أستاذ الوراثة البشرية بالمركز القومى للبحوث فى حوار لـ«روزاليوسف»: د.نجوى عبدالمجيد: أسهمت أبحاثى فى تحديد الطفرات الوراثية الشائعة المسببة للتوحد
نرمين ميلاد
تنجب مصر العديد من العلماء والعظماء الذين يبهرون العالم كله بتفوقهم واكتشافاتهم التى تخدم البشرية ولم تكن المرأة بمنأى عن هؤلاء، بل لدينا العديد من النساء اللاتى تفخر بهن مصر ولن ينساهن التاريخ أمثال هدى شعراوى وسميرة موسى وصفية زغلول ومفيدة عبدالرحمن وسهير القلماوى وأمينة السعيد وغيرهن، ولدينا أيضًا نموذج مشرف للمرأة المصرية وهى الدكتورة نجوى عبدالمجيد أستاذ الوراثة البشرية بالمركز القومى للبحوث.
أحبت الأطفال ودفعتها عاطفتها تجاه الأطفال ذوى الاضطرابات الجينية خصوصًا أطفال التوحد إلى الدراسة والبحث، وبالفعل تفوقت ونجحت فى الحصول على العديد من الجوائز المحلية والعربية والدولية وأصبحت من العلماء المتميزين على مستوى العالم.
وكان لروزاليوسف معها هذا الحوار:
ما اهتماماتك ودراستك؟
- كنت بالمدرسة أحب الموسيقى ولدى فريق موسيقى وأعزف المارش بالطابور وأعشق البيانو، كنت متفوقة بالمدرسة وأهتم بدراستى إلى أن حصلت على مجموع عالٍ فى الثانوية العامة فضغطت علىَّ الأسرة لدخول كلية الطب وخصوصًا والدتى، كنت أتمنى دخول معهد الموسيقى ولكن أبى والدى فالتحقت بكلية الطب، وبعد التخرج لم أرغب فى العمل بالطب والتعامل مع الأمراض والسخونة والدم، فاتجهت لعلم الوراثة والجينات فهى تحتاج إلى فكر وعملية حسابية ونسبة التكرار ونسبة المرض والأمراض المزمنة، رغم أنها تحتاج لجهد كبير وأحيانا تسبب تعبًا للأعصاب والنفسية للبعض ولكنى أحببت الدراسة بها، كما أحببت الأطفال الذين يعانون من المرض وشعرت بعاطفة ناحيتهم وأنهم بحاجة إلى المساعدة لذا سعيت للبحث والدراسة لمحاولة تقديم حلول تساعدهم وتخفف عنهم المعاناة.
كيف التحقت بالمركز القومى للبحوث؟
- فى الفترة التى تعينت بها كان المركز يطلب أطباء ينقلون سنة الامتياز على المركز، ولحصولى على تقديرات عالية تم تعيينى وجذبتنى الدراسة بعلم الوراثة والجينات، وتعلمت على يد الدكتورة سامية التمتامى وأبدعت بعد ذلك.
حصلت على العديد من الجوائز.. فما هى؟
- أول جائزة حصلت عليها فى الثمانينيات من نقابة الأطباء، جائزة الطبيبة المثالية على منطقة الجيزة، ثم حصلت على جائزة المركز التشجيعية ثم جائزة المركز التقديرية ثم جائزة التميز فى النشر العلمى ثم جائزة الدولة فى التفوق العلمى، وحصلت على جائزة لوريال -اليونسكو للمرأة فى العلوم عام 2002 وكنت أول امرأة فى مصر تحصل على هذه الجائزة وأول عربية تحصل عليها فى الشرق الأوسط وإفريقيا، وكانت عن مجمل الأبحاث فهى جائزة مخصصة للكبار فكنت فى الأربعينيات، قدمت آخر خمسة أبحاث بمجمل التفاصيل عنها، وكان معظم أبحاثى عن الطفل المنغولى وكيفية عمل تدخل مبكر ونزلت القرى ورأيت أطفالًا يعانون وغيرنا النظرة إلى هولاء الأطفال إلى حد كبير وبناء على هذه الأبحاث تم اختيارى للجائزة، بعد ذلك حصلت على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الطبية عام 2017، وتم تكريمى فى البحرين من ضمن أفضل طبيبات فى العلوم الوراثية والجينات والإعاقة، كما تم تكريمى فى يوم المرأة فى 2021 من السيدة انتصار السيسى حرم رئيس الجمهورية.
وأضافت: ترأست فى قسم الوراثة بالمركز على 470 شخصًا وأنشأت قسمًا جديدًا وهو بحوث الأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة، ففى التسعينيات فكرت أننى أستطيع أن أشخص المرض وأشرح أسباب المرض سواء زواج الأقارب أو غيره ولم يكن فى ذلك الوقت العلاجات الجديدة الموجودة الآن، فكنت أشعر بالضيق بسبب أننى لم أستطع أن أقدم لهم علاجًا وأريد أن أقدم لهم شيئًا، لذا فى 2003 أنشأت هذا القسم وملحق به العلاج الطبيعى والتخاطب واختبارات نفسية وتنمية ذهنية وتشخيص، فبناء على التشخيص نوجه الطفل سواء للتخاطب إذا كان هناك مشكلة باللغة، أو النفسية أو العلاج طبيعى، وأنشأت العديد من العيادات بوحدة الخدمات الطبية، وكان يطلق عليها الخدمات الطبية قبل أن تصبح مستشفى التميز، وكل عام عند تعيين طلبة جدد بالمركز نجد قبولًا لهذا القسم.
