
هاني لبيب
عن الدولة الرئيسة والحكيمة والقوة الذكية.. المسألة الصومالية.. القوة الغاشمة ودق طبول الحرب!
يؤكد الواقع العملى أن مصر هى واحدة من الدول الأساسية التى تقوم بدور محورى فى تحقيق الأمن والاستقرار فى المنطقة سواء بين دول البحر المتوسط أو دول البحر الأحمر، وتظل قناة السويس التى تعد من أهم الممرات البحرية فى العالم هى صمام الأمان والسلام للمنطقة. وهو ما جعل مصر دائمًا تسعى إلى الحفاظ على أمنها القومى فى ظل تحديات إقليمية وإشكاليات عالمية لا مثيل لها. ومن هنا تأتى أهمية الدور المصرى مع دولة الصومال التى تقع جغرافيًا عند مدخل البحر الأحمر وخليج عدن، وما يؤكد أهمية القرن الإفريقى الجيو سياسية. وهى أهمية لها تاريخ ممتد.. بذلت فيه مصر جهودًا دبلوماسية ضخمة لوقف الحرب الأهلية فى الصومال على مدار سنوات طويلة مضت. يروق للبعض بين فترة وأخرى.. الترويج لدق طبول الحرب، رغم أن هذه الدعوة تعتبر أبعد سيناريو عن العقيدة المصرية فى السياسة الخارجية، التى تحكم العلاقات بين الدول.. لأن مصر ببساطة شديدة تتبنَّى مواقفها وتتخذ ردود أفعالها بمنطق الدولة الرئيسة. والدولة الرئيسة هى الدولة التى لا يمكن الاستغناء عنها فى الأحداث المهمة، الدولة التى تقوم بدور ريادى وقيادى، سواء بين الدول حولها، أو على مستوى السياسة العالمية.
صومالى لاند
يتحقق الحفاظ على مجال مصر الاستراتيجى.. باستقرار دول القرن والشرق الإفريقى.. خاصة فى ظل المتغير الذى حدث مؤخرًا فى الحديث عن انفصال «إقليم صومالى لاند» الذى هو أصلًا جزء من الصومال، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تهديد لمدخل باب المندب الذى هو من أهم محاور ومجالات الأمن القومى المصرى فى البحر الأحمر.
أتفق تمامًا مع التحليلات التى تشير إلى انتقال التركيز على موقف الصومال من الأطراف إلى المركز.. فهناك الاتفاقية الاطارية للتعاون الاقتصادى والدفاعى بين الصومال وتركيا الموقعة فى 21 فبراير 2014. وهناك مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن إنشاء قواعد عسكرية الموقعة فى 17 فبراير 2024.
الاتفاقيات السابقة.. ارتبطت بشكل أساسى بالتوتر المتصاعد فى أرض القرن الإفريقى، والتى وصلت لقمتها فى 1 يناير 2024 بين إثيوبيا و«إقليم صومالى لاند» التى منحت إثيوبيا حق استغلال واستخدام واجهة بحرية على البحر الأحمر تبلغ مساحتها 20 كم لمدة 50 سنة. وهو ما رفضته مقديشيو والقاهرة معًا.
مرتكزات الشراكة والتعاون
تمتد العلاقات الصومالية - المصرية منذ مصر القديمة من خلال الرحلات التجارية حينما كانت الصومال تعرف باسم «بلاد بونت». وعبورًا فوق سنوات كثيرة وأحداث متقاطعة ومتشابكة.. استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسى فى 14 أغسطس 2024 د. حسن شيخ «رئيس جمهورية الصومال»، ثم استقبل د. مصطفى مدبولى «رئيس مجلس الوزراء» بالقاهرة فى 31 أغسطس 2024 السيد حمزة عبدى برى «رئيس وزراء الصومال» لاستكمال اللقاءات الثنائية واستعراض القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك والمتبادل.
ومن أهم المرتكزات التى تم التأكيد عليها فى العلاقات الصومالية - المصرية، ما يلى:
1 - التأكيد على كل الدعم لمستقبل الصومال، وتحقيق وحدته، ودعم مواطنيه باعتباره ضمن أهم أولويات الدولة المصرية.
2 - دعم الحكومة المصرية نحو تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية بين مقديشيو والقاهرة.. فى ظل الحرص على تشجيع إقامة استثمارات مصرية فى الصومال.
3 - رعاية عقد منتدى رجال الأعمال فى المجالات المختلفة بين البلدين.
4 - تلبية احتياجات المجتمع الصومالى بتصدير السلع والبضائع من مصر.
