السبت 22 يناير 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

بعد 20 عامًا من رحيله.. أرملة «مجدى العمروسى» تفتح خزائن ذكرياتها لأول مرة: ليلى العمروسى: زوجى لم يتاجر بأسرار عبدالوهاب الجنسية ومذكرات الموسيقار «أمانة فى عنقى»

علاقة «مجدى العمروسى» بموسيقار الأجيال «محمد عبدالوهاب» والعندليب الأسمر «عبدالحليم حافظ» علاقة من نوع خاص، فهو لم يكن مجرد مدير أعمال ناجح، استطاع بخبرته وحسن إدارته لموهبتهما أن يساهم -ولو بقدر بسيط- فى أن يتربعا على قمة النجومية حتى رحيلهما، ولم يكن أيضًا مجرد شريك لهما فى شركة صوت الفن التى كانت يومًا ما سببًا فى خروج أهم الأصوات الغنائية إلى النور، لكنها علاقة لخصها هو بقوله (لقد تعاملت مع عبدالوهاب بعقلى وعشقته وتعاملت مع عبدالحليم بقلبى وأدمنته) فهو الصديق الوفى الذى حافظ على تراثهما من الضياع.



 

 وهو خزينة الأسرار ومخزن الذكريات، والجسر الذى التقت عليه الأسطورتان، وسطرت عليه قصة احتواء الأستاذ بكبريائه، للتلميذ بعنفوانه، وبعد مرور عشرين عامًا على رحيله ما زالت زوجته السيدة «شارلوت هنرى فرج» أو «ليلى العمروسى» تحفظ كثيرًا من تلك الذكريات والأسرار، وفى زيارة خاصة جدًا لشقة الزمالك، التى وضعت فيها اللمسات النهائية على العديد من الأعمال الفنية الخالدة، والتى لا يزال حتى اليوم يعشش بها صوت «عبدالحليم» بدفئه، وتسكنها ألحان «عبدالوهاب» بشموخها، وعلى نفس المقاعد التى جلس عليها قامات الفن والطرب، فتحت «ليلى العمروسى» قلبها لأول مرة وتذكرت معنا حبيب عمرها، ورفيق مشوارها لأكثر من ثلاثين عامًا، ووالد ابنيها «مايا وعبدالحليم» الذى سماه الراحل بهذا الاسم من شدة حبه فى العندليب، ولم تنس السيدة «ليلى» أن تكشف لنا مزيدًا من الأسرار التى لا تزال فى جعبتها رغم مرور وقت طويل على حدوثها...وإلى نص الحوار.

 كيف التقيت بـ «مجدى العمروسى»؟

- كانت بداية معرفتى بـ«مجدى» عندما ذهبت إلى فيلا «محمد عبدالوهاب» بجليم بالأسكندرية، وطلبت مقابلته ظنًا منى أنى أمتلك صوتًا جيدًا يصلح للغناء، بالطبع لم يسمح لى الحارس بلقائه، وأبلغ «مجدى» بحضورى، الذى قابلنى وسمع صوتى، وانتهى الأمر بالنسبة لكلينا، فقد كنت منفصلة عن زوجى (دون طلاق) فكما تعلمين الطلاق فى المسيحية يأخذ وقتًا طويلًا، ولدى صبى وحيد، وأشعر بأن حياتى تحتاج لإحداث أى تغيير بها، بعدها بفترة قصيرة التقيته فى (تيرو الحمام) وهى مسابقة كانت تجرى فى الساحات تعتمد على المراهنات، وكان معى والدى المستشار «هنرى فرج» وكان «مجدى» يعرفه بحكم عمله فى المحاماة لسنوات طويلة فقال لى (معقولة أنت بنت المستشار هنرى؟) وبدأت صداقتنا التى استمرت سنوات طويلة حتى اعترف لى بحبه، ورغبته فى الزواج منى، وتزوجنا فى مايو سنة 1971، وكان عمره 48 عامًا، بينما كان عمرى 36 عاما، وانتقلت معه للعيش فى القاهرة فى ديسمبر 1972، بعد أن التحق ابنى «حسام» بكلية طب الأسكندرية.

 وهل كان اختلاف الديانة عائقًا أمام إتمام الزيجة؟

- كان من الممكن أن يحدث ذلك لولا والدى، فقد كان صعيديًا متفتحًا، وكان صديقًا شخصيًا للمقرئ الشيخ «محمد رفعت» فضلًا عن أنه أحب «مجدى» وعرف أن سعادتى لن تكون سوى معه، أما «مجدى» فكان دائمًا ما يقول لى مداعبًا (أحسن ما فيكى أهلك) وكانت علاقته ممتازة بابنى «حسام» لدرجة أنه استدعاه قبل رحيله بأيام عام 2002 ووصاه على أخويه «مايا وعبدالحليم» وعلى مدار حياتى معه التى امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا لم يطلب منى أن أغير ديانتى.