حدثينا عن مشروع ميد – نايت الدولى؟
- هذا المشروع لنشر العلم وفكرته أن العلماء يناقشون العلم ليس مع علماء ولكن يناقش العلم مع عامة الشعب، أى ينقل العلم من المكاتب إلى رجل شارع، وبالفعل يتم عمل دورات وندوات نتحدث عن الأمراض وكل طبيب فى تخصصه سواء الأمراض الوراثية أو الأمراض العادية أو التغذية، فى البداية تم اختيارى كباحثة قدمت العديد من الأبحاث المتميزة، وكنت ضمن فريق مكون من 11 طبيبًا وبعد ذلك تم اختيارى هذا العام كعضو فى لجنة التحكيم مع 6 آخرين من تونس وإسبانيا وتركيا وفرنسا وأمريكا وأنا الوحيدة من مصر فهو مشروع تابع للاتحاد الأوروبى وأفخر بأنه تم اختيارى كطبيبة مصرية للتحكيم مع الاتحاد الأوروبى.
فزت بجائزة عبدالحميد شومان للباحثين العرب 2021 فما تفاصيل حصولك على هذه الجائزة؟
- هى جائزة عن الأمراض الطبية وخصوصًا مرض التوحد وكان لدى أكثر من 30 بحثًا عن مرض التوحد تم نشرها وهذا أبهرهم، وكان الاختيار على مستوى الدول العربية، فكنت المرأة الوحيدة التى حصلت على هذه الجائزة، وللأسف تم الاحتفال على زووم بسبب الكورونا وتم إرسال الجائزة لى على dhl.
ما الجديد لدى د.نجوى عبدالمجيد عن التوحد؟
- نحن كفريق بمركز البحوث به مجموعة من الصيادلة متميزون فى النانوتكنولوجى انتهينا تقريبًا من بحث عن التوحد وعلاقته بنوع الغذاء، فعملنا بحثًا عن فيتامين د عند الأطفال فوجدنا أنه أقل من الطفل الطبيعى، فحاولنا إعطاءهم الفيتامين فلاحظنا أنه يعالج بنسبة ضئيلة جدًا وكانت النتائج غير مرضية خصوصًا لى، لذا اقترحت على الفريق أن نبحث لماذا لم يصل لهم الفيتامين بشكل طبيعى وبالفعل بحثنا فوجدنا أنه يتم تكسيره سريعًا فى الجهاز الهضمى عند تناوله بالفم كما أن قابليته للذوبان فى الماء ضعيفة جدًا، لذا لم يعط التأثير المرجو منه، ففكرنا بتوصيله بجزيئات النانو فتحافظ عليه من التكسير وتجعله قابلًا للذوبان بصورة حيوية وتم تجربته كمكمل غذائى، وأيضًا اختبرنا الطعم واللون لأن أطفال التوحد لديهم مذاق ورائحة خاصة بهم لما يتناولوه، فعملنا ما يتوافق معهم فى اللون والطعم وبالفعل حقق نتائج مبهرة جدًا، وظهر ذلك فى تغيير سلوكهم، ويعتبر ذلك أفضل كثيرًا من الأدوية التى يتم تناولها لمرض التوحد وما قد تسببه من هلوسة أو نعاس شديد أو غيره، وقدمنا لذلك براءة اختراع لأكاديمية البحث العلمى وقبل مبدئيًا كبراءة ولكن يتم دراسته حتى نحصل على القبول النهائى ونستطيع عمله للأولاد بعد ذلك كمكمل غذائى.
إذا كان فيتامين د. مهمًا للنمو وللجهاز العصبى بشكل عام.. فهل هو متوافر بأغذية معينة ننصح الأطفال عمومًا بتناولها؟
- فى أمريكا تم إضافة فيتامين د. بنسب كبيرة للموز فى الزراعات، والأطفال بطبيعتهم تحب الموز، وهذه فكرة جميلة، فى مصر نجده فى الألبان والزبادى ولبن الأطفال، غير المأكولات المعروفة بفيتامين د. ولكن الأطعمة لا توصل النسب المطلوبة، لذا ننصح الأطفال أول 3 سنوات أن يتناولوا فيتامين د لأنه له تأثير كبير على الجهاز المناعى، فهو يقوى مناعة الطفل ويزيد الدائرة الكيميائية للمخ فيزيد الاستيعاب للطفل أكثر من الطفل الذى لم يتناول الفيتامين، ومن خلال أبحاثى على الأطفال والأمهات وجدنا أن الأمهات لأطفال التوحد نفسها تعانى من نقص فيتامين د. فبدأنا نعطى الأمهات الفيتامين لتحسين صحتهن وإذا أنجبت طفلًا آخر لا يصاب بالتوحد، وأيضًا عملنا مشروع بالهندسة الوراثية على الحديد، فوجدنا أن الجين المسئول عن الحديد فى أطفال التوحد به خلل، لذا الفيتامينات مهمة جدًا لأطفال التوحد فهى تحسن السلوك وتهدئ الطفل، حيث إن الطفل المتوحد نجده أحيانًا يستيقظ ليلا ويصرخ أو يضرب نفسه أو يبكى بكاءً حارًا بدون أسباب مما يسبب قلقًا وانهيارًا بالأسرة، لذا تحسين سلوكه مهم جدًا.
