الأربعاء 7 ديسمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
الإخــوان وطريق النهاية

الإخــوان وطريق النهاية

كنت من هؤلاء الذين لم يهتزوا بدعوات 11/11، فهى دعاوى إفلاس، سواء من قنوات وصفحات ومواقع تابعة للإخوان، حتى لو تقنَّع بعض أصحابها بعبارة باتت مكشوفة «أنا مش إخوان ولكن»، أو من هاربين فى الخارج لهم ارتباطات خاصة ومصالح خارجية، ولعبوا على استغلال ظروف اقتصادية صعبة يمر بها المصريون، ونسوا أن المصريين تعلموا الدرس جيدا، وإذا غضبوا من شىء داخل وطنهم، يحلونه داخل وطنهم دون دعوات فوضى وتحريض خارجى على التخريب، فهم عاشوا أعواما سوداء فقدوا فيها الأمن والطمأنينة واستباح الإرهابيون والمتطرفون والمجرمون وأصحاب السوابق أيامهم وحياتهم، ولن يسمحوا بها مرة أخرى.



السؤال الذى يشغلنى دوما: كيف نضمن ألا يعود كابوس الإخوان إلينا ولو حتى فى صورة دخان عابر؟

فى الحقيقة لا أخشى الإخوان تنظيما، فالتنظيم منذ قرار محمد فهمى النقراشى بحله فى ديسمبر 1948، انعدم وجوده قانونيًا، وأصبح وجوده على الأرض مخالفا للقانون، وحين اصدرت ثورة يوليو قرار حل الأحزاب فى يناير 1953، لم يشمل «الإخوان»، وكان هذا طبيعيا، لأنهم لم يكونوا حزبا سياسيا، كما أن قرار النقراشى لم يلغ أبدا، وتسلل نشاط الجماعة من باب المواءمات السياسية لأكثر من 62 سنة، فكانت السلطات تتغاضى عن هذا النشاط بصفقات واتفاقات، بالرغم من وصفها بأنها «محظورة قانونا».

لا أخشى التنظيم لأنه مطارد قانونا، والانضمام إليه جريمة ثقيلة، خاصة بعد أن صنفتها الحكومة رسميا «تنظيما إرهابيا».

لكن المقلق هو «الفكرة»، صحيح أن الأفكار لا تموت، ولكن يمكن أن تصبح فكرة هامشية مهجورة، لا تستطيع أن تقيم لنفسها كيانا، ولنا نماذج فى التاريخ الإسلامى: الخوارج والقرامطة والحشاشون.. إلخ، التنظيمات ماتت وانسحبت الأفكار المؤسسة إلى سحابات هائمة لها أتباع مهمشون.

 هل يمكن أن يحدث هذا مع الإخوان؟

بالقطع بدأنا مع التنظيم وقطعنا شوطا جيدا فيه، لكن لا يعنى هذا أن نكسل أو نهدأ حتى يتفتت تماما ولا يبقى منه إلا شراذم.

تبقى الفكرة..

والأفكار تعدلها البيئة الثقافية والاجتماعية والعقل الجمعى..

وهذا ما يجب أن نشتغل عليه..

أولا: أن تظل الدولة عونا داعما للطبقات محدودة الدخل، خاصة فى زمن الأزمات الاقتصادية، لماذا؟، لأن محدود الدخل هو الأكثر عرضة لأوجاع التضخم من أى فئات آخرى، فهو لا يستطيع أن يعالج أموره المعيشية بدخل ثابت مع ارتفاع الأسعار، فى المقابل توجد مهن ووظائف كثيرة قادرة على تعديل دخلها، ممن يعملون فى مؤسسات خاصة كبرى أو يمارسون مهنًا حرة، فالطبيب مثلا يرفع رسوم الفيزيتا ومعه المدرس الخاص والميكانيكى والسباك والجزار والكهربائى.. إلخ، باختصار كل من يستطيع أن يرفع أسعار خدماته وسلعه وهو ضامن الإقبال عليها.

وهذا الدعم لمحدودى الدخل يسد باب الذرائع أو الثغرات التى يتسلل منها «صاحب الفكرة» إلى محتاجى المساعدة، ويؤثر على أفكاره وتوجهاته، ويظهر نفسه أمامه فى صورة «الطيب العادل»، وهو ما صنعه الإخوان فى عصر الرئيس حسنى مبارك، فانتشروا فى الشارع المصرى، مراكز صحية ومراكز دروس خصوصية ومساعدات غذائية.. إلخ.

ثانيا: أن نستكمل مسيرة تحديث التعليم وإصلاحه مهما كانت التكاليف، فعوائد التعليم سواء فى بناء العقل والمهنة والكفاءة على المدى الطويل، أعلى قيمة من أى تكاليف، فالتعليم الجيد يعيد تشكيل الحياة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ويقلل من عوادم التشغيل اليومية.. باختصار هو رافعة المجتمع الأهم.

ثالثا: وهوعنصر شديد الأهمية.. تجديد الفكر الدينى، لتنقية تراث تبعه المسلمون على مدار تاريخهم، وأوردوا فيه أفكارا هى التى صنعت الإخوان وكل التنظيمات الدينية المتطرفة، أو ساهمت فى بناء عقول ضيقة بعيدة عن زمانها وعصرها ومفاهيم التقدم بعدا كبيرا. 

