الأحد 5 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

طريق الاستقرار بيد الشعب العـــراق.. على من يُطلق الرصاص؟

إلى متى يا والدى العراق؟..إلى متى شمسك بركان وبدرك محاق؟.. إلى متى وشبابنا فى ذروة الشباب.. شبابنا المتفوقون رغم الفقر والتهجير والإرهاب.. يبحث عن جواب.. يستنجدون يا أبى من يفتح الأبواب؟.. إلى متى نولد فى العذاب؟ نكبر فى العذاب؟



بهذه الكلمات وصف الشاعر كريم العراقى حال بلاده التى كلما لاح أمل الاستقرار انهارت بعده آمال شعبه نحو مستقبل باهر لبلاد الرافدين.. التى ما زال تاريخها مثالاً للعظمة والتفاخر.

منذ الاحتلال الأمريكى للعراق عام 2002 وتسير البلاد فى حالة من التخبط.. ربما هذا هدف البعض لعدم الاستقرار.. لكن الشعب العراقى من يدفع ثمن أهواء هؤلاء وينزف دمًا على أراضى وطنه، على الرغم من المحاولات المضنية من أبناء الشعب العراقى وبعض الحكومات والنخب السياسية إلى المضى قدمًا نحو الاستقرار، خاصة بعد ما شهدته البلاد من أزمات متوالية خلال السنوات الأخيرة.. من أزمة مياه.. لتفشى فيروس كورونا.. لأزمة اقتصادية ضربت أرجاء العراق ومازالت تبعاتها مستمرة والتوصل لحلول جزرية أصبح أمرًا لا مفر منه لتجنب المزيد من الخبطات الاقتصادية.. لهذا فإن استقرار العراق سياسيًا هو الخطوة الأولى لحل هذه الأزمات، وهو الأمر الذى يجب أن ينساق له الشعب دون النظر لطائفة أو توجه سياسى أو قبائلى.. فالوطن هو الباقى والأهم.

اغتيال «الاستقرار»

بعد تعرّض رئيس الوزراء العراقى مصطفى الكاظمى (الأحد 7 نوفمبر 2021) لمحاولة اغتيال فاشلة نُفذت بواسطة طائرة مسيّرة مفخخة استهدفت مقر إقامته فى المنطقة الخضراء بالعاصمة بغداد، فى وقت يرتفع فيه مستوى التوترات السياسية بالبلاد على خلفية رفض بعض القوى السياسية الشيعية فيما يسمى بالإطار التنسيقى - الذى يضم عدداً من الأحزاب السياسية والميليشيات المسلحة وعلى رأسها تيار الفتح - لنتائج الانتخابات التشريعية التى أجريت فى 10 أكتوبر الماضى، وأظهرت نتائجها مدى التراجع فى شعبية منظومة الحشد الشعبى المنضوية ضمن تيار الفتح. وقد دعا الكاظمى - فى أول رد فعل له على محاولة اغتياله – جميع أطراف المشهد السياسى إلى «التهدئة وضبط النفس». وأدانت الولايات المتحدة محاولة اغتيال الكاظمى، ومن المتوقع أن تستكمل انسحابها من العراق أواخر العام الجارى. كما أدانت القيادة المصرية الحادث واصفة إياه بـ«محاولة الاغتيال الآثمة»، ودعت جميع الأطراف إلى «التهدئة ونبذ العنف والتكاتف».

وتبدو محاولة اغتيال رئيس الحكومة العراقية وكأنها محاولة للثأر رداً على الأحداث التى شهدتها «المنطقة الخضراء» فى العاصمة بغداد خلال الأيام الماضية، والتى أسفرت عن سقوط قتلى فى صفوف المحتجين، على مشارف البوابة الجنوبية للمنطقة، وذلك خلال مواجهات مع قوات الأمن احتجاجاً على نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، لاسيما بعد إدانة عدد من القوى السياسية الشيعية بشدة لتلك المواجهات، وتهديد بعض ميليشياتها المسلحة، ومنها ميليشيا «عصائب أهل الحق»، علناً بالانتقام لأحد عناصرها الذين قتلوا فى تلك المواجهات.

