المهرجان يقام تحت رعاية المجلس القومى للمرأة ومحافظة البحيرة مؤسس المهرجان لـ«روزاليوسف»: «فاطمة اليوسف» شخصية النسخة الثانية للمهرجان

هاجر عثمان
على مدار 15 عامًا، كرّس الباحث والمؤرخ عبد الله الصاوى جهوده فى أرشفة وتوثيق تراث الكاريكاتير المصرى، ولد الحُلم من أروقة دار الكتب المصرية أثناء تحضيره لرسالة الماجستير، عندما اكتشف الكنز المنسى لتاريخ مصر المرسوم بخطوط بسيطة وساخرة وموجزة لفنانى الكاريكاتير على مدار أكثر من 100 عام.
مسئولية الباحث وشغفه تجاه هذا التراث، دفعته لإطلاق مؤسسة «الصاوى لحفظ تراث الكاريكاتير المصرى»، والتى انبثق عنها مهرجان «دمنهور الدولى لكاريكاتير المرأة» كأول مهرجان من نوعه فى الشرق الأوسط، ويحتفى المهرجان الذى يُقام فى مارس المقبل باختيار الكاتبة الصحفية: فاطمة اليوسف، لتكون شخصية المهرجان فى دورته الثانية، برئاسة المهندسة زكية رشاد مقررة المجلس القومى للمرأة بالبحيرة.
يقول «الصاوى»، المؤسس والمدير التنفيذى لمهرجان دمنهور فى حديثه لروزاليوسف:
«نحتفى بالسيدة الوطنية صاحبة التاريخ المهنى الرفيع سواء فى الصحافة أو المسرح والفن عمومًا، وذلك احتفالًا بمرور 100 عام على تأسيس مجلة روزاليوسف، والتى تُعد إحدى أهم وأشهر المجلات الكاريكاتيرية فى مصر والعالم العربى».
بداية.. حدثنا عن فكرة إقامتك مؤسسة ثقافية معنية بحفظ تراث الكاركاتير المصرى.. من أين انطلقت؟
- بداية أنا لست فنان كاركاتير، ولكن باحث متخصص فى تاريخ الكاركاتير المصرى، وبدأت علاقتى به أثناء تحضيرى لرسالة الماجستير عام 2010 فى كلية آداب دمنهور قسم التاريخ الحديث والمعاصر، وكان موضوعها «الكاريكاتير والحركة السياسية فى مصر خلال الفترة من (1922 - 1936)»، وعندما بدأت رحلة البحث والاطلاع على الدوريات العلمية فى دار الكتب المصرية بالقاهرة، اكتشفت هذا الكنز المدهش، وبالصدفة كانت مجلة روزاليوسف أول ما وقعت بين يدى، بتراثها الغنى فى الكاريكاتير ومدرستها الممتدة عبر 100 عام فى تاريخ فن الكاريكاتير، واندهشت بأعمال روادها من فنانى الكاريكاتير مثل صاروخان ورخا.
فى قاعة الاطلاع بدار الكتب، أدركت أن مشروعى أكبر من مجرد رسالة ماجستير، ولكن نحن أمام كنز ضخم يرصد تاريخ مصر الحديث لأكثر من 100 عام، ولكن للأسف كنز مهمل فى أرفف دار الكتب ولا يعرف أحد عنه شيئًا، خصوصًا بعد مواجهتى لصعوبات كباحث فى الاطلاع على الدوريات، التى كان يُعانى بعضها من التهالك والحِفظ لقدمها، بعضها «فرافيت» محفوظة فى كيس بلاستيك منزوع الهواء، وهنا قررت بدء مشروع المؤسسة لحفظ تراث الكاريكاتير المصرى المهدد بالاندثار، ولم تُقَم المؤسسة فى يوم وليلة، لكن بعد سنوات من العمل تجاوزت السنوات العشر، واجهت تحديات كثيرة، لكن فى الوقت نفسه دعم من شيوخ المهنة مثل الفنان القدير أحمد طوغان ابن مدرسة روزاليوسف.
كيف؟
- تعرفت على الفنان الكبير طوغان فى مطلع 2011، ودعم حلمى وساعدنى فى الانتماء لعضوية الجمعية المصرية للكاريكاتير عام 2012 التى كان يرأسها آنذاك، وذللت عضويتى للجمعية الصعوبات التى تواجهنى فى دار الكتب للبحث والاطلاع على أكبر عدد من الدوريات، وبدأت رحلة مشروعى «ذاكرة الكاريكاتير» وواظبت لسنوات فى الذهاب لدار الكتب بمعدل 8 ساعات يوميًا، للبحث والتوثيق وجمع تراث الكاركاتير المصرى.