دخلت حياة «العمروسى» بينما كان مسئولًا إداريًا وقانونيًا عن كل شئون «عبدالوهاب وعبدالحليم» وشريكًا لهما فى صوت الفن، لكنه من المؤكد حكى لك كيف نشأت تلك العلاقة، وكيف استطاع أن يجمع قطبى الغناء فى شركة واحدة، فهل تذكرين ما قاله لك؟

- بدأت علاقته بـ«حليم» أولًا مطلع الخمسينيات، عندما التقى به فى منزل صديقه وزميل دفعته فى كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية الإذاعى القدير «فهمى عمر» حيث دعاه الأخير لحضور حفل عيد ميلاده فى القاهرة، وكان من ضمن الحضور العديد من الشخصيات الإعلامية والفنية المعروفة وقتها، كان «حليم» لم ينل حظه من الشهرة بعد، ولما كان المكان مزدحمًا بالمدعوين، أخد «العمروسى» يتجول فى شقة صديقه، وسمع صوت «عبدالحليم» يغنى فى إحدى الغرف، فجذبه الصوت، ودخل الغرفة، وعرفه بنفسه، وأثنى على صوته متوقعًا له مستقبلًا باهرًا، وأعرب له «حليم» عن حلمه بالغناء على أحد مسارح الإسكندرية وبعد عام من هذا اللقاء، اتصل «حليم» بمكتب المحاماة الذى كان يعمل به «مجدى» بالإسكندرية، وأخبره أنه تعاقد على إقامة حفلات لمدة شهر بالمسرح القومى بالشاطبى، ودعاه لحضور أولى تلك الحفلات، التى قذفه الجمهور فيها بالبيض والطماطم، رافضين ما يقدمه من غناء، ومطالبين إياه بغناء أغانى «عبدالوهاب» وظل «العمروسى» يواسى «حليم» كل ليلة، بل ودعاه لأن يعيش معه فى شقة شقيقته بزيزينيا طوال فترة إقامته هناك، وأمام هذا الفشل، فسخ المتعهد عقده مع «حليم» ورغم صعوبة ذلك اليوم إلا أنه كان سببًا فى تعارف «مجدى» بـ «عبدالوهاب».

 كيف ذلك؟

- دعينى أخبرك أولًا أن «مجدى» كان عاشقًا للأستاذ منذ طفولته، لدرجة أنه تسلق شجرة وهو صغير ليشاهد «عبدالوهاب» يغنى فى أحد المسارح فسقط من عليها وكُسرت قدمه، وقد كان «عبدالوهاب» داعمًا لـ«حليم» فى بداياته، وفى اليوم الذى فسخ المتعهد عقده مع «حليم» ظل «مجدى» يجوب به شوارع الإسكندرية بالسيارة فى محاولة لأن يخفف من أحزانه، وفجأة قال له «حليم» (الأستاذ هنا تعرف عنوان فيلا جليم؟) فأجابه «مجدى» بأنه يعرفها جيدًا، بل يمر من أمامها يوميًا فى الخامسة مساء طوال فترة الصيف، ليرى «عبدالوهاب» جالسًا فى (الفراندة) فقال له إذن خذنى إليه، وهناك أصر «حليم» أن يدخل «العمروسى» معه وبدأت علاقة أبدية بين الثلاثى لم تنته سوى بالموت.

 ولكن كيف أقنعهما بالشراكة بعد ذلك؟

 - كانت تلك الخطوة مثار تعجب الكثيرين لدرجة أن وزير الثقافة والإعلام ومستشار الرئيس الدكتور «عبدالقادر حاتم» كان يصف «مجدى» بالرجل الذى استطاع أن يضع الكبريت بجانب الثلج، وقد كانت تلك الخطوة بدايتها من عند «حليم» أيضًا، ففى سنة 1958 بدأت نجوميته، فطلب من «العمروسى» أن يصفى كل أعماله فى الإسكندرية وينتقل للعيش فى القاهرة حتى يتفرغ لإدارة أعماله، وأنشأ له شركة إنتاج سينمائية بالشراكة مع «وحيد فريد» أشهر مدير تصوير وقتها، باسم (أفلام العالم العربى) وفى مجال الغناء كان «حليم» متعاقدًا مع شركة (كايروفون) التى كان «عبدالوهاب» أحد ملاكها، وفى سنة 1960، حدث خلاف بين «حليم» وبين ملاك الشركة، وانحاز «عبدالوهاب» لـ«حليم» وفض شراكته معهم، وتم إضافة فرع للإسطوانات لشركة الأفلام، وأصبح «عبدالوهاب» شريكًا بها، وانضم «مجدى» إلى الشركاء الثلاثة، واقترح «كامل الشناوى» أن يتغير اسم الشركة لتصبح (صوت الفن).