إلا أن واقع التفاعلات السياسية فى العراق، منذ نجاح الكاظمى فى إتمام إجراء العملية الانتخابية فى موعدها، ووسط تأكيدات دولية بنزاهة العملية وشفافيتها، يشير إلى عدم عقلانية حصر الهدف من محاولة اغتيال رئيس الوزراء فى مجرد الثأر لمقتل أحد عناصر فصيل الميليشيات المسلحة خلال مواجهات مع قوات الأمن، وإنما ثمة تعبر عن عدة أهداف أخرى أراد المسئول عن هذه العملية تحقيقها جراء محاولة الاغتيال تلك.

أسباب وراء الاغتيال

من قراءة المشهد العراقى بعد عملية الانتخابات، ورفض بعض القوى السياسية للنتيجة نرى أن أهم أسباب عملية اغتيال الكاظمى تنبع من رفض الأحزاب والميليشيات الموالية لإيران لفكرة وجود شخصية سياسية «مستقلة» تتولى منصب رئيس الوزراء مرة أخرى، وهذا يعنى قطع الطريق على احتمالية اختيار زعيم التيار الصدرى مقتدى الصدر (الذى نجح اتئلاف سائرون التابع له فى الحصول على المركز الأول فى الانتخابات بـ73 مقعداً) لاختيار مصطفى الكاظمى فى منصب رئيس الحكومة مجدداً، كأحد الخيارات المتداولة بين أروقة القوى السياسية التى أحرزت تقدماً فى نتائج الانتخابات، لاسيما أن الكاظمى استطاع إحداث بعض النقلات النوعية فى المشهد السياسى العراقى ببعديه الداخلى والخارجى خلال العامين الماضيين؛ خاصة على مستوى السياسة الخارجية، والتى حاول فيها صياغة سياسة خارجية عراقية أكثر استقلالية بعيداً عن إيران، كان من أبرزها إعادة العراق إلى الارتباط بجواره العربى.

كذلك حملت محاولة اغتيال الكاظمى رسالة أخرى تؤكد على الرفض التام من قبل القوى السياسية المحسوبة على إيران لنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، يدلل على أن تلك القوى فى طريقها إلى دفع العملية السياسية فى البلاد نحو حالة من «التصعيد النوعى»؛ بمعنى أنها تحاول التلويح بما يمكن تسميته بـ«التصعيد المفتوح»، أى التصعيد دون حدود تقيد من تصرفاتها وسلوكياتها داخل المشهد السياسى العراقى خلال الفترة المقبلة، وهى فترة غاية فى الصعوبة لتداعياتها الشديدة على مسار تشكيل الحكومة.

وهذا التصعيد «المفتوح» سيتجاوز مجرد الاعتراض على مخرجات العملية الانتخابية إلى غيرها من الأهداف النوعية أيضاً كاتخاذ محاولات الاغتيال آلية عمل ممنهجة فى وجه الخصوم السياسيين، أو العودة مرة أخرى إلى استهداف البعثات الدبلوماسية فى المنطقة الخضراء شديدة التحصين، أو استهداف المصالح الأمريكية مجدداً داخل المنطقة نفسها، أو حتى فى مناطق تواجدها العسكرى.. وهو الأمر الذى يوضح عدم تأمين العراق بصورة كافية أمام القوى الدولية، الأمر الذى حاول الكاظمى خلال فترة توليه منصبه الوزارى أن يؤكد على أهمية تعدد التحالفات لبلاده مع حلفاء جدد.

كما أن الأمر يعكس محاولة القوى السياسية الخاسرة فى الانتخابات وتحديداً تحالف الفتح (حاز تحالف الفتح الممثل للحشد الشعبى على 15 مقعداً فقط فى الانتخابات التشريعية الأخيرة، ما يعد تراجعاً عن نتائجه فى انتخابات عام 2018، والتى حصل فيها على 48 مقعداً) التشكيك فى نتائج الانتخابات الأخيرة، واتهامها الجهات الرسمية بتزوير تلك النتائج، على نحو يعنى استمرار محاولات تلك القوى فى إبراز التشكيك فى عمل المفوضية العليا للانتخابات، وهذا تحديداً يفتح المجال للتشكيك فى مجمل عملية التغيير السياسى (التى جاءت نتيجة لمطالبات احتجاجية شعبية شهدتها البلاد فى أكتوبر عام 2019)، والتى تمثلت أهم مطالبها فى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة، وإجراء تعديلات جوهرية على تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات من ناحية، وإدخال تعديلات جوهرية مماثلة على قانون الانتخاب من ناحية ثانية، كما يفتح المجال أمام فقدان ثقة الجماهير وحراكها الشعبى - الذى تجاوز الهوية الطائفية - فى جدوى المطالبة بالتغيير السياسى المؤسس على الهوية الوطنية.