واكتشاف المرض والبدء بالعلاج المبكر يحسن من حالته كثيرًا، وأهم مشكلة فى أطفال التوحد اللغة، لو تم الانتصار عليها يتحسن الطفل بنسبة كبيرة ويستطيع التواصل إلى حد ما بالمجتمع.
هل هناك دواء معين تأخذه المرأة أثناء الحمل تمنع إنجاب طفل متوحد؟
- مشكلة مرض التوحد أنه مرض وراثى بيئى، فمن الممكن أن يكون الجين موجودًا والبيئة ليس بها المشاكل التى تظهره فيعيش طبيعيًا ولم يظهر عليه التوحد، لذا تم عمل أبحاث على الأمهات ولكنها غير جازمة أن المكمل أو الفيتامين هو الذى يمنع التوحد، فنسبة التوحد1 % فى الأمهات التى أنجبت طفلًا متوحدًا فيما قبل ونسبة أن تنجب طفلًا طبيعيًا بعد ذلك 99% وهى نسبة كبيرة، لذا لا نستطيع تحديد ذلك حتى إذا أخذت الفيتامين أو المكمل الغذائى، لكن الفيتامينات والمكملات مهمة عمومًا فى الأم الحامل.
ما التحديات التى تواجه البحث العلمى فى مصر؟
- هناك تحديات كثيرة، هناك مجلات دولية كثيرة لا تثق بنا، وحتى نقوم بنشر البحث فى هذه المجلات نشترك فى البحث مع أحد الأجانب حتى نضمن نشره فى مجلة متميزة، وبعد فترة من النشر تبدأ المجلة تقتنع بأبحاثك وتستطيعين النشر وحدك بعدها، الأبحاث فى مصر تحسنت كثيرًا وبدأت تنشر فى مجلات مهمة ذات قيمة، فهناك تقدم ملموس فى البحث العلمى آخر عشر سنوات، فالنشر الدولى هو ما يعرفك على العالم ويعرف العالم بك ويزيد معدل عملك ويبدأ التعاون مع الخارج.
ما العوامل التى تساعد الشباب على النجاح والإبداع فى مجال البحث العلمى؟
- الاجتهاد والمثابرة والصبر، وأهم شىء أثناء البحث الفكرة الطائرة، فإذا حضرت فكرة فى أى وقت لا تتركها بل تمسك بها، فأحيانا عند العمل وسط فريق تأتى فكرة طائرة فنتبناها وتصبح إنجازًا عظيمًا، فتمسكى بالأفكار العلمية الطائرة التى تأتى فى لحظات، والنقطة الأخرى المهمة أن يكون البحث جديدًا يركز على معلومة جديدة، وهذا يحتاج إلى دورات تدريبية وبالفعل النظام فى مصر آخر خمس سنوات فى البحث العلمى تغير كثيرًا، بدأت أكاديمية البحث العلمى بعمل دورات ومشاريع كبيرة وتقديم مبالغ طائلة، فالبحث حتى يحدث به إبداع يحتاج أموالًا كثيرة وبالفعل توفر ذلك قيمة الإبداع، فالمنظومة الحديثة جمعت كل الباحثين تحت مظلة واحدة «أكاديمية البحث العلمى»، وتعمل على تدريب كوادر بحثية وهذا يجعلنا نصل لأبحاث تخدم المجتمع، فقد تحاربين فكرًا بالمجتمع أو تقضين على ظاهرة أو مرض من خلال هذه الأبحاث مثل ما حدث فى محاربة فيروس سى، وأيضًا تسويق الإنتاج العلمى مهم جدًا، مثل إنتاج فيتامين د. بطريقة النانو، حتى يتم تسويقه لابد أن تتبناه شركات الأدوية، فالتسويق فى مصر أيضًا بدأ يكون له قواعد وقوانين، ونتائج الأبحاث العلمية تسوق على مستوى عالِ وهذا ما يساعد الابتكار وينجح العمل البحثى الحديث فنستطيع إنتاج علاج أو دواء أو ابتكار جديد يخدم المجتمع.
نحن فى العصر الذهبى للمرأة..ما رسالتك للمرأة بشكل عام فى الوقت الحالى؟
- أتمنى أن كل امرأة تمسك ورقة وقلمًا وتكتب ما تريده، وتبدأ تحقيقه خطوة بخطوة حتى تصل إلى مبتغاها، فتصل إلى أعلى المستويات بالدعم والثقة.