حتى نجحت فى تدشين المشروع رسميًا عام 2019، وكان بين يدى 20 ألف رسمة كاريكاتير، وأنجزت خلال هذه الفترة 13 كتابًا عن طوغان، صاروخان ورخا وحجازى وآخرين، وبدأت تنظيم معارض تذكارية بهذا الأرشيف الضخم، مثل «الكاريكاتير وثورة 1919» احتفالا بمئوية ثورة 1919، فى مسرح الهناجر ومعهد جوته، ثم معرض «الكاريكاتير وحرب اكتوبر» أكتوبر 2020 وتصدر فيه كل رواد مدرسة روزاليوسف. كل هذه النجاحات شجعتنى على تأسيس مؤسسة عبد الله الصاوى لحفظ تراث الكاريكاتير المصرى، كجمعية مشهرة من وزارة التضامن الاجتماعى برقم 2482 لسنة 2022.
أرغب فى التوقف هنا.. رغم التحديات والروتين والإنفاق الذاتى على مشروع كذاكرة الكاريكاتير.. كباحث ومؤرخ، ما الذى كان يدفع شغفك لمواصلة هذا الحلم؟
- لأن مصر ثرية بتاريخ طويل فى هذا الفن، وشعرت بمسئولية كباحث ومؤرخ فى الحفاظ وتوثيق هذا الكنز الفريد، لكنه مَنسى ومُهمل، «محدش اشتغل عليه قبل كده». الكاريكاتير فى دم المصريين ويرجع تاريخ أقدم رسم كاريكاتورى إلى عام 1250ق.م، بمقابر وادى الملوك بمصر القديمة. ومصر احتضنت أسماء ذائعة الشهرة من فنانى الكاريكاتير، الذين قدموا للصحافة والعالم أنواعه المختلفة؛ السياسى، والاجتماعى، والقصص الكاريكاتيرية المصورة والتى تُعرف الآن «بالكوميكس»، والذى خرج من عباءة الكاريكاتير وليس العكس، والدليل أن على رفقى أول فنان جركسى رسم الكوميكس سنة 1927 فى مجلة «الفكاهة» الصادرة عن دار الهلال، ثم رخا وصاروخان رسموا كوميكس فى «أخبار اليوم».
بل نجد مثًلا الفنان المصرى مصطفى مختار بك محرم صاحب أول كتاب فى مصر عن الكاريكاتير صدر عام 1926، فالتأريخ والتوثيق مهم للاحتفاء بفنانينا الكبار ومصر تستحق ذلك، لهذا الفن القريب للجمهور، فالكاريكاتير الواحد يختزل مقالًا من ألف كلمة.
نعود لمهرجان دمنهور الدولى لكاريكاتير المرأة.. دمنهور.. كاريكاتير..المرأة.. كيف ولماذا؟
- كان يشغلنى دائمًا إقامة مهرجان كبير وليس مجرد معارض أو ملتقيات للكاريكاتير، وتقدمت لمنحة تابعة لمعهد جوته الألمانى عام 2023 لدعم فكرة المهرجان التى تفوق جهودى الذاتية، وكانت المنحة تحت عنوان «خارج حدود العاصمة» لدعم المشاريع الثقافية والفنية بالأقاليم، وتلاقت أهداف المنحة مع أحلامى، خاصة أنى لمست تعطش أبناء محافظتى البحيرة لفن الكاريكاتير وانفتاحهم على هذا الفن، عندما نظمنا ورشة لتعليم الشباب مع الفنان عماد عبد المقصود رسام الكاريكاتير بروزاليوسف على هامش معرض دمنهور للكتاب سبتمبر 2023، وانطلقت الدورة الأولى كأول مهرجان نسوى لفن الكاريكاتير لعام 2024 بمشاركة لوحات لأكثر من 100 رسام من 35 دولة عربية وأجنبية، وكانت شخصية النسخة «منيرة ثابت» عميدة الصحفيات المصريات.
تحتفى النسخة الثانية.. بالسيدة فاطمة اليوسف كشخصية المهرجان.. حدثنا عن هذا الاختيار؟
- مُتحمسون للغاية لانطلاق المهرجان فى مارس المقبل، تحت رعاية محافظة البحيرة الدكتورة جاكلين عازر والمستشارة أمل عمار رئيسة المجلس القومى للمرأة، بمشاركة 301 رسام ومُشارك من 44 دولة عربية وأجنبية، بإجمالى عدد 487 عملًا مُشاركًا. واختيار فاطمة اليوسف بمثابة احتفال مزدوج؛ لتكريم تاريخ هذه السيدة الوطنية صاحبة التاريخ المهنى الرفيع، سواء فى الصحافة أو المسرح والفن عمومًا، وتقديرًا لما قدمته مجلة روزاليوسف للصحافة وفن الكاريكاتير المصرى، واحتفالًا بمرور 100 عام على صدورها. المجلة التى كانت ولا تزال علامة مسجلة فى تاريخ الصحافة المصرية برئاسة فاطمة اليوسف المناضلة التى سخرت المجلة كمنصة للدفاع عن حرية الوطن ومحاربة الإنجليز. سعداء أن نحتفى بالسيدة العظيمة ونقدم لها 250 بورتريها كاريكاتيريا بريشة 250 فنانا ضمن مسابقة المعرض العام للمهرجان هذا العام.
