الخميس 3 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
مصر أولا.. سجال أجواء 67.. النكسة والهزيمة..  انطباعات وطنية ودلالات أجندات خارجية!

مصر أولا.. سجال أجواء 67.. النكسة والهزيمة.. انطباعات وطنية ودلالات أجندات خارجية!

تواجه المنطقة العربية فى الوقت الراهن.. حالة من التحولات السياسية والفكرية والدينية والاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يتجلى فى تشابكات وتداخلات لمساحات متعارضة وأخرى مشتركة بشكل لا مثيل له.. يعكس بالدرجة الأولى تعقيدات الواقع العربى على حقيقته. تتصاعد التحديات التى تواجه هذا الإقليم المأزوم.. مما يطرح العديد من التساؤلات الشائكة حول مستقبل الإقليم المنتظر فى ظل تأثير هذه التحديات وعدم القدرة على استشراف سيناريوهات المستقبل. وهو ما عبر عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى بأننا نعيش أجواء مشابهة لظروف نكسة 67 فى إشارة إلى ما يحدث حولنا من انقسامات وعدم استقرار لكل دول الجوار للحدود المصرية من جهة، وفى تصعيد الصراع الفلسطينى – الإسرائيلى من جهة أخرى. فضلًا عن وجود مؤشرات واضحة على مواجهة تيارات الإسلام السياسى بكافة تنويعاتها وأشكالها وأسمائها فى شكل من أشكال التصفية لصالح صياغات جديدة.



 فكرة ومعنى..

فى كلمته خلال «احتفالية اتحاد القبائل والعائلات المصرية» بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر 73 مساء السبت 26 أكتوبر 2024 بالعاصمة الإدارية الجديدة، قال الرئيس عبدالفتاح السيسى: (ما تشاهدونه حاليًا، من غير تفسير كتير وتوضيح كتير، كانت تقريبًا نفس الظروف التى نعيشها بعد 67 فى مصر.. لكن بإرادة الشعب المصرى تجاوزت البلاد المحنة).

وهو ما تم توظيفه واستغلاله على عكس سياقه باستقطاع ما سبق من مجمل كلمته التى هى فى الأساس عن انتصار حرب 6 أكتوبر 73، والتى قال عنها الرئيس أنها (حكاية ملهمة لن تنتهى، والنصر الذى تحقق كانت وراءه إرادة شعب كامل، رفض الهزيمة وتحدى نفسه والظروف). وتأكيده على أن (الدولة المصرية حققت الانتصار رغم فارق الإمكانات.. بالإرادة والرؤية العبقرية التى سبقت عصرها، وحققت لمصر السلام حتى الآن). وأن (الأوضاع الحالية فى المنطقة تؤكد أن رؤية قادة السلام فى مصر بعد حرب أكتوبر كانت شديدة العبقرية، وكانت سابقة لعصرها).

 سجال السوشيال ميديا..

ارتكز سجال السوشيال ميديا على محاولة إعادة تأويل سياق كلمات الاحتفالية على عكس حقيقتها. ومع محاولة تجاهل أن سياق الحديث هو فى الأصل يعود لتشابه ملابسات التحديات السياسية والتاريخية بين فترة هزيمة 67 أو نكسة 67 على محيط الإقليم كله بوجه عام وعلى الدولة المصرية بوجه خاص.

هناك تصاعد غير طبيعى فى المشكلات التى تواجه استقرار المنطقة العربية وأمنها كلها دون استثناء، وهو ما يتواكب مع متغيرات جذرية فى ملامح نظام عالمى جديد فى طور التشكيل. وما يترتب على ذلك من مشكلات وضغوط اقتصادية غير مسبوقة. وهى الضغوط التى تؤثر على صناعة القرار فى ظل اضطرابات متلاحقة.. كنتيجة طبيعية للمتغيرات الإقليمية والدولية.

استدعاء أجواء هزيمة 67 فى هذا السياق.. هو تعبير يتسق مع حالة عدم الاستقرار السياسى بالمنطقة العربية، والذى يؤثر بدوره على عدم الاستقرار الاقتصادى.. مع صعوبة بالغة فى التنبؤ بأى مؤشرات مستقبلية فى ظل أحداث ومواقف سياسية يومية.. تدفع المنطقة كلها إلى دق طبول الحرب. 

سوء نية فى الطرح والتفسير..