 بحكم زواجك من «مجدى العمروسى» من المؤكد أنه قد جمعتك العديد من المواقف بالعندليب الأسمر، هل لك أن تخبرينا بعضًا منها؟

- «عبدالحليم» كان يعيش ربع حياة، وكنت أشفق عليه كثيرًا عندما أرى شكل الطعام المسموح له بتناوله، فقد كان محرومًا من كل متع الدنيا، وقد كان يحمل لى فى قلبه قدرًا كبيرًا من المعزة، لدرجة أنه كان (يحوش فلوسه معى) لأنه كان يبنى عمارة فى شارع جامعة الدول، وكان يرغب أن يجعل الدور الخامس استديو خاصًا به، لكنه للأسف لم يتمكن من إتمام حلمه وأعدت كل تلك الأموال إلى الورثة، وكنت أنا الوحيدة التى أمتلك نسخة من مفاتيح شقته فى الحى الراقى (سانت جونز وود) بلندن، حيث كنا نقيم فيها باستمرار فى فترة علاج «مجدى» وكان يقول لى (أنا بسيب لك أنت المفاتيح مش بسيبها لجوزك ولا لأى حد فى الدنيا لأنك أنت الوحيدة اللى بتسيبى الشقة أنظف من ما بسيبها) وقد كان «عبدالحليم» من القلائل المسموح لهم بخروج العملة الصعبة من مصر بلا قيود، لذلك كان يمتلك رصيدًا كبيرًا فى لندن، وفى القانون الإنجليزى تؤول الثروة لوكيل المتوفى بعد رحيله، لكن «مجدى» رفض ذلك بالطبع، وقال كل الأموال من حق ورثته الشرعيين، وباع الشقة، وسحب كل أرصدة البنوك وعاد بحقيبة كبيرة مليئة بجنيهات الإسترلينى التى كانت كفيلة إذا تم ضبطها من السلطات فى المطار بأن تجعله بقضى بقية حياته فى السجن.

 وهل تذكرين تلك الرحلة التى عاد فيها «العمروسى» من لندن مصطحبًا رفيق عمره وهو مستلقى داخل صندوق فى بطن الطائرة؟

- كانت أيامًا صعبة، فقد علمت بالخبر فى الثالثة فجرًا، عندما اتصلت زوجة الموسيقار «محمد الموجى» وقالت لى (ابنى مات) ارتديت بعدها ملابس الحداد واستقليت تاكسى إلى منزل «عبدالحليم» فوجدتهم جميعًا متشحين بالسواد وفى حالة صدمة، عاد الجثمان بعد ذلك بيومين، وانطلقت جنازة مهيبة من مستشفى العجوزة، وفى العزاء داخل منزل «عبدالحليم» كنت شاهدة على انتحار الفتاة التى قفزت من الشرفة حزنًا عليه، وما زلت أذكر ملامحها جيدًا، كما ما زلت أذكر انكسار «مجدى» وبكائه للمرة الأولى فى حياته، وبرغم الحزن الذى أصاب «عبدالوهاب» إلا أنه أكثر شخص ساعده على تجاوز المحنة، وقال له (فكر يا مجدى بعقلانية، فقد كان رجلًا مريضًا، متوقع أن يرحل فى العشرينيات من عمره، لكن الله أمد فى أجله ليخلد اسمه).

 على ذكر الموسيقار «محمد عبدالوهاب» أصدر «العمروسى» كتابًا عنه بعد رحيله كان سببًا فى اتهام الكثيرين له بأنه أفشى أسرار «عبدالوهاب» ولا سيما الجنسية منها، فى حين أن كتاب (أعز الناس) الذى كتبه عن «عبدالحليم» لم يذكر فيه سوى المواقف الإيجابية له.. ما تعليقك؟

