الخميس 29 سبتمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

من عملية عسكرية إلى أزمة اقتصادية حرب الطاقة تشعل القارة العجوز

جولة جديدة من جولات الصراع بين «روسيا» والغرب، التى تشتعل على أثر العملية العسكرية الروسية فى «أوكرانيا»، إذ يمر يوم تلو الآخر ولا تزال الأزمة تزداد تعقيدًا فى الشمال، لاسيما بعد قرار مجموعة الدول الصناعية السبع (G7) بوضع حد أقصى لسعر الغاز الروسى، مما أثار غضب الدب الروسى.



ففى غضون ساعات، ردت «موسكو» من خلال شركة «غازبروم»، بإغلاق خط أنابيب الغاز الحيوى «نورد ستريم-1» المتجه إلى «ألمانيا» لأجل غير مسمى؛ بينما حذر المتحدث باسم (الكرملين) «ديمترى بيسكوف» من أن «روسيا» ستوقف الصادرات إلى الدول التى ستنضم إلى الجهود المبذولة لوضع حدود للأسعار؛ قائلًا:

«ببساطة.. لن نتعاون معهم فيما يتعلق بالنفط على مثل هذه المبادئ غير السوقية».

 خلفية الأزمة

ارتفعت أسعار الغاز والنفط، فى اليوم الأول للعملية العسكرية الروسية فى «أوكرانيا» فى الـ24 فبراير الماضى، وسط مخاوف من تخفيض محتمل فى الإمدادات.

وفى 8 مارس الماضى، حددت المفوضية الأوروبية مقترحات لتقليل اعتماد «الاتحاد الأوروبى» على الغاز الروسى بمقدار الثلثين قبل نهاية عام 2022، كجزء من خطة للاستقلال عن جميع أنواع الوقود الأحفورى الروسى قبل عام 2030.

وكرد فعل، منع الرئيس الروسى «فلاديمير بوتين» -فى 23 مارس الماضي- عملاء الغاز الأوروبيين من دفع فواتيرهم بعملتى (الدولار، واليورو)، ردًا على تجميد حوالى 300 مليار دولار من احتياطيات العملة، التى تحتفظ بها «روسيا» فى الخارج؛ مؤكدًا أن «موسكو» لن تقبل إلا بالدفع بالعملة الروسية (الروبل) من الدول التى وصفها بـ(غير الصديقة)، بما فى ذلك دول «الاتحاد الأوروبى»، وهو ما دفع المفوضية الأوروبية لتحذير أعضاء الكتلة الأوروبية من أن دفعهم بالروبل سينتهك العقوبات الدولية المفروضة على «موسكو».

وبالفعل، فى 27 أبريل الماضى، قطعت شركة «غازبروم» الروسية إمدادات الغاز عن «بلغاريا، وبولندا»، فى خطوة وصفتها رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لاين» بأنها ابتزاز.

وعليه، قدمت المفوضية الأوروبية خطة (ريباور إى.يو) -فى 18 مايو الماضى- بقيمة 300 مليار يورو، من أجل القضاء على واردات الطاقة الروسية بحلول عام 2027. وتضمنت الخطة ثلاثة عناصر رئيسية، وهى: توفير الطاقة، وتعزيز مصادر الطاقة المتجددة، وتنويع الإمدادات الأوروبية من النفط والغاز.

ومع ذلك، لم يثنى هذا «موسكو» عن تحركاتها.. ففى يوم 21 مايو الماضى، قطعت «روسيا» الغاز عن «فنلندا»، التى رفضت الدفع بالروبل، وطلبت -أيضًا- الانضمام إلى حلف شمال الأطلسى (ناتو). وبعدها، تم قطع الغاز عن «هولندا، والدنمارك» لرفضهما –أيضًا- الدفع بالعملة الروسية.

وفى منتصف يونيو الماضى، قطعت شركة «غازبروم» الروسية بشكل كبير إمدادات الغاز اليومية إلى «ألمانيا» عبر خط أنابيب «نورد ستريم»، مما تسبب فى ارتفاع الأسعار، مستشهدة بمشكلة فنية، لتخفض عمليات تسليم الغاز بنسبة 40 %، ثم 33 % أخرى.

وخلال الأسابيع التى تلتها، بحث أعضاء «الاتحاد الأوروبى» طرق لتعويض إمدادات الغاز المتضائلة، إما عن طريق إيجاد موردين جدد، أو التحول إلى مصادر طاقة بديلة؛ بينما استمر الشد والجذب بين الجانب الروسى والأوروبى خلال تلك الفترة، حتى وصل الأمر لقرار الـ(G7) المذكور سابقًا، ورد فعل «موسكو» عليه.

