الثلاثاء 5 يوليو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

روايــة سوناتا عزيزة "الحلقة الثالثة"

فالس الربيع



Waltz sprin

Chopin

عزيزة هانم المنيرى

عزبة السعداوى 2008

للأيام الأخيرة رائحة مثل رائحة الأيام الأولى، وتختلفان عن رائحة كل الأيام، وما بين الأيام الأولى والأخيرة، يجرى العمر الذى نعيشه دون أن نتذكر لحظة البداية ودون أن نتوقع وقت النهاية.

بين اللحظتين البداية والنهاية يجرى العمر، وكل همنا أن نعيشه كأننا سنعيش أبدًا، رغم إدراكنا العميق أنه سينتهى حتمًا، نعيش الحياة لا نفكر من نحن، واهمين أننا نعرف، حتى تباغتنا لحظة محيرة تجبرنا على أن نفكر فى أنفسنا ووجودنا وجذورنا وحكايتنا التى نعيشها، وقت أن ندرك أننا نعيش الحياة، ونحن لا نعرفها فعلاً ولا حتى نعرف أنفسنا.

من أنا وكيف ولماذا؟ أسئلة صعبة تطرحها علينا أحيانًا أيام العمر، البعض منا من حسن طالعه يعيش ببساطة بلا أسئلة ويرحل بلا إجابات، والبعض منا تلاحقه الأسئلة وتراوغه الإجابات، ويعيش عمره يبحث ويبحث، حتى تنتهى رحلته فيترك خلفه سيرته وأيامها، لتمنح لمن قد يهتم بها، الإجابات الصعبة للأسئلة الأصعب التى مر العمر كله بعدما حيرتنا ولم نعثر عليها.

هذه هى الأفكار التى كانت تطن فى رأسى وقت أن انتهيت من قراءة كل الأوراق التى عثرت عليها فى صندوق جدتى، بعدما تركته مغلقًا على حاله عشرين عامًا وأكثر خوفًا مما قد أعرفه عن أشباح الماضى وأوجاعه، أكوام من الأوراق القديمة فوق بعضها، عبثية الوجود والترتيب، جمل مبعثرة بلا سياق ولا شرح، خطابات بالية قديمة، ودفاتر مكتظة بحكاياتها، ومظاريف مطموسة العناوين والأسماء، أوراق مليئة بالحكايات التى تكمل بعضها، كتبها غرباء لم يلتقوا ولا يعرف بعضهم بعضًا، لكنهم جميعًا يكمل بعضهم لبعض ويكملون لى الحكاية، كانوا وظلوا غرباء لا يربط بينهم جميعًا إلا أنا، من أنا؟ 

من أنا؟ هذا هو السؤال الصعب الذى تركت الإجابة عنه لعزيزة، وأوصيتها قبل أن تتلاشى بقايا عقلى، ويغيب عنى وأغيب عن الوجود للمرة الأخيرة، قبل أن يتوه الوعى والإدراك فى تلافيف المرض الصعب، الذى اكتشفت فى لحظة انتباه قصيرة عارضة إصابتى به ومعاناتى معه – أوصيتها أن تبحث عن إجابة السؤال الصعب وتعرف كل الحكاية التى لا أعرفه.

أوصيتها أن تعرف من أنا، فوعدتنى بحنان ومحبة أن تحقق رجائى، وصدقتها وغفوت، وأظننى لم أستيقظ مرة أخرى، ربما استيقظت ولا أتذكر، وربما لم أستيقظ قط بعدما وصلت إلى محطتى الأخيرة، ربما ما أقوله الآن هذيان غياب العقل، وربما لا أقوله أصلاً وأعيش هلوسة لا أفطن لها، ربما أتصور وهمًا، أننى وبعدما نفدت أيام العمر ووصلت إلى محطتى الأخيرة، ما زلت قادرة على أن أحكى وأتحدث، وأنا فى الحقيقة لا أتحدث ولا يمكن لى فعلاً، لأن عقلى تلاشى وتحلل، وذاكرتى ضاعت وأفكارى تاهت ومعانى الكلمات استعصت على فهمى، ربما، ربما، ربما، لا أعرف ولا أملك ما أعرف به أى شىء حتى بقائى حية أو رحيلى للأبد. فى ذلك النهار البعيد، وفى لحظة انتباه مؤقت، كنت أجلس فى سرايا السعداوى على مقعدى فى الشرفة البحرية فى بدايات النهار، لا أعى شيئًَا كعادتى، لكنى فجأة انتبهت لصوت العصافير العالى ونغماته اللطيفة، فتحت عينى دون اندهاش ولا استغراب كأنى كنت فى غفوة قصيرة لمحتها تجلس أمامى منشغلة بكتابها وأفكاره، ابتسمت لها فابتسمت لى مرتبكة لا تصدق ما تراه. 

