتصريحات غير واقعية بضرورة تهجير الفلسطينيين من غزة ونقلهم إلى مصر والأردن، تحت حجج أن بلاده قدمت الكثير للبلدين، وهو التصريح الذى قوبل بالرفض التام عربيًا ودوليًا؛ لأنه يعنى نهاية القضية الفلسطينية؛ بل والقضاء نهائيًا على المَطالب المشروعة لحق الشعب الفلسطينى فى أرضه.
أختم المقال بالرفض المصرى الثابت والواضح الذى يعنينى لمقترح التهجير الأمريكى رغم تقديم الوعود بزيادة المساعدات وإلغاء الديون؛ لكونه لا يمكن بأى حال من الأحوال مجرد مناقشته؛ لأنه فى الأصل رفض تام من الشعب المصرى بأكمله، الذى يرفض المساهمة فى إنهاء القضية الفلسطينية، ولذا فإن التلويح بالمساعدات وحل مشاكل الديون لم ولن يثنيه عمّا يؤمن به، رغم جميع الضغوط والحيل التى تتم ممارستها علينا؛ لكوننا نمتلك حكومة وشعبًا إرادة حرة، لا تتأثر بأى ضغوط أو نزوات، وهذا هو قدرنا لسببين: أولاً طبقًا لعقيدتنا العربية، وثانيًا لصالح أمن بلدنا القومى، وهو الأمر الذى نتمنى أن تتفهمه إدارة ترامب ومَن يدور فى فلكها.