الثلاثاء 1 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

حينما وجدت «أوروبا» نفسها عالقة بحلقة التبعية الأمريكية .. حرب «أوكرانيا» التى كشفت تراجع «الاتحاد الأوروبى»

أسبوع قاس مر على «الاتحاد الأوروبي» حيث بلغ التوتر ذروته داخل الكتلة، التى اعتبرت على مدار تاريخ طويل المثل الأعلى لفكرة الاتحاد.. ففى خضم التحركات المكوكية التى تخطوها الإدارة الأمريكية الحالية، لوضع حد للحرب الروسية الأوكرانية المتواصلة منذ أكثر من 3 سنوات متتالية، وجدت «أوروبا» نفسها كيانًا ثانويًا ذا سيطرة محدودة على زمام الأمور، إن لم تكن لاعبًا خارج اللعبة فى بعض الأحيان، وهو ما كان بمثابة صفعة قوية أيقظت دوله على واقع جديد مختلف تمامًا.



 

فالاتحاد الأوروبى الذى لطالما وصف بأنه مهد الحضارة الغربية، وأساس عصر التنوير، والثورة الصناعية، التى لعبت دورًا محوريًا فى الشئون العالمية، فوجئ بأنه يواجه لحظةً فارقةً فى تاريخه، مع بروز عالم متعدد الأقطاب على الساحة الدولية، صار الاتحاد فيها متراجعًا نسبيًا.

بصورة مبسطة.. فى الوقت الذى اعتبرت العملية العسكرية الروسية فى «أوكرانيا» نقطة تحول فارقة على المسرح العالمى، فإن المفاوضات الجارية لحل الأزمة الروسية الأوكرانية برعاية الإدارة الأمريكية الحالية، تعد صفحة جديدة فى العلاقات الدولية، ستسفر –لا محالة- عن تغير دراماتيكى فى أدوار اللاعبين الدوليين.

كيف تلقت دول الاتحاد الصدمة؟

منذ اللحظات الأولى التى اُعلن فيها عن إجراء مفاوضات أمريكية روسية بشأن الحرب فى «أوكرانيا»، وما تلى ذلك من أحداث جللة فيما يخص الخلافات الأمريكية الأوكرانية، وإعلان الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» عن قرارات منفصلة بعيدة عن الحليف التقليدى «الاتحاد الأوروبي» على المستوى الأمنى، والسياسى، والعسكرى، انتفضت دول الكتلة ليس من أجل دعم «كييف» فحسب، بل لأنهم وجدوا أن مصالحهم صارت على المحك، وهو ما تجلى فى سلسلة الاجتماعات، التى عقدت فى 2 مارس الجارى فى «بريطانيا»، و3 مارس فى «برلين»، و5 مارس فى «باريس»، و6 مارس فى «بروكسل».

وبعيدًا عن أهداف تلك الاجتماعات ونتائجها، إلا أنها كشفت عن العديد من القضايا الخلافية المعروفة وغير المعروفة، وعلى رأسها الانقسام الواضح فى الآراء وعدم وجود رؤية موحدة؛ والخوف والقلق الواضحين بشأن مستقبل الكتلة وأمنها.

مخاوف أوروبية واضحة

بشكل أوضح كان الخوف الرئيسى لدى القادة الأوروبيين، هو انعدام الأهمية الجيوسياسية، بعد تفاوض «الولايات المتحدة»، و«روسيا» دون مساهمة أوروبية، ما يدل على أن «أوروبا» ليست سوى طرف ثانوى فى الشئون العالمية، وهو إدراك مؤلم -بشكل خاص- لدول مثل: «فرنسا، وألمانيا»، اللتين لطالما اعتبرتا نفسيهما طرفين محوريين فى الدبلوماسية الدولية.

وكان من بين المخاوف المهمة الأخرى زعزعة استقرار الأمن الأوروبى، خاصة إذا قلصت «الولايات المتحدة» وجودها العسكرى فى «أوروبا» بشكل كبير، وهو ما سينعكس على قوة ومصداقية حلف شمال الأطلسى (ناتو)، مما سيجبر الدول الأوروبية على إعادة تقييم آليات دفاعها الجماعى.

وإلى جانب المخاوف الأمنية المباشرة، تخشى «أوروبا» –أيضًا- التهميش الاقتصادى والسياسى. فالتحول نحو نظام عالمى متعدد الأقطاب، حيث تلعب قوى مثل «الصين، وروسيا» دورًا أكثر هيمنة، يُشكل تحديًا لنفوذ «أوروبا» التقليدى.

تراجع أوروبى ملحوظ

إن تصريح مسئولين أمريكيين، بمن فيهم وزير الدفاع «بيتر هيجسيث»، ومبعوث الرئيس الأمريكى الخاص إلى «أوكرانيا، وروسيا»، «كيث كيلوج» –صراحةً- بأن «أوروبا» لن تشارك فى المفاوضات، كان بمثابة اعتراف رسمى بتراجع دور «الاتحاد الأوروبي»؛ وذلك لأن «أوروبا» لا تملك استراتيجية مستقلة تجاه «أوكرانيا»؛ كما أن رفضهم الانخراط دبلوماسيًا مع روسيا خلال الصراع، يجد القادة الأوروبيون أنفسهم الآن مهمّشين فى مناقشات ستحدد مستقبل «أوكرانيا» وأمن «أوروبا».