صحيفة «الجارديان» البريطانية علقت أن حرب الغاز بين «روسيا» والغرب استعرت بعد أسابيع طويلة من التوتر المحتدم بين الطرفين؛ مضيفة أن تلك الحرب تحمل الكثير من النذر السيئة فى ظل سعى الغرب لتقليص عوائد «روسيا» من صادرات الغاز، من أجل عرقلة تمويلها للعملية العسكرية الروسية فى «أوكرانيا»، فى الوقت الذى تسعى فيه «موسكو» إلى حرمان قارة «أوروبا» بأسرها من الغاز الروسى.

وأوضحت الصحيفة البريطانية أن هذا الصراع- الذى لا يمكن التنبؤ بنتائجه- يدفع كلا الطرفين إلى اللجوء لاستخدام أسلحة غير تقليدية ومنها الحرب الاقتصادية، مما يؤدى إلى اتساع نطاق تلك الحرب لتشمل قطاعات أخرى خارج ميدان القتال على الأرض.

ورأت «الجارديان» أن قرارات «موسكو» تلك تختبر مدى صلابة الدول الغربية فى تحمل عواقب مواقفها المساندة لأوكرانيا، والتى قد تصل إلى قطع الكهرباء عن «أوروبا» بالكامل؛ معلقة أن نجاح تنفيذ قرار مجموعة الدول الصناعية السبع مرهون بمشاركة دول أخرى محايدة، مثل: «الهند»، حتى لا تجد «روسيا» أسواقًا بديلة لصادراتها من النفط.

 عما أسفرت العقوبات الغربية  على «موسكو»؟

رغم الجهود المبذولة لإعاقة صادرات «موسكو» من الطاقة، فإن مزيجًا من الاعتماد الكبير على الطاقة الروسية فى العديد من قبل دول «الاتحاد الأوروبى»، والطلب القوى من دول، مثل: «الهند، والصين»، لم يوقف تدفق الأموال إلى «روسيا».

ففى الوقت الذى انخفضت فيه صادرات النفط الروسية، فإن الزيادة فى سعر النفط جلبت لموسكو نحو 66 مليار دولار على الطاقة المصدرة على السفن، وعبر خطوط الأنابيب، منذ بدء العملية العسكرية الروسية فى «أوكرنيا»، وفقًا لوكالة «رويترز»؛ بينما أفادت وثيقة لوزارة الاقتصاد الروسية، بأن ارتفاع حجم صادرات النفط، إلى جانب ارتفاع أسعار الغاز، سيعزز أرباح «روسيا» من صادرات الطاقة إلى 337 مليارًا و500 مليون دولار هذا العام، بزيادة قدرها 38 % عن 2021.

من جانبه، علق وزير الاقتصاد الألمانى «روبرت هابيك» أن شركة «غازبروم» لا تعانى، إذ ارتفعت أسعار الغاز بنحو 10 أضعاف عن مستواها قبل عام، وسجلت صافى ربح قياسى بلغ 41.3 مليار دولار فى النصف الأول من هذا العام.

وخلال الفترة الأخيرة، سلطت وسائل الإعلام الغربية الضوء على تداعيات أزمة الطاقة التى تزداد حدة النمو تلو الآخر، منوهين إلى أن العقوبات الغربية لم تسفر -حتى الآن- إلا عن تصارع الحكومات الغربية مع أزمة تؤدى إلى التضخم يسجل مستويات غير مسبوقة..فعلى سبيل المثال، علقت صحيفة «ذا صن» البريطانية أن «روسيا» الخاضعة للعقوبات تنخفض فيها تكاليف الغذاء كل شهر، بينما يعانى البريطانيون من ارتفاع فى التضخم والأسعار؛ مشيرة إلى أنه بعد ستة أشهر من الأزمة الروسية الأوكرانية، يدفع البريطانيون ثمن الأزمة عبر ارتفاع تكاليف المعيشة، فى الوقت الذى يشعر فيه السكان المحليون فى «موسكو» بالتفاؤل.

