الإثنين 22 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
30 يونيو.. سؤال خبيث وتفاصيل حاسمة!‏

30 يونيو.. سؤال خبيث وتفاصيل حاسمة!‏

استفزنى سؤال خبيث على لسان شخص، لا يستطيع أن يفرق بين أزمة اقتصادية نعيشها الآن ‏و«مأزق وجودى» كان يمكن أن ننحشر فيه ونختنق: هل ما زلت حقًا تحتفل بـ30 يونيو؟



أجبت: نعم.. ولو عاد الزمن سأخرج إلى الشارع ولن أغادره قبل أن يرحل الإخوان عن حكم ‏مصر؟

لم يسكت وارتسمت ابتسامة صفراء على شفتيه: يعنى مبسوط من غلاء الأسعار وانقطاع ‏الكهرباء وغيرها من المشكلات؟

 

قلت له بحدة: أزمات قد تطول وسوف نحلها فى سنة أو ثلاث، لكن حكم الإخوان كان قطيعة ‏مع المستقبل، وطن على حافة حرب أهلية يتفتت، ويتحول مواطنوه المسلمون إلى رعية، ‏ومواطنوه المسيحيون إلى أهل ذمة، 30 يونيو حافظت على الوطن مهما حدث له من أزمات ‏وأوجاع، وعمومًا مصر مجتمع أزمات متصلة منذ أطلت مصر على عصرها الحديث، ‏وسنوات الراحة النسبية فيها قليلة، فهى لم تتمكن من كسر حلقة التخلف المعلقة فى عقلها ‏نهائيًا، لتنتقل من طابور المجتمعات المأزومة إلى مصاف المجتمعات المتقدمة.‏

نعم أحوالنا صعبة.. وأتصور أنها مفترق طرق، يدفعنا بالضرورة إلى تفكير شامل فى حلول ‏مستدامة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.‏ تركنى صاحب السؤال وهو يكظم غيظه.. فعدت إلى أوراقى الخاصة عن 30 يونيو 2013 ‏أقلب فيها.‏

‏-1‏-

فى صباح الأحد 30 يونيو بدت شوارع القاهرة شبه خالية، الشمس تشع صهدًا فى السماء، ‏المحال مغلقة، نوافذ البيوت والبلكونات مرفوع عليها أعلام مصر ولافتات تشى بما يريد ‏أصحابها «ارحل»، «يسقط يسقط حكم المرشد».‏

‏ لم يذهب الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء إلى مكتبه فى ذلك اليوم، مع أنه نزل من بيته ‏فجرًا، إذ أخذ موكبه الرسمى فى جولة تفقدية بالقاهرة: ميدان التحرير، ميدان مصطفى ‏محمود، ميدان رمسيس، محيط قصر الاتحادية، راجع فيها إجراءات الأمن وحماية المنشآت، ‏قبل أن يستقر فى مبنى وزارة الاستثمار الملاصق لأرض المعارض فى شارع صلاح سالم.‏

وأيضًا لم يذهب عدد من الوزراء إلى مكاتبهم، خاصة وزراء التعليم والتعليم العالى ‏والأوقاف والصحة، فهى وزارات تقع بالقرب من منطقة العمليات «ميدان التحرير».‏

‏-2 -‏

لم يفلح قرار وزارة المالية بصرف معاشات يوليو بالعلاوة الجديدة فى تحريض ما يقرب من ‏تسعة ملايين مواطن على النزول صباحًا إلى مكاتب البريد لاستلام المعاش، توقعوا أن أغلب ‏الموظفين لن يذهبوا إلى أعمالهم، وهذا ما حدث إلى حد كبير، فبدت المكاتب الحكومية ‏مهجورة، ليس فى القاهرة فقط وإنما فى كل محافظات مصر، ولم تتجاوز نسبة الحضور ‏‏40 % إلا فى دمياط فقط، تضاعفت فيها هذه النسبة، ودارت حول 10 ٪‏ فى المنوفية ‏والدقهلية، وكانت صفرًا فى البحيرة وسوهاج وأسيوط وكفر الشيخ وبنى سويف وإسماعيلية.‏

واختفت طوابير السيارات أمام محطات الوقود لأول مرة منذ شهور، فمن الذى يغامر ‏بسيارته فى وقت تتجمع فيه رياح الثورة لتهب على وطن محتقن؟

وبالرغم من حرارة الجو إلا أن بعض المناطق أعلنت تمردها مبكرًا، فى الثامنة صباحًا، مثل ‏مدينة الشهداء بالمنوفية والزقازيق بالشرقية، وهتفت النساء: صوت المرأة ثورة وليس ‏عورة.

