الإثنين 22 يوليو 2024
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

عاصــم حنفــى.. وحكاية البنت السويسرية

ومر عام إلا قليلًا على رحيل ضحكة روزاليوسف، بالأمس القريب كان يملأ الدنيا صخبًا.. بقفشاته المعهودة وأسلوبه الساخر.. افتقدت روزاليوسف كاتبًا من طراز رفيع.. كانت عيون القراء تقرأ المجلة من آخر صفحة لمطالعة مقاله الذى اعتاد على كتابته لأكثر من ربع قرن كامل من الزمان، ولكن لأن السيرة أطول من المسيرة.. يظل الأستاذ حاضرًا وبقوة رغم رحيله.. وها هو العدد التذكارى الذى يحمل رقم 5000 يحتفى برموز الدار الذين تركوا بصمة لا تُنسى وفى القلب منهم الساخر الكبير عاصم حنفى آخر ظرفاء جيل الكبار.



 

اتصل بى الباحث الشاب عبدالرحمن عكاشة محمد ليخبرنى أنه بصدد تحضير رسالة الماجستير بعنوان «تقنيات السرد فى أعمال عاصم حنفى. دراسة تحليلية نقدية» والباحث الذى ينتمى لكلية اللغة العربية بالمنصورة قسم الأدب والنقد بجامعة الأزهر اختار أن تكون رسالته عن كتابات عاصم حنفى. سألته مباشرة ولماذا عاصم حنفى خاصة أنك تنتمى لمدرسة الأزهر الشريف؟.. فوجئت أنه اختار الكاتب الراحل لأنه تربى على كتاباته، وكان يتابع مقالاته، ويقتنى مؤلفاته.. وهو ابن المنصورة وليس القاهرة.. علمت حينها أن الكتابة الصادقة تخرج من قلم الكاتب لتسكن وجدان القارئ دون وسيط، وربما زادنى تشجيعًا على الانتهاء من تجميع مقالاته لضمها فى كتاب يبقى أثره للقراء بعد عقود.

رحلة عاصم حنفى نفسها رحلة ساخرة بامتياز، هو خريج كلية الزراعة يحكى عنه أبوه الروحى محمود السعدنى قائلًا: مع أنه لا يوجد فى أسرة عاصم فلاح واحد أمسك بالفأس واستعمل المحراث، فقد فرضت عليه الظروف أن يدرس الزراعة، هو نفسه لم يسأله أحد عن رأيه فى دراسة الزراعة، ولكن مجموعه فى الثانوية العامة هو الذى قاده إلى هناك.

وهكذا وجد عاصم حنفى نفسه يحمل شهادة جامعية وعاطلًا عن العمل، حظه الحسن أنه من مواليد ثورة يوليو، عاش فترة الأحلام العريضة والتحديات الكبرى، واتصل ببعض المثقفين وتأثر بهم، لكنه اكتشف بعد قليل أن الشعارات شىء والواقع شىء آخر.

عمل عاصم حنفى موظفًا بعض الوقت فى مصنع بإحدى مدن الدلتا، واكتشف أن أكثر الناس تشدقًا بالاشتراكية هم أشدهم نهمًا إلى المال العام، وأن أكثر العمال تشنجًا هو أقلهم عطاء وأبعدهم عن الثورية، استقال من المصنع، وآثر أن يعيش عاطلًا فى القاهرة!

فى بداية حكم السادات وجد له مكانًا فى جريدة تابعة لمنبر من المنابر ووجد نفسه فى الصحافة، ولكنه أخطأ البداية الصحيحة.. يحكى محمود السعدنى عن بدايات تلميذه الصحفية قائلًا: انهمك عاصم حنفى فى كتابة مقالات ثورية عن الحنجورى المتشامخ والشواى العليا للبرجوازية، ثم غادر مصر فى أواخر السبعينيات، وعرضوا عليه العمل فى الخليج، حيث الهدوء والفلوس.. لكنه رفض العرض وذهب إلى لندن وعمل محررًا فى مجلة 23 يوليو، ومن أول مقال «ثورى» كتبه اكتشف العبدلله أن مصر فى محنة بدليل أنها خلت من نوع «البقال» الأستاذ.

أما البقال فهو مكتشف نجوم كرة القدم فى عصرها الزاهر، كان عبده البقال يجوب الحوارى والنجوع والكفور بحثًا عن مواهب جديدة.. كان له عين صقر لا تخطئ الموهبة، وكان جاهزًا لتوريد كل أنواع المواهب، فى الهجوم والدفاع وحراسة المرمى.. وعلى من يريد الاتصال به أن يتصل به عند البقال، لم يكن فى بيت عم عبده العارف والخبير جهاز تليفون.

وبموت عبده البقال خلت ملاعبنا من المواهب، ويبدو أن الحال نفسه وصل إلى مجال الأدب والصحافة بعد أن رحل جميع البقالين، فلم يعد يوجد منهم أحد.. وعندما جاء عاصم حنفى إلى لندن كان لا يزال يلتزم بأسلوب الحنجورى، ولكن العبدلله لمح بين سطور الحنجورى عينًا ناقدة وساخرة، وروحًا قلقة لا يعجبها العجب، ولا الصيام فى رجب، وأشرت له على الطريق فاندهش واستنكر، ثم جرب نفسه مرة ومرة.. فإذا به يعثر على نفسه، وصار عاصم حنفى من الكتَّاب الساخرين، واستطاع أن يفرض سخريته على الصحف المصرية والعربية أيضًا.

هكذا يحكى السعدنى عن حنفى والذى كتب له مقدمة كتابه «بالطول والعرض.. رحلة إلى بلاد الخواجات».  وكما عاش عاصم حنفى فى حى المتناقضات واكتوى بنارها، إلا أنه لم يلجأ إلى الخداع لكى يعيش، فلم يكذب ولم ينافق ولم يبحث عن باب للارتزاق، وعندما اشتغل بالصحافة لم ينضم لجانب ضد جانب، ولم يرفع شعارات جوفاء، ولكنه انحاز إلى جانب الشعب، والتزم الصدق ودافع عما يعتقد أنه الحق.

وصل عاصم حنفى إلى قمة التناقض عندما التقى ببنت سويسرية واسعة الثقافة، صارمة النظام.. أحبت عاصم حنفى ابن حى المواردى وقررت أن تتبعه إلى آخر الأرض، سويسرية نقلته من أكل الطواجن والاكتفاء بأكل السلاطة، وحرمت عليه البدلة أم صفين، ونقلته إلى البنطلون والسويتر، وعلمته أن الحياة ليست مناظر أو مظاهر، ولكنها سلوك ثم مبدأ وهدف محدد.

السويسرية تزوجت عاصم حنفى، مع أنه فى علم الأجناس ينتمى إلى الجنس المضطهد فى الولايات المتحدة، ولعل هذه التوليفة التى فرضتها عليه الحياة هى التى شقت طريقه فى عالم السخرية ليصبح واحدًا من أبرز كتابها من الجيل الوسيط.

ومع اقتراب الذكرى الأولى لرحيلك ستظل الصاخب رغم الصمت!