سألتها بصوت استغربته: هى الساعة كام؟ قفزت من مكانها واحتضنتنى صامتة لا تقوى على الكلام، أفهم ما تحسه وما يرتسم على ملامحها الغريبة، لا تصدق أنى أعرفها وأعرف نفسى وأعرف معنى الزمن والوجود، لا تصدق أنى عدت فجأة لوعيى ونفسى، بعدما سقطت منذ وقت طويل فى جب الغياب اللعين وتوهان العقل وذهاب الإدراك. 

قال لها الطبيب الذى نسيت اسمه، منذ وقت لم أعد أعرف زمنه، إنى أعانى مقدمات الألزايمر، وقبل أن ندرك المقدمات وطبيعتها الغادرة، داهمتنا النهايات بتوحشها القاسى، فإذا بى أنسى كل ما أعرفه، وأنسى نفسى وأنساها.

أيام وربما سنوات، أجلس أحدق إلى وجوه من لا أعرفهم، وأنظر إلى كل التفاصيل حولى لا أعرف سبب وجودها ولا معناه، فى داخل رأسى الذى نسيت اسمه ووظيفته، يلاحقنى طنين وصخب غريبان، كل الألوان تتداخل، وكل الأصوات تتشابك، وكل المعانى تتبعثر، وأنا أو هكذا كنت أظن وقتها – كنت أحاول فى وسط كل هذا الزحام والصخب أن أعرف معنى أى شىء، لينتشلنى من الحالة الغريبة التى لا أفهمها ولا أفهم أصلاً معنى فهمها.

كثيرًا ما ضبطت نفسى أتمتم أنى قد رحلت عن الدنيا التى أعرفها، وأنى أجلس فى مقعد الانتظار، أنتظر ما لا أعرفه، حتى هذه الفكرة الغريبة، كانت تتلاشى بسرعة من إدراكى، فأبقى أفكر طويلاً فى اللا شىء، هذا اللا شىء كان يستفزنى – أو هكذا كنت أتصور، يستفزنى لأشحذ كل طاقتى وقوتى وإدراكى، لأطفو على السطح فراراً من كل الركام الهائل من الفراغ الذى يوارينى تحته، يستفزنى اللا شىء فأتشاجر مع نفسى ومع اللا شىء لأفر منه، لكنى قط لم أفلح.

سألت عزيزة ذات لحظة يقظة قصيرة، أدهشتها وأدهشتنى، كيف أقضى وقتى والمرض ينهش فى وجودى؟ كيف أعيش حالة التلاشى واللاشىء؟ أظننى كنت أهذى، وأقول لها كلامًا غير مفهوم لها ولا لى، الغريب أنها فهمت قصدى، وارتبكت وبكت، وقالت إنى طيلة الوقت أحدق إلى الفراغ. ابتسمت ساخرة من مرضى وعبثيته الغريبة، ووافقتها، وأقسمت لها أن هذا الفراغ الذى أحدق إليه، يعتقلنى بين طياته الثقيلة، وإنى لا أقوى على الفرار منه.

هزت عزيزة رأسها بأسى كأنها تفهم قصدى، بعدها غفوت أو نسيت أو مت، لا أعرف بالضبط، أيضًا لم أعرف كيف انتهى حديثنا ولا ماذا حدث بعدها غالبًا عدت إلى الفراغ واللا شىء اللذين أحدق إليهما، وتركتها تنظر إلىَّ بأسى وشفقة وتدعو لى - رغم يأسها – بالشفاء من الفراغ والنجاة من طياته الثقيلة، لكنى لم أشف ولن أشفى، فقط أعود أحيانا، ولوقت لا أعرف زمنه، إلى الحياة والانتباه والذاكرة، قبل أن يلتهمنى الفراغ مرة جديدة، فلا أدرك حتى أنه قد التهمنى وإنى أحدق إلى اللا شىء.