أما فى قرية كفر الترعة القديم بمحافظة الدقهلية، وهى مسقط رأس خيرت الشاطر نائب ‏المرشد العام والرجل الحديدى فى التنظيم، فقد خرج أهلها يحملون صورًا أربع لخيرت ‏ومحمد بديع، ومحمد مرسى وعصام العريان، وعليها علامات إكس حمراء بطول كل صورة.‏

‏-3 -‏

على منتصف النهار خرج أهالى قرية دفرة، مركز طنطا بالغربية، وقطعوا الطريق الزراعى ‏القاهرة - الإسكندرية فى الاتجاهين بالحجارة الضخمة، وهو نفس ما فعله أهالى قرية طوخ ‏طنبشا الواقعة بين مدينتى قويسنا وبركة السبع، وتكرر الشيء نفسه على طريق دمياط ‏المنصورة، وطريق الصعيد الزراعى فى أكثر من منطقة.‏

‏ لم ينتظر أهل أسيوط هدأة الشمس، وملأوا الشوارع بعد الظهيرة بأعلام مصر بداخلها ‏الهلال والصليب، لكن أنصار الجماعة لم يتركوهم واعتلوا أسطح العمارات المواجهة لمبنى ‏محافظة أسيوط وأطلقوا أعيرة نارية وخرطوش، فسقط أول شهداء أسيوط «أبانوب عادل»، ‏وبعده محمد عبد الحميد، ولم يتخل المتظاهرون عن الميدان وأصروا على البقاء وهتفوا:  لو ‏أبو الهول ساب مصر إحنا مش حنسيبها.‏

 - 4‏‏ -

بعد ساعات انحرفت الشمس ناحية الغرب، فراحت ملايين الأقدام تهرول إلى الشوارع على ‏امتداد البلاد من أسوان إلى مطروح، وتتجمع فى مسيرات بالميادين الرئيسية.‏

وفى القرى والنجوع أخذ الناس يلفون فى الحارات والأزقة، ثم يقفون على الزراعيات، منهم ‏بسطاء لم يسبق أن خرج أحدهم فى مظاهرة أو حتى خطرت على باله، كانوا أول مرة فى ‏حياتهم يتجمعون ويهتفون معًا: إدى للى ظلمك ميت شلوت.. مصر حترجع بنت بنوت، ‏كدابين كدابين.. ضحكوا علينا باسم الدِّين. 

كان قضاة مصر قد بدأوا اعتصامًا أمام دار القضاء العالى، ووقفوا يحيطهم الجلال فى مدخل ‏الدار المهيبة، ويقولون لشعبهم إن مؤسسة العدالة جزء منهم تشاركهم فى إزالة الغمة التى ‏حاقت بهم تحت وطأة الاضطراب والارتباك والمخاوف، وعلى مقربة من القضاء تجمع مئات ‏الصحفيين يتراصون معًا فى شارع عبد الخالق ثروت، يهتفون ويتهيأون للتحرك إلى ميدان ‏التحرير. ‏

على الجانب الآخر من نهر النيل أمام وزارة الثقافة اندفع روائيون وشعراء ورسامون ‏وموسيقيون وممثلون ومخرجون ومؤرخون ومصورون.. إلخ فى مسيرة ضخمة هبطت من ‏ديوان وزارة الثقافة التى كانوا يعتصمون بها، رفضًا لأخونة الثقافة، إلى شارع 26 يوليو، ‏حاملين قباقيب خشبية يدقون بها كما لو أنهم يعزفون فى أوركسترا سوناتا «الرحيل الأخير» ‏للرئيس المغضوب عليه.‏