سياق ما سبق، ليس فيه استدعاء لروح الهزيمة والنكسة والانكسار مثلما روج البعض بسوء نية.. لأن ما حدث هو العكس تمامًا حيث تم استدعاء ذكريات النصر وتحدياته وأمجاده التى حققها الشعب المصرى. كما أن توظيف ما سبق على عكس الهدف المقصود منه فى الترويج إلى أنه بعد نكسة 67، كانت السلع والخدمات متوفرة بعكس ما نشهده الآن من غلاء الأسعار واختفاء بعض السلع ونقص العديد من الأدوية هو القول الملتبس الذى يراد به الباطل. ويكفى أن نذكر أن سنوات نكسة 67 وما بعدها.. لم تكن هناك وسيلة للحصول على بعض السلع مثل: السكر والشاى والأرز والصابون.. سوى من محلات التموين فقط. وهو ما يطلق عليه «اقتصاد الحرب».. ولذا فالمقارنة هنا غير دقيقة ومرتكزة على سوء النية فى الطرح والتفسير والترويج. 

الأجواء المتشابهة المقصودة بوضوح هى الخطر الداهم على المنطقة التى يحاول البعض.. جرها للحرب، بل ودفعها بقوة للتصعيد وإعلان حالة الحرب التى لا يعلم أحد مداها أو نتيجتها سوى المزيد من التدمير ليس فقط للبنية الأساسية لدول الحرب، ولكن لقوتها البشرية المعطلة لحساب الحرب.  

 أجواء الهزيمة.. 

لا شك، أن هزيمة يونيو 67 تعتبر من أهم المحطات الفارقة فى تاريخ العالم العربى، والتى أدت إلى الحرب بين العرب وإسرائيل، وما نتج عنها حينذاك من انتصارها على مصر وسوريا والأردن، وفقدان الكثير من الأراضى العربية مثل: سيناء والجولان والضفة الغربية. واستطاعت مصر بحرب أكتوبر 73، استعادة أراضيها بينما ظلت إسرائيل تسيطر على العديد من الأراضى المحتلة الأخرى.

ونذكر أن الشعوب العربية قد عانت من صدمة نفسية عميقة نتيجة هزيمة 67، وهو ما أدى إلى حالة من فقدان الثقة فى مفاهيم الوطنية، وفى قدرة الدول التى تم احتلال أراضيها على استعادة حقوقها. كما أسهمت هزيمة 67 فى انتشار واسع للأفكار القومية والتيارات اليسارية، وعلى سبيل المثال: ظهور حركات جديدة تسعى إلى التغيير، مثل «حركة فتح» فى فلسطين التى اكتسبت زخمًا سياسيًا بعد الهزيمة.

 واقع مأزوم..

تعانى العديد من الدول العربية من أزمات سياسية حادة، وما نتج عنها من حالة عدم الاستقرار السياسى. وهو ما يمكن أن نحدده من خلال:

1 – الحروب الأهلية: حيث تشهد كل من سوريا وليبيا والسودان واليمن لحالة من الانقسامات الداخلية التى نتج عنها صراعات داخلية دموية.. تسببت فى مقتل وتشريد الملايين من أبناء شعوب تلك الدول وفقًا للتقارير الرسمية لمنظمة الأمم المتحدة وغيرها.. 

2 – الاحتجاجات الشعبية: مثلما حدث فى لبنان منذ سنة 2019 وحتى دخول إسرائيل لتنفيذ عمليات عسكرية ضد حزب الله بقياداته ومقراته اللوجستية. وهو ما دفعت شعوب تلك الدول.. ثمنه غاليًا.

تحديات غير مسبوقة..

يتأكد تدريجيًا - مع مرور الوقت - أن القضية الفلسطينية قد كانت هدفًا مستباحًا للعديد من القوى التى تريد صناعة سياسة جديدة للمنطقة. وهو الواقع الذى ظهر مع محاولات جمع شمل الفصائل الفلسطينية لمرات عدة من جانب، ومحاولة تجديد الدماء فى منظمة فتح من جانب آخر. وهو ما لم يحدث، بل العكس صحيح.

لقد تسببت التدخلات غير الوطنية وذات المنظور الشخصى بالدرجة الأولى.. فى وجود أشكال متباينة من الانقسامات العربية، وهو ما جعل القضية الفلسطينية ترتبط بأچندات خارجية يتم توظيفها لصالح دول أخرى.. تتسق مع توجهات إسرائيل ومواليها.

الملاحظ، أنه رغم أن القضية الفلسطينية قد ظلت لسنوات طويلة.. هى القضية الجامعة للمنطقة العربية والموحدة لمواقفهم، فإنه مع مرور الزمن.. شهدنا كيف تحولت القضية الفلسطينية إلى قضية «مفرقة» لأچندات غير خالصة النوايا. وبالتالى، أصبح الصراع أيديولوجيًا لتحقيق أهداف شخصية، وليس سياسيًا لترسيخ القضية الفلسطينية.. كقضية وطنية بالدرجة الأولى.