اليوم فررت فجأة من طيات الفراغ، وعدت على نغمات زقزقة العصافير إلى مقعدى الذى أستريح عليه، والشرفة التى أحبها، والسرايا التى قضيت فيها معظم حياتى، اليوم عدت إلى عزيزة التى منحتها لى الحياة ابنة من رحم الحياة، زقزقة العصافير أعادتنى إلى انتباه لم أفهم وقتها سر سعادة عزيزة به، كنت أظنه انتباهًا ووجودًا عاديًا أعيشه مثلما يعيشه كل البشر الآخرين، بعدما نسيت وقت الانتباه المؤقت كل لحظات الغياب الطويلة التى اعتقلتنى فى دواماتها.

احتضنتنى عزيزة فرحة بعودتى، هذا ما قالته لى، والدهشة تلاحق قبلاتها الحانية، أتمنى أن أسألها عن سر الحفاوة والفرحة الغريبتين بى رغم وجودى الدائم معها، سألتنى لو كنت أشتاق للبيانو، فسألتها بدهشة ولم أشتق له، وأنا لم أغادره ولم أبتعد عنه قط! لمحت ومضة حزن موجع فى عينيها، للمرة المليون تأكدت من أنى لا أعى ما أعيشه ولا ما أحسه، وها أنا لا أحزن لغياب عقلى ولا أفرح لعودة انتباهى.

تأكدت عزيزة من أنى لا أذكر الفراغ الذى يحتوينى، ولا اللا شىء الذى أحدق إليه، تأكدت حزينة بائسة من حقيقة حالتى الصحية المتدهورة، التى حرمتنى الإحساس بالحياة التى أغيب عنها والموت الذى أعيشه.

تطيل عزيزة النظر إلى وجهى وملامحى، كأنها تطبع تفاصيلها فى ذاكرتها، أبتسم فتبتسم، أبحث عن كلمات أقولها لها، فتضيع بعض الأحرف وبعض المعانى، وتخرج الجمل من شفتى ناقصة غامضة مشوهة المعانى، لا اقصد ما تقوله ولا تقول ما أقصده.

تتجاهل عزيزة هذا كله وتبتسم أكثر، هى فرحة بيقظتى المفاجئة، رغم قلقها الدائم من غيابى المتوقع، تطيل النظر إلى وجهى، وهى تتمنى لو عشنا أنا وهى زقزقة العصافير، لحظة إنكار سعيدة تعيدنا إلى أيامنا الجميلة، لكنى ومرضى اللعين وكلماتى المبعثرة والحروف الممضوغة، ومشاعرى التى أعجز عن ذكرها ووصفها، حرمناها من الإنكار الممتع، وأعدناها بسرعة إلى قسوة الواقع الموجع، الذى تعيشه بجوارى منذ سنوات، ترعانى وتطمئننى وتحبنى وتمنحنى عنايتها ووقتها، بكل ما يقوى عليه قلبها ومحبتها.

سألتها عن مرضى وصحتى، عن مقدمات الألزايمر، حاولت أن تكذب وتؤكد أنى طيبة، وما زلت أعانى صعوبة المقدمات، رغم التحسن البطىء الذى يمنحه لى طبيبى وأدويته وعلاجه، لكن الكذب تلعثم بين شفتيها عاجزًا عن خديعتى، فأدركت أن قطارى اقترب من محطته الأخيرة، وأن وعيى وانتباهى المفاجئين، اللذين أسعداها أشقياها بنفس القوة، لأنها علامات اليقظة الأخيرة التى سرعان ما ستخبو، لتترك بقية أيام العمر فى توهة وغياب لا خروج منهما.

سألتها عن صندوق جدتى وأوراقه، قالت إنها ما زالت تقرأ فيها وتعانى مشقة معرفة الحكاية التى أوصيتها أن تعرفها، ابتسمت نصف ابتسامة غامضة وصمتت، طلبت منها مرة أخيرة أن تصبر علىّ وعلى حكايتى، أشفقت عليها من طلبى القاسى، لكنها وعدتنى بصدق أن تفعل وصدقتها وغفوت، أو هكذا ظننت.

غفوت، ليحتلنى وللمرة الأخيرة حسبما أتذكر، كابوس الجدران الرمادية الذى تصورتنى قد نسيته، مع كل الأشياء الأخرى التى نسيتها، لكنه حسب ما اكتشفت الآن وأخيراً، كابوس عنيد، أقوى من مرضى وغياب عقلى ومحو ذكرياتى ورأسى الهلامى، أقوى من وجودى نفسه. 