كما تُضعف الانقسامات الداخلية للاتحاد الأوروبى موقفه أكثر فأكثر.. ففى الوقت الذى تدعم دول مثل «فرنسا، وألمانيا»، «أوكرانيا»، غالبًا ما تُبدى دول أوروبا الشرقية، مثل «بولندا» و(دول البلطيق) أولويات استراتيجية مختلفة، ويقوض هذا التشرذم مصداقية «أوروبا» كقوةٍ تفاوضية موحدة.

ولكن، السؤال الأهم: كيف وصل «الاتحاد الأوروبي» لهذه المرحلة المتراجعة؟

إن تراجع الدبلوماسية الأوروبية ليس وليد اللحظة –بالطبع- لكن الحرب الروسية الأوكرانية كانت دليلًا آخر يكشف الأزمات الداخلية التى أدت لهذا التراجع، ومن بينها: سنوات من التبعية للسياسات الأمريكية.

فمنذ بداية الصراع الأوكرانى، اتبع القادة الأوروبيون إلى حد كبير نهج «واشنطن» فى عهد الرئيس الأمريكى السابق «جو بايدن» القائم على العزلة والعقوبات؛ رافضين أى تواصل مع «روسيا»، باستثناء رئيس الوزراء المجرى «فيكتور أوربان»، الذى حافظ على قنوات دبلوماسية مع الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين».

وأدى هذا النهج الأوروبى إلى الافتقار لرؤية استراتيجية مستقلة، ما أسفر عن نتائج عكسية فى الوقت الحالى مع تغير الإدارة الأمريكية، تاركًا «أوروبا» بلا أى نفوذ فى المفاوضات الجارية.

علاوة على ذلك، حدّ اعتماد «أوروبا» على القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية بشدة من قدرتها على التصرف باستقلالية.

باختصار.. يمكن القول إنه على مدار التاريخ، لعبت «أوروبا» دورًا قياديًا فى الشئون العالمية، إلا أن اعتمادها على سياسات «الولايات المتحدة»، يبدو أنه أضعف استقلاليتها الاستراتيجية. وعليه، اعتُبرت الأزمة الحالية بمثابة جرس إنذار لصانعى السياسات الأوروبيين، لإعادة النظر فى استراتيجيتهم طويلة المدى، والاستعداد لعالم قد لا تكون فيه «الولايات المتحدة» الضامن النهائى للأمن.

تفاقم الأزمة السياسية الداخلية الأوروبية

وفقًا لتقرير صادر عن المجلس الأوروبى للعلاقات الخارجية (ECFR)، لا يزال الاستقلال الاستراتيجى الأوروبى طموحًا إلى حد كبير نظرًا للانقسامات الداخلية، وضعف الإنفاق والقدرات الدفاعية؛ مؤكدًا أنه بدون تغييرات جوهرية فى السياسات، فإن «أوروبا» تخاطر بأن تصبح غير ذات أهمية جيوسياسية فى النظام متعدد الأقطاب.

أما «المملكة المتحدة» التى خرجت من «الاتحاد الأوروبي»، فتواجه موقفًا صعبًا بشكل خاص، حيث تعتقد الغالبية العظمى من سكانها أن خروج «بريطانيا» من «الاتحاد»، كان فشلًا أكثر منه نجاحًا؛ إضافة إلى ذلك، حصل رئيس الوزراء الحالى «ستارمر» على تقييم منخفض للغاية، كما يتعرض لانتقادات من جميع الجهات.

إن تلك الأزمات المتشابكة والمحاصرية بين الانقسام بين دول الكتلة والانقسامات الداخلية فى دولها، فضلًا عن تبعيتها للولايات المتحدة التى بدأت تنتهج -فى عهد «ترامب»- سياسات مختلفة، أدت إلى تآكل مصداقيته كقوة عالمية، تحت قيادة مسئولين عاجزين عن التغلب على نقاط الضعف تلك، وهو ما يفسر غياب «الاتحاد الأوروبي» عن المفاوضات الجارية بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، ما يثير تساؤلات عميقة حول موقفها الجيوسياسى المستقبلى.

فى النهاية يمكن القول، إن العالم يتحرك بوضوح أكبر نحو التعددية القطبية فى هذه المرحلة مقارنة بأى وقت مضى، وهو ما يدركه القادة السياسيون، وصناع القرار الأوروبيون. كما يرى «الاتحاد الأوروبي» نفوذه يتضاءل، بل غير موجود فى سياق التنافس بين القوى العظمى.

وبالتالى، تشكل مفاوضات حل الحرب الروسية الأوكرانية لحظة محورية لمستقبل «الاتحاد الأوروبي»، وفى هذه اللحظة، فإن دول «الاتحاد» على يقين بقيمة البقاء على صلة بالواقع فى هذه الأوقات المتغيرة بسرعة؛ مدركين أنه إذا فشلت القارة فى إظهار قدرتها على الارتقاء إلى مستوى الحدث، ودفع نفسها إلى المفاوضات بشأن إنهاء الصراع فى «أوكرانيا» والمناطق المحيطة بها، التى تعد أمنًا قوميًا مباشرة للكتلة، فإن أهميتها كواحدة من مراكز القوة العالمية سوف تتلقى ضربة كبرى.