
عبدالرحمن رشاد
الخطاب الدينى الرافد الأهم لبناء الوعى
إذا كان الوعى بتعريفه العام ينبنى على عدة خطابات مثل الخطاب التعليمى والخطاب الاقتصادى والخطاب السياسى، فإن الخطاب الدينى يمثل رافدا شديد الأهمية فى بناء وعى الإنسان ومعرفته وإحساسه العقلى والوجدانى، وذلك لأسباب عديدة، لأن هذا الخطاب يتعلق بوعى الإنسان بربه ودينه وأخلاقه ووعى الإنسان بغيره من الأفراد الذين يشكلون معا الخلية المجتمعية، والخطاب الدينى يعد عاملا أساسيا فى البناء الأخلاقى وبناء ما يسمى بالضمير الإنسانى. وفى كتابه الموسوعى «فجر الضمير» يتحدث جيمس هنرى بريستد عالم الاجتماع والمؤرخ عن المجتمع المصرى القديم الذى بنى على ضفاف نهر النيل، وكانت قيمه وأخلاقه سواء قيم الإنتاج أو قيم الأخلاق أو العلاقات المجتمعية هذه القيم هى «فجر الضمير» البشرى كله وأفاد منها كل من بنى حضارة بعد المصريين بعدة قرون، وكانت هذه القيم نابعة من خطاب دينى.
الخطاب الدينى بمفرداته المختلفة رافد أساسى فى نهر الوعى الخاص والوعى العام، خاصة لدى المصريين الذين يشكل الدين السماوى لديهم هوية وسلوكا.
وعند الحديث عن تجديد الخطاب الدينى وتجاذباته ومناقشاته تبرز عدة أقلام حاولت أن تعالج هذا التجديد والتحديث بما لا يمس النص المقدس وبما يواكب الحداثة والعصر والتسارع التكنولوجى.
ولقد تصدى مثلا الأستاذ العقاد لمسألة التجديد والتحديث وفق منهج حديث فى عدد من مؤلفاته مثل: التفكير فريضة إسلامية، الديمقراطية فى الإسلام وأثر العرب فى الحضارة الأوروبية، قدم العقاد رؤية عميقة وتذهب للمناقشة العقلية للفكر الدينى الإسلامى.
وكأنه كان يقرأ ويتابع هذه التيارات الظلامية التى تلبس عباءة الدين لتحول بين الخطاب الدينى والحداثة أو تستغل الدين للاستيلاء على مقدرات الشعوب العقلية والمادية وكل من دعا للتجديد فى الفكر الدينى، ومن ثم الخطاب الدينى الذى يعكس هذا الفكر لغة ومضمونا كان يلتزم بالإلمام العريض باللغة لأنها اللسان الذى يقدم الفكر، وهى ببيانها الواضح تسهل استنباط الأدلة على أن هذا الفكر بنيته لا تتوقف عن التحديث والتجديد، والتجديد ليس التبديل أو التشويه، لقد قرأنا من مفكرين كبار خطاب الدين فى ممارسة العمل السياسى دون عنف أو إرهاب أو مغالبة وخطاب الدين فى الموسيقى والغناء، واحترام الفكر الدينى المعقول لتراث الإنسانية.
إن خطاب التجديد يسعى لتصحيح المفاهيم ولبيان الفارق بين الاجتهاد والتحديث وممارسات الجانحين عن العقل والتسامح للتطرف والغلواء.
صحيح كما يرى المفكر الراحل رجائى عطية إلى ارتباط الخطاب الدينى بمقاصد الشريعة فى حفظ النفس والعقل والدين والإنسان، ولكن هذا لا يعنى التوقف عن التجديد فى الرؤى وإحلال القوامة للعمل والعلم والمساواة والسماحة واستنكار الاستعلاء والمغالبة لنصل إلى الوعى بالوسطية وليتشكل الوعى بأن الدين محبة غايته الإحياء وعمارة الحياة.
وبلا غضب، نعم الخطاب الدينى مسئول عن نصيب وافر من بناء الوعى وهو مسئولية لا بد أن ينهض بها أصحاب منهج قائم على المعرفة والعقل والبحث والدراسة.
تأتى الحاجة العقلية والوجدانية للتحديث والتجديد فى الفكر وما ينجم عنه من قيم تشكل السلوك، وهذا السلوك ممارسة بين أفراد المجتمع، ممارسة اقتصادية وأخلاقية وسياسية، وتحديث أو تطوير الفكر الذى كتبته الأقلام واجتهد به مفكرون سبقوا لا يبدل الدين الحنيف فى مقاصده وإنما يعنى هذه الاستجابة العقلية والوجدانية للتطور المادى تكنولوجيا واقتصاديا، إنه استجابة لما يحدث حولنا ولما يحدث من إرهاب نابع من منطقتنا ويحسب على الدين الاستجابة لتطور عوامل الإنتاج المختلفة وما سببته من فوارق مجتمعية ومن نظم سياسية وأخلاقية لا تتماشى ولا تساير العدل فى حقوق البشر والمجتمع.
تجديد مناهج البحث وتحديث طرق الفهم ليكون أكثر عقلانية، وكل هذا يمثل الاستجابة والتكيف للتعايش مع منتجات (وسائل الاتصال مثلا) لم تكن قد أنتجت على أيام أسلافنا.
الاستجابة لمقاومة موجات الإرهاب التى تمارس العنف والقتل تحت غطاء الدين ومستخدمة فكرا دينيا لا يعرف السماحة أو العقل.
الاستجابة العقلية والوجدانية تترجم فى لغة معاصرة مترجمة أو منحوتة من اللغة الأم.. فليس معقولا أن يظل الخطاب الدينى الوعظى بلغة غريبة قاموسية لا يفهمها شبابنا وبمفردات لغوية مكررة وبأداء صوتى محل استغراب ونفور من شباب تستغرقه وتشكل وعيه وسائل اتصال بلغة أخرى، الوعى سلاحه للدخول إلى الوجدان والعقل، سلاحه لغة صديقة ومفهومة بنت الواقع.