احتلنى الكابوس وتفاصيله فجأة، ربما كنت أحدث عزيزة وقتها وربما كنت أحدق إلى اللا شىء، داهمنى الكابوس فجأة، فعدت مثلما عشته منذ سنوات بعيدة، عدت صغيرة مرتاعة باكية، أصرخ أنادى أستغيث بأمى، والأخت الطيبة جوليا، لتنقذانى، لكنهما لا تسمعاننى ولا تنقذانى، لأبقى لوقت لم أعرف زمنه محتجزة بين طيات الكابوس وقسوة المرض، أصرخ وأبكى وأتعذب وأنسى كل هذا وأنسى نفسى.

ما زالت زقزقة العصافير تذكرنى بحياتى وعمرى وعزيزة، عزيزة منذ لحظات أو سنوات كانت تحدثنى، وكنت لا أفهم معظم ما تقوله، تستخدم مفردات لا أعرف معناها، تخرج من بين شفتيها همهمات، لا يترجمها عقلى المتلاشى لأى معانٍ تسمح لى بالتفاعل معها ولا الرد عليها، أسمع كلماتها كسماع زقزقة العصافير ونباح كلاب الليل فى عزبة السعداوى، ومواء القطة الشاردة فى حلوان، بلا معنى ولا فهم.

فجأة غادرت الشرفة وتركت عزيزة، ودخلت الصالة كأنى أبحث عما لا أعرفه، ابتسم البيانو الأبى وقت أن شاهدنى، حيانى ونادانى لنبدأ كعادتنا حفلتنا النهارية، تتابعنى عزيزة، وتعد على خطواتى وجلة مرتبكة، كأنها تخاف أن أغيب فجأة فلا أعرفها ولا أعرف البيانو، وأسقط فى جب لا أعرف مكانه ولا مكانى، تخاف أن أتوه فجأة فأترك الصالة، وأبحث عن لحظة طمأنينة تنتشلنى من المكان الغريب الذى لا أعرفه ولا أعرف سبب وجودى فيه، فأعود إلى اللا شىء أسكنه ويسكننى.

وحين تدق الساعة العتيقة السابعة مساًء، أبتسم لعزيزة لأطمئنها على حالى وصحتى وذاكرتى ولو مؤقتًا، وأسحب المقعد من أمام البيانو، وأفتح غطاءه بفرحة، وأسترد ذاكرتى وعقلى ونفسى فى لحظة مذهلة، تبتسم لى أصابع البيانو بشوق، فأمر بإصبعى الصغرى عليها جميعا تحية وحبا، فترد أوتار البيانو تحيتى بأجمل منها نغمات صاخبة فرحة.

تحيينى أوتار البيانو الأبيض فى صالة سرايا السعداوى، وتحيى مسيو شوبان وهو جالس أمام البيانو فى ليلة باريسية ساحرة داخل القاعة الصغيرة التى كان يقيم فيها حفلاته، كأنها تعرفه ويعرفها.

وأحلق صوب الليلة الباريسية، وتنساب بين تلافيف رأسى نغمات فالس الربيع، كأنه شلال منعش، انهمر على روحى ماؤه البارد فى ليلة حارة طويلة، أسأل مسيو شوبان لو يشاركنى العزف، أسأله وأرجوه، يومئ برأسه إيماءة صغيرة بالموافقة رغم حالته الصحية المعتلة وقتها، لتبدأ كفوفنا الأربع الجرى على أصابع البيانو، لنطلق نغمات فالس الربيع، كنسيم منعش فى نهار ربيعى فرح، تتابعنا عزيزة قلقة، ومقلتاها تدوران بسرعة وسط رأسها، كأنها تتحسر لأنها لا تشاركنا العزف والفرحة، تحدق إلىَّ طويلاً، كأنها تتمنى أن تعيدنى وخيالاتى من باريس إلى عزبة السعداوى، لنعيش معًا إنكارنا الجميل للمرض المتوحش، ونتشارك الوجود والعزف والفرحة.

