الأربعاء 30 نوفمبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

بالضبة والمفتاح..!

كما نراقب القرد والشامبانزى وغرائب المخلوقات.. جلست السيدة حماتى فى ركن الغرفة تراقبن وتلاحظنى وأنا أتنطط وأقفز بسعادة حقيقية فى أرجاء شقتها العامرة.. والمناسبة تستحق القفز والتنطيط.. فنحن فى إجازة.. وأنا لا أمارس طقوس العمل اليومية فى الإجازة.. فأتصرف على راحتى وألعب مع الأحفاد وأمارس فضيلة الكسل اللذيذ.. ولا مانع من أن أقوم ببعض الأعباء المنزلية البسيطة.. كإصلاح الكهرباء.. أو كى قميص.. أو حتى القيام بأشغال الطبخ وإعداد أطباق شهية ماركة طبخة إيديا وحياة عنيا..!



وكانت العاقلة زوجتى قد اقترحت القيام بإجازة نقضيها فى بيت حماتى، حيث نستجم ونغير من روتين الحياة.. وبالمرة نزور أهلها وأقاربها.

وبعد أن راقبتنى حماتى العزيزة ساعة كاملة.. قالت لى إنها لاحظت أننى أكون مهمومًا متوترًا وأنا أمارس الكتابة والعمل.. وعلى العكس تمامًا فإننى أكون فرحًا مبسوطًا وأنا أصلح الكهرباء أو أطبخ بامية أو مسقعة.. وهو ما يؤكد نظريتها الخاصة.. بأننى لم أخلق لمهنة البحث عن المتاعب.. وإنما خلقت لكى أعمل مرمطونًا فى مطعم أو حمالاً فى محطة سكة حديد.. أو حتى بلياتشو فى سيرك متجول..!

قالت السيدة حماتى إن هذه الأعمال تناسبنى تمامًا.. خاصة أننى من مواليد برج الأسد.. حيث لا يصلح مواليد هذا البرج سوى للأعمال اليدوية الشاقة.. ولا يصلحون أبدًا لمهمة التفكير والكتابة التى صارت مهنة خطرة علينا تجنبها والبحث فورًا عن وظيفة جديدة من الوظائف الآمنة التى تتيح لأصحابها السفر والرحرحة والفسحة وراحة البال والأمن والأمان.. وفوق كل هذا تدر دخلاً محترمًا ومعاشًا مناسبًا لتعيش فى بحبوحة ورغد كما باقى العقلاء من الناس..!

سألتنى السيدة حماتى: هل سمعت مرة واحدة عن كاتب واحد يمتلك عمارة سكنية.. أو رصيدًا محترمًا فى البنك.. وأغلب الصحفيين يتعاملون فقط مع بنك ناصر، حيث السلفة المضمونة لشراء الثلاجة والغسالة.. فى حين أن الصحفى فى بلاد بره حاجة تانية.. وهو نجم المجتمع ويتربع على عرش الفلوس والنفوذ.

قالت حماتى الواقعية فوق العادة.. إن الصحفى عندنا ينتهى مرتبه فى اليوم العاشر من الشهر.. ليبدأ مبكرًا رحلة السلف والبحث عن موارد إضافية.. فى حين أن المدرسين والطباخين والحلاقين والأطباء والجزارين والمهندسين يعيشون ويعيش معهم أولادهم وزوجاتهم فى بحبوحة ورغد..!

أمسكت حماتى بتقرير صادر عن الأمم المتحدة شخصيًا يؤكد أن عام 2021 المنصرم.. هو العام الأسوأ للصحفيين.. وأن هذا العام بالذات كان أكثر الأعوام التى شهدت مقتل الصحفيين وقد بلغ القتلى من رجال المهنة 54 صحفيا راحوا ضحية للعنف فى الشرق الأوسط والسعيد..!

قالت حماتى تحسم المناقشة: إن مهنة الكتابة صارت مهنة خطرة علينا تجنبها والابتعاد عنها.. والكون لن يتوقف بتوقفك عن الكتابة وجماهير القراء لن تحس بالتوقف.. وهل رأيت يومًا مظاهرة حاشدة تهتف بالروح والدم.. تطوف بيت كاتب حبسته المدام وأغلقت الأبواب بالضبة والمفتاح؟!