- ذكرنى سؤالك بالمقلب الذى قام به «كامل الشناوى» –وقد كان غاوى مقالب- عندما أجرى حوارًا صحفيًا مع «مجدى» وكانت الأسئلة كلها تنتهى بعبارة (من ستختار عبدالحليم أم عبدالوهاب؟) وظل «مجدى» يجيب بدبلوماسية وحيادية، حتى ضيق «كامل» الخناق عليه فأجاب (سأقف مع عبدالحليم ظالمًا كان أو مظلومًا) فأخذ «كامل» التسجيل وذهب به إلى «عبدالوهاب» الذى قال له (ده راجل صادق مع نفسه ومع الناس ولازم تحترم رأيه يا كامل بيه) أما تعليقى على سؤالك فبالطبع لم يتاجر «مجدى» يومًا بما يملكه من أسرار عن «عبدالوهاب»، فلا أحد يدرك عمق العلاقة بينهما سوى من عايش ذلك عن قرب، ولا أزال احتفظ بورقة مكتوبة بخط «عبدالوهاب» يقول له فيها (أشعر بأن أى شيء آخذه من الشركة تبلل بعرقك ولا أرتاح إلا إذا شاركتنى ولو فى جزء منه) وبخلاف ذلك، فقد استأمنه على مبالغ مالية ضخمة كان يرسلها شهريًا إلى منزلنا، ليتم توزيعها على الفقراء، وكان «مجدى» يتولى ذلك بنفسه، وقد ارتضى «عبدالوهاب» أن يوصم بالبخل -مع أنه كان كريًما جدًا- حتى لا يشاع ذلك السر، وعندما كان يعالج «مجدى» من آثار الجلطة فى أحد مستشفيات لندن، كان «عبدالوهاب» يأتى لزيارته يوميًا فى السادسة مساء، ويطلب منا جميعًا أن نغادر الغرفة، ثم يجلس بجواره ويقرأ له القرآن، لدرجة أن العرب فى لندن كانوا يتجمعون أمام المستشفى يوميًا فى نفس التوقيت من أجل رؤيته، وفى نهاية حياته عندما قرر أن يسجل مذكراته بصوته، على أن يخرجها للتليفزيون «حسين كمال» وكان ذلك يتم فى حضور الإعلامى «مفيد فوزى» والمخرج «سمير عبدالعظيم» كان ينهى التسجيل ويفتح كف «مجدى» ويقول له (خلى الشريط عندك) فهل تظنين بعد كل ذلك أن يخون «مجدى» كل هذه الثقة.

 وأين ذهبت تلك الأشرطة؟ ولماذا لم تظهر إلى النور؟

- لم تظهر إلى النور بسبب رحيل «عبدالوهاب» وهي عبارة عن 12 شريطًا مسجلًا بمثابة أمانة فى عنقى لن أشعر بالراحة إلا إذا سلمتها إلى ورثته، وبالفعل تواصلت مع ورثة «محمد عبدالوهاب» لاستلامها، وكل ما أرجوه منهم إذا ما قاموا باستغلال تلك الأشرطة بأى شكل أن يقولوا إنها إهداء من «مجدى العمروسى» وأنه صان الأمانة، وصانتها أسرته من بعده.

 

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا اتهم ورثة العندليب «العمروسى» بالاستيلاء على حقوقهم فى شركة (صوت الفن)؟

من اتهمه هو «محمد شبانة» ابن شقيق الراحل، وقد أقام عشرات الدعاوى القضائية التى خسرها جميعًا، وكل ما فى الأمر أن «مجدى» قبل أن يبيع حصته لـ«محسن جابر» كان يرفض أن يتدخل الورثة فى إدارة الشركة، لكنه كان يعطيهم حقوقهم المالية كاملة.

 لكن لماذا قرر «العمروسى» أن يبيع حصته فى الشركة التى بناها بعرقه ولم يتركها لوريثيه؟

- لأنه لم يرغب أن يكن لأبنائه من بعده أى علاقة بالفن، فكريمته «مايا» درست الهندسة فى الجامعة الأمريكية، أما نجله «عبدالحليم» فيشغل منذ سنوات منصب أستاذ مرموق بجامعة تورنتو بكندا، وهذه هى الحياة التى تمناها لهما والدهما.

 قبل أن أنهى معك حوارنا، قلت لى إن صالون منزلك الذى نجلس عليه الآن قد جلست عليه قامات الفن والطرب، من تذكرين منهم؟

- بالطبع الأستاذ «محمد عبدالوهاب»، و«عبدالحليم حافظ» زارا منزلنا أكثر من مرة، كان يأتى إلينا أيضًا «بليغ حمدى، وكمال الطويل، ومحمد الموجى، ومرسى جميل عزيز، وكامل الشناوى، وعفاف راضى» وعدد كبير من قامات الفن، والطرب، والإعلام، أما الزيارة التى لا أزال أذكر تفاصيلها جيدًا هى لـ«سعاد حسنى» عندما جاءت لتبارك لنا بمناسبة ميلاد ابنتى «مايا» وأهدتها قلادة ذهبية على شكل مصحف، تحتفظ بها حتى الآن.