 اختلالات عربية..

ترتب على التحليل السابق.. العديد من التداعيات، منها:

- وجود صراع عربى - عربى على منطلقات حل القضية الفلسطينية.

- وجود صراع فلسطينى - فلسطينى بين الفصائل المختلفة.

- تفاقم الصراع العربى – الإسرائيلى.

نتج عن كافة أشكال الصراع السابقة.. المزيد من المكاسب فى صالح إسرائيل ومحاولة البعض التقرب منها بشكل فردى على حساب القضية الفلسطينية. وأصبحت العلاقة مع إسرائيل مطمعًا من بعض الدول لتحسين علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير مباشر.

إن المتتبع للصراع العربى – العربى لسنوات طويلة.. يستطيع أن يلحظ أن تبنى بعض الدول لمواقف سياسية محددة تجاه القضية الفلسطينية.. قد أسفر عن دخول مفردات العمالة والخيانة على قاموس السياسة العربية.. بسبب توظيف التيارات اليسارية وتيارات الإسلام السياسى لها باعتبارها.. التصنيف السهل الممتنع لكل من اختلف مع الأچندة التى يستهدفوها.

المشهد الحالى.. يؤكد أن الجميع يسعى إلى تحقيق أهدافه بغض النظر عن الصالح الوطنى الفلسطينى. وهو أمر منطقى وطبيعى بعد أن وصل الصراع فى المنطقة العربية إلى قمته. ولا يمكن أن نغفل أن الصراعات العربية – العربية لسنوات طويلة أيضًا.. قد صبت فى صالح تحقيق الأهداف الإسرائيلية فى ظل وجود غياب حقيقى لحكماء فلسطين، وهى المسئولية المفقودة التى سيحاسبهم التاريخ عليها لتصميمهم على استمرار حالة الخلاف القائم التى تراجعت فيها قيمة الوطن الفلسطينى وقيمة الشعب الفلسطينى وتحديات بقائه وأمانه.

 الوحدة أم الانقسام..

ما يحدث الآن فى فلسطين على سبيل المثال وليس الحصر، لا يمكن أن نحسبه على قوة إسرائيل وذكاء قادتها؛ بقدر ما يحسب على الانقسام الداخلى الفلسطينى. لأنه لو أجمعت كل الحكومات الإسرائيلية على خرق الوحدة الفلسطينية.. ما كانت لتصل إلى ما وصل إليه الآن حال القضية الفلسطينية. فقد كان الدم الفلسطينى «محرمًا» على الفلسطينيين قبل ذلك فى كافة الخلافات الفصائلية من أجل تحقيق الهدف الأساسى فى مواجهة إسرائيل.

لقد وصلت القضية الفلسطينية الآن إلى مرحلة.. أصبح الوفاق بين الفصائل فى إطار كيان وطنى شرعى مرهون بثمن وبمقابل. وتحول الولاء إلى الوطن.. قضية منتهية لذاكرة وطنية فلسطينية مفقودة فى ظل صراع الفصائل وارتباطهم بمصالح إقليمية لها مصالحها البعيدة كل البعد عن حلم الوطن الفلسطينى.  

 ملفات مشابهة..

ما سبق، فى إطاره العام.. ينطبق أيضًا على الملف السودانى. بالقطع، لن يكون هناك من هو حريص على المصلحة السودانية والوطن السودانى.. سوى الشعب السودانى بالدرجة الأولى. وللأسف، ما زال هناك فرق من أصحاب المصالح الذين يهتمون بالشكل وليس المضمون.. أى الاهتمام بالمصالح الشخصية والمكاسب السريعة واستمرار الصراع لضمان بقائهم والصراع على صورة الوطن.

تحتاج دول الإقليم إلى جهد دبلوماسى ووطنى بالدرجة الأولى، وهو ما لن يتحقق سوى بوحدة الصف الشعبى ومواجهة الانقسام كفريق وجماعة واحدة لا تهتم بمصالحها الشخصية وارتباطاتها الإقليمية لكى يكون هناك وطن واحد.. غير قابل للقسمة والضياع.

 نقطة ومن أول السطر..

ما يحدث من «بلبلة» فى تفسير المواقف الرسمية.. هو المستهدف على السوشيال ميديا، وهو ما لا يمكن افتراض حسن النية فيه. ليس فقط لكونه يستغل ما نواجهه من تحديات وأزمات للتصعيد، ولكن لكونه يستغل ما يحدث من صراعات فى المنطقة العربية لإثارة حالة من الجدل والالتباس فى بث الانقسام والتشكيك فى كل ما يحدث. وهو ما يحقق مصالح خارجية وأچندات دولية.