كباحث.. ما الذى يُميز مدرسة روزاليوسف للكاريكاتير؟
- رسامو روزاليوسف كانوا يتمتعون بحرية ورؤية فى الأفكار التى يطرحونها خلال الكاريكاتير والثقافة الموسوعية، سواء للرسامين أو الكتاب، كانوا نجوما ولهم أسماؤهم المميزة حتى اليوم، ألكسندر صاروخان، محمد عبد المنعم رخا، طوغان، البهجورى، إيهاب شاكر، والبهجورى وصلاح جاهين عكس مدرسة أخبار اليوم كانت تعطى الرسام الفكرة ويقوم بتنفيذها كرسم.
وهو يعود لطبيعة مدرسة روزاليوسف التى كانت أشبه بصالون ثقافى تاريخى مفتوح يضم كتابا، شعراء، فنانين تشكيليين وروائيين. وفاطمة اليوسف منذ تأسيسها للمجلة هى صحفية تهوى التحدى ولا تخاف من الكلمة الحرة، وخاضت معارك كبرى ضد حكومات العهد الملكى مثل إسماعيل بشرف ونزاهة، ودفعت أثمان باهظة فى صراعها مثلا مع حكومة محمد محمود رئيس الوزراء الحديدى، عبر المقالات والكاريكاتير السياسى اللاذع حتى تسببت المجلة فى خروجه من الوزارة، إلا أن محمود ثأر برفع قضية ضد المجلة أدت لحبس محررها الأول محمد التابعى، وغرامة مالية على المجلة، ثم حكم بالسجن 3 أشهر ضد فاطمة اليوسف مع إيقاف التنفيذ.
على ذكر رخا، تميمة المهرجان العام الماضى كانت شخصية «بنت البلد» ماذا عن الدورة الثانية؟
- نعم، قررنا اختيار هذا العام إحدى شخصياته الكاريكاترية المهمة الثانية «رفيعة هانم» وجوزها السبع أفندى المغلوب على أمره، التى رسمها «رخا» فى مجلة آخر ساعة عام 1948، وكانت شخصية تحمل إسقاط سياسى على الأوضاع فى مصر آنذاك، واستلهمت السينما هذه الشخصية فى عدة أفلام.ويعرض المهرجان مجموعة رسوم لرخا لأول مرة، لتعريف الجمهور والشباب بهذا الفنان الرائد.
«إسبانيا» ضيف شرف المهرجان هذا العام ورسام روزاليوسف «جوان سِنتيس»؟
- نحتفى بالرسام الإسبانى جوان سنتيس مُؤسس فن البورتريه الكاريكاتيرى فى الصحافة المصرية، من رسامى روزاليوسف، وبدأ العمل فيها 1927، قبل صاروخان، وهو صاحب شخصية «جحا» الشهيرة التى رسمها فى مجلة الكشكول بالمصور عام 1931، والتى دفعت فاطمة اليوسف والتابعى للمنافسة بشخصية أخرى، وظهرت «المصرى أفندى» عام 1932، ونحتفل هذا العام بمجموعة رسوم كاريكاتيرية لسنتيس تُعرض لأول مرة.
ذكرت قبل قليل، أن «دمنهور لكاريكاتير المرأة» هو مهرجان «نسوى». رُغم أن النساء محور معظم رسومات الكاريكاتير إلا أنه الفن الأكثر تنميطًا وذكورية لصورة النساء وظلمها لم ينصفها.. ما رأيك كباحث؟
- أوًلا، دورى كباحث ومؤرخ عرض تراث الكاريكاتير كامًلا سواء بجانبه الإيجابى أو السلبى النمطى وفقا لنظر النسويات، ثانيًا لا يمكننا الحكم من منظور القرن 21 الآن على إبداعات فنانى الكاريكاتير قدموها فى عشرينيات القرن 20 مثًلا، لأن كل حقبة لها ظروفها، فمثًلا تناول الرسامين قيادة المرأة للأوتومبيلات فى العشرينيات وسخروا من كثرة الحوادث التى تقع بسببهن، ولكن من جانب آخر نحن أمام تراث يكشف لنا أن حق النساء المصريات فى القيادة كان مبكرًا للغاية بالمقارنة بدول أخرى!