5 - مد مساحات الشراكة والتعاون بين مصر والصومال بحيث يشمل المستوى السياسى والثقافى والتعليمى والتجارى والاستثمارى. واستمرار تقديم المنح التعليمية للطلاب الصوماليين.
6 - استمرار تشغيل خطوط الطيران بين الصومال ومصر التى بدأت منذ شهر يوليو 2024، وافتتاح السفارة المصرية فى 13 أغسطس 2024.
7 - تعزيز التعاون بين رجال الأعمال من البلدين فى مجال الزراعة بشكل أساسى.. لكون الصومال تمتلك من الثروة الحيوانية والسمكية التى يمكن تصديرها للأسواق المصرية.
8 - تيسير الإجراءات وتوفير التسهيلات للقيام باستثمارات مصرية فى الصومال.
9 - مساندة مصر للصومال للانتقال إلى مرحلة جديدة متطورة.. للإسهام فى الاستقرار والنمو.
ملفات متخصصة
صاغت الدولة المصرية لنفسها دورًا متميزًا .. يتمثل فى بناء تحالفات وشراكات وتعاون مع جميع دول العالم بشكل متكافئ بعيدًا عن وهْم السيطرة أو هوس الزعامة من جانب، واحترام مصالح الدول الأخرى وتقدير إرادة شعوبها السياسية وخصوصيتها الوطنية من خلال ترسيخ منطق تكامل المصالح وعدم تعارضها من جانب آخر. فضلًا عن التعامل مع المعطيات والمتغيرات الجديدة للمنطقة والعالم بترسيخ حالة جديدة.. مرتكزة على الدعم والمساندة والتفاوض وإدارة الأزمات من خلال منهج الملفات السياسية المتخصصة. هذا المنهج الذى يحقق عامل التوازن فى العديد من الملفات، مثل: الصراع «العربى- العربى»، والصراع «العربى- الإسرائيلى»، ودعم وحدة ليبيا والسودان والصومال وسلامة شعوبها.
تصور البعض أن تحديث القوات المسلحة المصرية وتطويرها على جميع المستويات هو بمثابة الإعداد لخوض حروب قادمة أو مرتقبة. وتجاهل هذا التصور أن الهدف هو امتلاك القوة للحفاظ على أمن مصر وسلامة شعبها؛ وليست للغزو والاحتلال والحرب والسيطرة. وهو ما تزامن مع اكتساب مصر هيبة جديدة أمام مواطنيها فى الداخل قبل دول العالم فى الخارج. وهنا كانت النقطة الفاصلة فى التأكيد على أن امتلاك القوة الغاشمة هو قرار لمواجهة الإرهابيين، والمتطرفين، وما من شأنه تهديد الأمن القومى المصرى، أما امتلاك القوة الحكيمة الذكية فهو قرار للحفاظ على مصر وتقدمها وتطورها وسلامها وأمنها القومى وسيادتها الوطنية.
الدولة الرئيسة والحكيمة
منذ ثورة 30 يونيو وإلى الآن.. تتخذ الدولة المصرية مواقفها وردود أفعالها بمنطق «الدولة الرئيسة» أو «الدولة الحكيمة». «الدولة الرئيسة» التى تعلن مواقفها بشكل واضح ومباشر أمام العالم برؤية مستقبلية.. مثلما كانت فى مقدمة الدول التى أطلقت تحذيرًا رسميًا ضد إيواء بعض الدول للإرهابيين والمتطرفين، وكما أكدت للدول نفسها أن ذلك الإرهاب سيطالها على أراضيها، وهو ما حدث فعليًا بعد ذلك.
وذلك مع ملاحظة، أن بعض الدول شبه الصديقة تقوم بعكس ذلك حرفيًا .. فتظهر فى العلن وأمام الشاشات والفضائيات والمحافل الدبلوماسية احترامها وتقديرها ودعمها ومساندتها لمصر ومكانتها، وفى الوقت نفسه؛ تقوم بشكل منظم بمحاولات مستميتة لإضعاف الريادة المصرية لصالح زيادة رصيدها.
نقطة ومن أول السطر
مصر تدير سياساتها الخارجية فى سبيل الحفاظ على أمنها القومى وتأمينه من التهديدات المحتملة بتوازنات حفظ الاستقرار لشعوب دول المنطقة، واعتبارات عدم الانقسام والانفصال والزعزعة والحرب بالوكالة من خلال أدوات مغايرة للحفاظ على السيادة الوطنية بشكل مختلف عن المعتاد تاريخيًا فى ظل وجود أطراف إقليمية ودولية فاعلة فى المنطقة لها مصالحها وأجندتها الخاصة، وفى مقدمتها العلاقات المصرية - الإفريقية مع دول حوض النيل تحديدًا.