وأوضحت الصحيفة البريطانية أن أسعار المواد الغذائية فى «الممكلة المتحدة» ارتفعت فى أغسطس الماضى إلى 10.5 % على أساس سنوي؛ بينما انخفضت أسعار المواد الغذائية فى «روسيا» منذ بداية العام بنسبة 11.3 %. أما وكالة «بلومبرج» فقط أوضحت أن 6 من 10 مصانع فى «بريطانيا» قد تغلق أبوابها، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة الكهربائية. ونقلت الوكالة عن رابطة المصنعين البريطانيين «ميك يو.كيه» أن المصانع البريطانية شهدت زيادة فى فواتير الكهرباء بمقدار أكثر من 100 % خلال العام الماضى. ويأتى هذا بالتزامن مع رفع الحد الأقصى لفواتير الكهرباء للمستهلكين فى «بريطانيا» بمقدار 80 % ابتداءً من 1 أكتوبر المقبل، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة العالمية.

أما رئيس وزراء منطقة «ساكسونيا» الألمانية «ميخائيل كريمتشر»، فقد أكد أن الاقتصاد الألمانى يحتاج إلى الغاز الروسي؛ موضحًا أن نقصه أدى لارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام.

يأتى هذا فى الوقت الذى أغلقت فيه أكبر مجموعة لإنتاج الصلب فى «أوروبا»، «أرسيلورميتال» مصنعى إنتاج فى شمالى «ألمانيا»، بسبب الارتفاع الحاد فى أسعار الطاقة؛ قائلة إنه اعتبارًا من نهاية سبتمبر الجارى ستغلق المجموعة أحد أفران الصهر فى موقع الصلب المسطح فى مدينة «بريمن» الألمانية حتى إشعار آخر.

وأضافت أنه فى مصنع الفولاذ الطويل فى «هامبورج» سيتم إغلاق مصنع الاختزال المباشر، اعتبارًا من الربع الرابع من هذا العام، بسبب الوضع الحالى والتوقعات السلبية للأرباح؛ موضحة أن الارتفاع الباهظ فى أسعار الطاقة له تأثير هائل على القدرة التنافسية لإنتاج الصلب.

وفى السياق ذاته، أظهر استطلاع أجرته وكالة «رويترز» خلال الفترة من 29 أغسطس الماضى إلى سبتمبر الجارى أن «ألمانيا» ستشهد ثلاثة أرباع متتالية من النمو السلبى بدءًا من الربع الحالى، حيث يعتمد قطاعها الصناعى بشكل كبير على الغاز الروسى.

وبالنسبة لمؤسسة «جولدمان ساكس»، فقد توقعت أن ترتفع أسعار الغاز الطبيعى فى «أوروبا» قرب مستوياتها القياسية التى سجلتها خلال شهر أغسطس الماضى، بعد إعلان «روسيا» عدم استئنافها خط أنابيبها الرئيسى إلى «أوروبا».

ورجح محللو الاقتصاد أن قطع الغاز الروسى قد يؤدى إلى تفاقم أزمة الطاقة فى «أوروبا»، ويؤدى إلى مزيد من الزيادات فى أسعار الوقود، وتصاعد التضخم، والتأثير على سبل العيش.

من جانبها، قالت وكالة التصنيف الائتمانى «فيتش»، إن «منطقة اليورو» على وشك الركود، بسبب تعطل واردات الغاز الروسى، ونقص البدائل قصيرة الأجل؛ مؤكدة أن الحظر الكامل لصادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب الروسية إلى «أوروبا» - الذى سيخفض الناتج المحلى الإجمالى فى عام 2023 بما يقدر بنحو نقطة ونصف النقطة إلى نقطتين مئويتين - يبدو الآن مرجحًا بشكل متزايد؛ متوقعة أن يؤدى هذا إلى ركود يبدأ فى النصف الثانى من العام الجارى، حيث تشهد «ألمانيا، وإيطاليا» انكماشًا فى الناتج المحلى الإجمالى فى عام 2023.

على كل، يستمر المسئولون الأوروبيون فى عقد لقاءات وقمم طارئة، من أجل معالجة هذه القضية قبل دخول الشتاء. ومع ذلك، لا تزال دعوات الحد من عائدات الغاز الطبيعى لروسيا متزايدة، فى وقت تتعهد فيه «موسكو» بتمسكها بموقفها تحت راية الدفاع عن النفس، ما ينبئ بتوقعات قاتمة خلال المستقبل القريب مع استمرار الأزمة بين الطرفين، فى الوقت الذى ينتظر فيه العالم ارتفاعًا آخر فى أسعار الطاقة، وما قد يتبعه من أزمات أخرى تتمثل فى ارتفاع أسعار السلع الأخرى، وزيادة التضخم حول العالم.