وعلى الجانب الآخر، أبرَز رسامو الكاريكاتير دور المرأة فى الحركة الوطنية، وكان يُرمز لمصر بصورة امرأة جميلة تُحارب الاحتلال الإنجليزى، وعبَر (سنتس، صاروخان، ورخا.. إلخ)عن دور نبوية موسى وهدى شعرواى فى حركة تحرير المرأة وتعليمها، ثم إيهاب شاكر وجاهين والبهجوى تناولو المرأة بصور بديعة، وعبروا عن قضاياها المختلفة. أخيرًا، كباحث لا أستطيع القول إن الكاريكاتير ظلم المرأة، بل ظهورها أنصفها، حتى لو جاء ساخرا سلبيًا فى بعض الأحيان، وكان حاضرًا بقوة فى مواضع أخرى، المرأة تظهر بالشورت والسيقان العارية بدون حجاب أو نقاب على غلاف مجلة روزاليوسف من عام 1927 فهو انتصار للمرأة وليس ظلما لها.
هل تعتقد أن الصحافة الإلكترونية أثرت سلبًا على الكاريكاتير؟
- الكاريكاتير المصرى يمرض ولا يموت. نمتلك مئات المواهب فى كل ربوع مصر، وهذا ليس شعارات، بل اكتشفنا ذلك، ففى ورش التدريب اتى نظمناها فى البحيرة ودمنهور، بل تفوز بجائزة البورتريه الكاريكاتيرى لفاطمة اليوسف للمهرجان هذا العام طالبة عمرها 20 سنة، ويشارك معنا فنانون شباب موهوبون من كل الأعمار. وكما نجحنا فى تدريب 300 فتاة خلال عام من المهرجان على رسم الكاريكاتير، نأمل لنصل إلى 5 آلاف يومًا ما وأكثر على مستوى الجمهورية وليس البحيرة فقط.
عن ماذا عبرن الفتيات فى رسوماتهن الكاريكاتيرية؟
- عن أوجاعهن، العنف الأسرى، الضرب، التحرش الجنسى، الختان، تزويج القاصرات، عن حرمانهن مشاهدة التليفزيون باعتباره «حرام!».
ما هى تحديات العمل الثقافى وإقامة مهرجان فنى خارج العاصمة؟
- منذ نوفمبر الماضى، أوراق طلبنا كمهرجان فى أَدْرَاج وزارة الثقافة للموافقة على إقامة فاعليات الدورة الثانية، فى قصر ثقافة دمنهور، ولم نتلق ردًّا حتى الآن!. بل نُحارب لكوننا مهرجانا نوعيا يُدعم حقوق المرأة، رغم أن ذلك لا يتعارض مع أجندة الدولة المصرية وخطتها فى دعم وتمكين النساء، بل يتبنى المهرجان هذا العام محور «التمكين الاقتصادى للمرأة» ويستقبل مشاركات الرسامين حوله.
لا نطالب بدعم مادى من وزارة الثقافة، والضيوف الأجانب تتولى سفارتهم استضافتهم، لكن نطلب قصر ثقافة فقط لمهرجان ناجح منذ عامه الأول، ويُقام تحت رعاية محافظ البحيرة والقومى للمرأة، ثم إننا ملتزمون بمواد دستور 2014 التى نصت أحد موادها على العدالة الثقافية، وها هم أهالى البحيرة وكوم حمادة وكفر الدوار وغيرهم فى الأرياف البعيدة من حقهم مُتنفس ثقافى، ونخرج من مركزية القاهرة والإسكندرية وشرم الشيخ. مدين بنجاح الدورة الأولى لمعهد جوته والدكتورة نهال بلبع نائب محافظ البحيرة والقائم بأعماله آنذاك، لإيمانها بحقوق المرأة ودعمها لفن الكاريكاتير وتذليلها كل العقبات التى واجهت المهرجان، وأعطت أوامرها بفتح قصر ثقافة دمنهور لختام المهرجان.
أخيرًا ما أحلامك القادمة؟
- طموحى إطلاق متحف رقمى للكاريكاتير يليق باسم مصر وتاريخها فى هذا الفن، المؤسسة تمتلك 50 ألف رسمة كاريكاتير حتى الآن، لكن المتحف يحتاج لتمويل مادى كبير، ويسعدنى التعاون مع مؤسسة عريقة كروزاليوسف ونشرها لبورتريهات «فاطمة اليوسف» المعروضة فى المهرجان هذا العام، عبر مُلحق يُوزع مع أعداد المجلة فى مارس المقبل شهر الاحتفاء بالمرأة لاستمرارية الاحتفاء بهذه السيدة الفريدة.