لم يختلف حال المصريين فى الإسكندرية، عنهم فى الإسماعيلية أو بورسعيد أو طنطا أو ‏دمنهور أو السويس أو دسوق أو سوهاج أو أسوان أو مطروح.. إلخ، بل إن بعض عائلات ‏مصرية من سكان المهندسين نزلوا وهم يحملون الكنب، دلالة على أن حزب الكنبة لن ‏يجلس صامتًا، أما «السيد رضوان» فقد تظاهر بـ«بدلة إعدام» حمراء، فى يده الكارت الأحمر، ‏بمثابة قرار طرد للجماعة من ملعب الحياة المصرية، و«محمد ريشة» وهو فى الستين من ‏عمره، فقد خرج إلى شارع ولى العهد بحدائق القبة مقيدًا نفسه بسلاسل حديدية ولابسًا قناعًا ‏عليه وجه الرئيس محمد مرسى.‏

هذه مجرد صور، من آلاف الصور التى عاشها المصريون تعبيرًا عن رفضهم للجماعة ‏ومرشدها ورئيسها. 

‏-5 -‏

‏ على الضفة الأخرى من نهر 30 يونيو، كانت الجماعة غارقة فى عالم افتراضى، تصورات ‏تصاحبها منذ تأسيسها فى عام 1928، لم تدرك أن البيئة الحاضنة لها تغيرت وانقلبت عليهم ‏فى عامين فقط، فكتب عصام الحداد مساعد رئيس الجمهورية للعلاقات الدولية على صفحته ‏بالفيسبوك بيانًا قال فى بعضه: مشهدان يتماثلان فى تجمعين، الأول فى ميدان رابعة العدوية ‏يؤيد الرئيس، والثانى فى ميدان التحرير يعبر عن المعارضة، وبغض النظر عن الفارق ‏الكبير فى الأعداد، حيث تزيد الأعداد فى رابعة بدرجة كبيرة فإن التجمعين يعدان تعبيرًا ‏سلميًا عن الرأى.‏

يبدو من البيان أن عصام الحداد يجهل علم الإحصاء والأعداد، أو كعادة الجماعة يكذب، لكن ‏المدهش أن البيان كان باللغة الإنجليزية، أى لم يكن يخاطب المصريين، وإنما الخواجات ‏الذين يدعمون الجماعة وساعدوها فى الوصول لحكم مصر، ويطمئنهم بأن 30 يونيو مجرد ‏تعبير عن الرأى وليس عملية طرد.‏

‏ الرئيس محمد مرسى نفسه بالرغم من قلقه الشديد، حاول أن يتصرف طبيعيًا، صحيح هو لم ‏يمكث فى قصر الاتحادية، وخرج إلى مقر الحرس الجمهورى ومنه إلى قصر القبة يتابع من ‏غرفة العمليات الخاصة ثورة شعبه عليه، لكنه اعتمد الحركة الدبلوماسية للسفراء والقناصل ‏العاملين فى الخارج كأن شيئًا لم يحدث.‏

وكان سبق للرئيس أن أجرى حوارًا مع جريدة الجارديان الإنجليزية برر فيه عدم استقالته ‏وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة بأن ذلك يقوض الشرعية، ولماذا يفعل؟ «فلن تكون هناك ثورة ‏ثانية فى مصر»، «وسائل الإعلام فقط هى التى بالغت فى تقدير قوة معارضيه».‏

يبدو أن الجماعة هى التى نصبت لنفسها الفخ الذى وقعت فيه.. فوصفت بوابة حزب الحرية ‏والعدالة ما يحدث بأنه «مظاهرات وهمية»، وقال الدكتور فريد إسماعيل عضو المكتب ‏التنفيذى لحزب الحرية والعدالة إن الرئيس محمد مرسى سيستكمل مدته الرئاسية، وسنلجأ إلى ‏العنف فى مظاهرات 30 يونيو لو حدثت محاولات لنشر الفوضى.‏

‏ -6 - ‏

نعم الشعوب أحيانًا ترتكب حماقات وتعمل حسابات خاطئة، من أول اليابان إلى الولايات ‏المتحدة، بعضها يعيد تصحيحها وبعضها لا يفعل فتسقطه حساباته الخاطئة فى الهاوية.. ونجح ‏المصريون فى تعديل المسار المرتبك بسرعة، ومهما كانت الأزمات التى تحيط بهم، فهم ‏أيضًا قادرون على حلها.‏