وهذا الجزء من التراث يمثل «مثلث برمودا» الذى إذا دخله أى مسلم ابتلعه، ويصعب إنقاذه.

وإعادة النظر فى بعض تراثنا الدينى، ليس بنيّة إعلان الحرب عليه، وإخراجه من حياتنا كليًّا، وإنما بنيّة البحث والفهم والتنقية والتفرقة بين الصالح من الطالح، الأصل من الفرع، الجوهر من الهوامش، النفيس من الرخيص.

والمدهش أنّ الكلام عن تحديث الخطاب الدينى، انخرط فيه المجتمع كله تقريبًا، بمن فيه من رجال دين، رجال دين تسبّب عدد غير قليل منهم فى الحالة التى تمسك بتلابيب المسلمين، وتشعل فيها الحرائق والأزمات والتراجع الحضارى الرهيب.نعم هؤلاء يتكلمون فى تحديث الخطاب الدينى، لكنْ بشرط أن يبتعد المثقفون والمفكرون عن الدين، ويتركوا المهمة للشيوخ والدعاة.

لكن الغريب أن أغلب مَن تكلم عن هذا التحديث، لم يشخِّص المرض تشخيصًا صحيحًا ويحصر الأزمة فى جماعات متشددة أو متطرفة، تكفّر الآخرين، أو تقتل باسم الشرع، أو تطلب الجزية من غير المسلمين، أو تمنع السلام أو تهنئة الأقباط بأعيادهم، أو تنتظم فى تشكيل مسلح جهادًا لتأسيس دولة الخلافة.

وأعترف بصحة ما قاله بعض أساتذة الأزهر، بأن تلك الجماعات تستغل الأمية الدينية فى نشر تطرفها ومفاهيمها الدينية المغلوطة.

لكن هذا التشخيص يتجاهل عمدًا نمو الأفكار المتشددة عند كثير من المسلمين العاديين.. وهُم الأهم.

وبالرغم من تشخيصهم الخاطئ، أختلف معهم فى تعريف الأمية الدينية، فمن المؤكد أن كل المسلمين على علم تام بأركان الإسلام الخمسة بما فيهم من يرتكب المعاصى كبيرها وصغيرها، أى يعرفون كيف يتلون الشهادتين ويصلون ويصومون ويزكون ويحجون، لكنهم يتفاوتون فى أداء الفرائض والإخلاص فيها. مع تسليمنا بأنّ هناك فارقًا بين العلم بالدِّين، والالتزام بفروضه وتعاليمه التزامًا متكاملًا فى كل جوانب الحياة.

إذن كيف نحدد معنى الأمية الدينية؟ هل هى تتعلق بتعاليم الدين ومقاصده، أم فى فهم علاقة الدين بتيسير أمور الحياة اليومية وتسيسها؟

هذا مهم للغاية، كى ندرك طبيعة تجديد الفكر الدينى المطلوب وكيف نطور الخطاب الدينى الشائع على ألسنة الناس، هل التجديد يمسّ تعاليم الدين ومقاصده، أم فى فهم العلاقة بين الدين والحياة بالطريقة التى تجعل الحياة أكثر أمنا وسعادة وإعمارا؟

وهنا مربط الفرس، أو أصل الاضطرابات والأزمات التى تحيط بالمسلمين فى كل الدنيا ونحن منهم، وربما نحن أولهم بحكم دور مصر التاريخى فى الدعوة الإسلامية.

شيوخنا يقولون لنا منذ الصِّغر إن الإسلام يحوى كل شىء، ولم يدع شيئًا للبشر إلا ونظّمه: سياسة واقتصاد واجتماع وثقافة ورياضة وفنون وإدارة وطب وعلوم.. إلخ، وإننا بمجرد أن نؤسس دولة على هذه النظم التفصيلية الواردة فى القرآن والسنة، ستسود العالم حتمًا ونحقق مشيئة الله، ويضربون لنا الأمثال، بعصر الخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية، وربما بالدولة العثمانية التى سقطت خلافتها فى 1924.

والسؤال الذى يجب أن نبحث له عن إجابة؛ لتكون مدخلًا إلى إحداث ثورة فكرية دينية، وليس مجرد تحديث الخطاب: هل ما قيل صحيح أم غير صحيح؟ هل ما ورد فى كتب التراث عن علاقة الدين بتسيس أمور الحياة صحيح وله أصول فعلية، أم هو تعسف فى الاستدلال والاستنتاج، تعسف جرّ وبالًا على الأمة؟

وقطعًا لا نريد ولا نجرؤ على إبعاد الدين عن الحياة وحبسه فى الشعائر والعبــادات بعيدًا عن أمور حياتية، لكن نريد أن نفهم هذه العلاقة فهمًا صحيحا، يُتيح لنا أن نتصالح مع الحياة لا أن نعاديها، وأن نحرِم الذين يرتكبون جرائم باسم الدين، من إضفاء قداسة على أفعالهم، التى وصلت إلى حدِّ قرنِ الإرهاب بالإسلام، وهو دين رحمة ومساواة وحرية وتعاون وحض على الفضيلة ومكارم الأخلاق.

وإجابة السؤال الصعب عن تاريخ المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، هو مفتاح المتاهة، وكلمة السرّ للسلام مع النّفْس والعالم، فهل نفتح هذه الصفحات ونعيد النظر فيها؟

إن تجديد الفكر الدينى هو قطع طريق على التشدد والتطرف والتنظيمات التى تشبه الإخوان.