
محمد جمال الدين
مرحب شهر الصوم والانتصارات
إذا كنت تعتقد أن شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن، يعنى فقط بانتصار الإنسان على النفس وغيها ورغباتها والكف عن الشهوات، للتقرب إلى الله عز وجل، أذكرك عزيزى القارئ أن نفس هذا الشهر الكريم يعد أيضا شهر الانتصارات التى خاضتها أمتنا الإسلامية على مدار تاريخها الذى يشهد انتصار المسلمين فى غزوة بدر فى السنة الثانية من الهجرة، وهى الغزوة الحاسمة التى قررت مصير الأمة الإسلامية ومصير دعوتها، حيث كانت هذه المعركة بداية لانتصارات المسلمين بعد كفاح طويل واجهوا فيه الظلم والعدوان، بتحملهم الشدائد والمكروه، فى سبيل البقاء على الحق المبين فى مكة المكرمة، بعد أن أمروا من قبل نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام بالقتال، شريطة كف الأيدى واحتمال المكروه، حتى كتب لهم النصر المبين، وهى أيضا نفس الغزوة التى حسمت فتوحات وانتصارات العرب بعد ذلك. ومهدت الطريق لفتح مكة بقيادة النبى صلى الله عليه وسلم، بعد أن غدرت قريش ونكثت العهد الذى أبرمته معه فى صلح الحديبية، ثم توالت انتصارات العرب تباعا، بداية من معركة القادسية التى انتصر فيها المسلمون بقيادة سعد بن أبى وقاص على الفرس، وفتح بلاد الأندلس بقيادة طارق ابن زياد، ومعركة عين جالوت التى انتصر فيها سلطان مصر سيف الدين قطز على المغول، ومعركة حطين التى حقق فيها صلاح الدين الأيوبى نصرا ساحقا على الصليبيين، جميع هذه المعارك والغزوات تحققت فى شهر رمضان، حتى جاء نصر أكتوبر العظيم فى العاشر من رمضان عام 1973، الذى حققه الجيش المصرى على العدو الإسرائيلى، واستعادة أرض سيناء الطاهرة، رغم المعوقات التى كان يرددها البعض، وتروج له الدول الكبرى، من استحالة تحقيق هذا النصر، إلا أن جنودنا البواسل استطاعوا قهر هذا المستحيل، وهى بالمناسبة الحرب التى تعد نقطة تحول فى مسار الصراع العربى الإسرائيلى وكان من أبرز سماتها هو ظهور كفاءة المقاتل العربى، ومدى ارتفاع مستوى نوعيته وقدرته على استيعاب واستخدام الأسلحة الحديثة والمعقدة بما فيها الأسلحة الإليكترونية، لكونها أعلى وأكبر انتصار عربى فى العصر الحديث، رغم الفارق الكبير فى التسليح الذى كان يرجح قوات العدو، ولكن الصلابة والإرادة، والإيمان بالله سبحانه وتعالى بث روح الحماسة فى قلوب جنودنا، وزرع بداخلهم روح القتال، وعلى الرغم من صيامهم فى طقس شديد الحرارة، إلا أن الله أعطاهم الدفعة المعنوية، ما جعل لديهم القدرة على القتال والإرادة والإصرار لتحقيق أهدافهم واسترداد أرضنا، تحت كلمة ( الله أكبر) الذى بترديده تم تحطيم خط بارليف الذى كان يعد أكبر خط دفاعى عرفه التاريخ، والذى قال فى شأنه جميع الخبراء العسكريين فى العالم، بأنه من المستحيل تحطيمه أو حتى تخطيه، أو حتى يمكن الاقتراب منه.. ولكن بعناية الله وتوفيقه تمكن جنودنا من تحطيمه على الرغم من كونهم صائمين ورفضوا أن يفطروا فى هذا اليوم، تلك هى الإرادة والقوة والعزيمة التى أدت إلى الانتصار، وتعد رسالة للجيل الحالى بأن الصيام يشجع على العمل والمحاربة والقتال، مستشهدين بقول الله تعالى (ولينصرن الله من ينصره). (ولعل هذا الشهر الكريم يشهد أيضا انكسارا لخطة ترامب بتهجير الفلسطينيين من غزة وانتصارهم على هذا المخطط الشيطانى).
من أجل هذا وغيره كثير أقول لمن يأخذون من شهر رمضان رمزًا للكسل والتكاسل وعدم العمل، إنه لا يوجد أعظم من شهر رمضان للانتصار على الهوى والشهوات، ولدينا من انتصاراتنا فى معاركنا وغزواتنا السابقة نهاية بحرب أكتوبر لخير دليل، شهر مبارك نزلت فيه آيات القرآن الكريم، وارتفعت فيه رايات المسلمين عالية خفاقة، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، علينا أن نستفيد منه فى حياتنا، ملتزمين بما يدعو إليه ديننا الحنيف بالعلم والعمل. ولهذا لا يسعنى سوى أن أقول مرحب بشهر الصوم والانتصارات.