أبتسم لعزيزة لأطمئنها على حالى، وأعدها أننا سنعزف معًا كل الأيام القادمة، وأرجوها أن تتركنى لأوهامى السعيدة، وعقلى التائه، وعزفى المرح، وليالى باريس أنا ومسيو شوبان، تبتسم عزيزة تغبطنى، لأن الموسيقار العظيم منحنى دونها فرصة العزف معه، يحدجنا مسيو شوبان بنظرة لوم صارمة، لأن ضجيج رأسينا يطغى على موسيقى رأسه، وتلاحقها الجميل على أصابع البيانو وأوتاره، نصمت أدبًا أنا وعزيزة، و.. كيف تاه عقلى ونسيت كل ما نسيت، وبقيت أصابعى تعرف طريقها على أصابع البيانو وموسيقى مسيو شوبان؟

أفر من عزيزة، وأغرق فى أوهامى وهلاوسى، وأحلق بعيدًا عن الصالة والسرايا وعزبة السعداوى، وأحط فى باريس، أحط فى الحجرة الصغيرة التى تمتلئ بمحبى مسيو شوبان، النسوة الجميلات الأنيقات بأثوابهن المزركشة الوهاجة والرجال المهندمين ببذلاتهم السوداء اللامعة، يتحلقون حول البيانو والموسيقار شوبان وحولى، ينتظرون إغداقنا عليهم ببهجة موسيقانا الفرحة.

هل ما زلت فى باريس، وما زلت فى القاعة الصغيرة بحضرة شوبان؟ هل أحضر فعلاً حفله الموسيقي؟ ألمح عزيزة الصغيرة تراقبنى وأنا أحدق إلى الفراغ وأحدق إلى اللا شىء، أتجرأ فجأة وأسحب مقعدًا صغيرًا وأجلس بجوار شوبان أمام البيانو، وألقى بكفى بجوار كفيه ونبدأ فى العزف معًا، تتسع ابتسامة عزيزة ويتأرجح رأسها مع نغمات الموسيقى، كأنها تجلس أمامنا فى الصف الأول فى الحفل الأنيق الذى نحضره معًا.

تردنى ابتسامة عزيزة إلى صالة السرايا والبيانو الأبيض، أدعوها لتشاركنى العزف، أدعوها ولا أنتظر موافقتها، أنسى وجودها أصلاً، وأنسى النغمات الدخيلة الغريبة التى تطن فى رأسى، وتعلو فجأة فى صالة السرايا، على صوت البيانو وموسيقى شوبان، أرى نفس الطفلة الصغيرة بعينيها اللامعتين، تصفق فرحة، وأسمع إيقاعات كفيها، تضيف إلى النغمات الغريبة إيقاعًا أعرفه، ألمح والدها يعزف بحماس وجرأة على أوتار الماندولين، أرانى مع شاندور فى الغابة، وألمح الجميلة ذات الشال الأحمر تدور بتنورتها الواسعة على نغمات الأوتار، أحلق صوب القمة العالية البيضاء ممتطية الماندولين وأوتاره القوية، يحتضن شاندور الجميلة ذات الشال الأحمر ويحلقان خلفى صوب البراح، تصفق عزيزة الصغيرة كأن موسيقى الماندولين تعجبها، أفيق على نغمات نشاز، تصدم بها أصابعى أصابع البيانو المرتاعة، ألمح على وجه عزيزة اندهاشًا لا أعرف مبرره.

أين أنا وماذا يحدث؟ متى عدت من القمة البيضاء إلى فراشى؟ ومتى صمتت نغمات الماندولين؟ ومتى كفت الجميلة بشالها الأحمر عن الرقص وغرقت فى البكاء؟ أنظر إلى عزيزة لا أعرفها، لا أكترث لنسيانى ولا لوجودها، ألمح أوراقًا كثيرة مبعثرة حولها، هى الساعة كام؟ سؤال لم أجد غيره فى عقلى لأسأله لها تمردًا على الصمت الثقيل القاتل بيننا، تهمس أن الليل قد داهمنا منذ وقت طويل وحان وقت النوم، أرى الجميلة ذات الشال الأحمر تحملنى على ذراعيها، وتهدهدنى فى فراشى الصغير وهى تغنى لى بصوتها الرخيم أغنية كنت أحبها، أغلق عينى وأتسلل لحضنها وأنام، وفى الصباح لم توقظنى الجميلة ذات الشال الأحمر، الحق لم أستيقظ أصلاً، كأنى نمت فى حضنها نومى الأخير الطويل، وتنتحب عزيزة وهى تشد الغطاء الثقيل على رأسى لتبقى عيناى مقفلتين للأبد، أو هكذا ظننت!