مزيد من التعقيد

عكست التظاهرات الشعبية فى العاصمة بغداد عدة نقاط واضحة، تعكس رغبة الأحزاب الموالية لإيران فى ممارسة ضغوط على الحكومة العراقية بهدف تحقيق أحد أمرين: إما النجاح فى فرض توتر على المشهد السياسى العراقى الداخلى، وبالتالى الوصول إلى الهدف الذى تسعى إليه القوى الخاسرة فى الانتخابات والمحسوبة على طهران بهدف إعادة إجراء انتخابات جديدة.

وإما أن يأتى الضغط بثمار إيجابية تضمن الحصول على أفضل وضع ممكن لتعويض خسائر تيار الفتح (ممثلاً للحشد الشعبى) على غرار ما حدث فى تسويات تشكيل الحكومة فى أعقاب نتائج انتخابات عام 2018. وجدير بالإشارة هنا أن الضغوط فعلياً كانت قد أحدثت اختراقاً نسبياً يشير إلى التوصل لنوع من التوافق بين القوى الشيعية الأبرز على ترشيح رئيس وزراء «توافقى» وليس «مستقلاً» أو محسوباً كلية على التيار الصدرى. وهذا يعنى الكثير من الدلالات فى سياق المشاورات البرلمانية بشأن تشكيل الحكومة وبشأن اختيار رئيسها.

كما يعكس الأمر استمرار إيران فى التأكيد على الربط التام بين كل ملفات تفاعلاتها داخل دول مشروعها الإقليمى (العراق وسوريا ولبنان) بتعقيدات وتشابكات مسار مفاوضات ملف برنامجها النووى مع الولايات المتحدة والقوى الدولية، على اعتبار أن العراق أحد أهم مرتكزات مشروعها الإقليمى فى المنطقة.

وأخيراً، فإن محاولة الاغتيال الفاشلة التى تعرّض لها رئيس الوزراء العراقى مصطفى الكاظمى تشير بأن الأوضاع السياسية والأمنية فى العراق تتجه نحو مزيد من التعقيد والتوتر الذى سيؤثر بالضرورة على مشاورات البرلمان الجديد بشأن تشكيل الحكومة خلال الأيام المقبلة، وهى الفترة ذاتها التى تستعد فيها بغداد لمرحلة ما بعد استكمال الولايات المتحدة سحب قواتها العسكرية من الأراضى العراقية، وما سيخلفه ذلك الانسحاب من تداعيات على مجمل المشهد العراقى ببعديه الأمنى والسياسى.

«جمع السلاح» مفتاح الأزمة

يرى محللون أن انفجار الأزمة فى العراق جاء بعد دعوات مقتدى الصدر لتشكيل حكومة عراقية تكون قادرة على جمع سلاح الفصائل المسلحة، ولهذا فإن تلك الجماعات وجدت نفسها فى دائرة خطر نزع سلاحها، وفى المقابل هى تحاول الضغط للحصول على مقاعد إضافية تضمن بقاءها فى السلطة كما حصل مع جماعة «عصائب أهل الحق»، التى خسرت جميع مقاعدها البرلمانية هذه المرة وغيرها من فصائل مشابهة.

ويرى المحلل السياسى العراقى، على البيدر، أن هذه الميليشيات المسلحة ستحاول التضغط للدفع باتجاه إشراكها فى مناقشات وحسابات التشكيلة الحكومية القادمة، وهى ترغب فى الحصول على تطمينات سياسية بعدم نزع سلاحها، ولدغدغة مشاعر مناصريها.

تغيير قواعد الاشتباك

تشير محاولة اغتيال الكاظمى بطائرات مسيرة مفخخة إلى تغيير نوعى فى قواعد الاشتباك بين الأطراف المتخاصمة بالعراق، وذلك بحسب الباحث السياسى العراقى زياد العرار الذى أوضح أنها تدل على نوايا لتصعيد أمنى كبير قد يؤدى بالعراق إلى ما لا تحمد عقباه.

وأضاف العرار أنه عقب محاولة الاغتيال ندد العديد من الأطراف المسلحة وغير المسلحة المناوئة للكاظمى بالمحاولة، مما يؤشر إلى وجود أطراف مسلحة داخل العراق لم تعد تلتزم بقواعد الاشتباك التى تضعها الفصائل ذاتها.

وعن تأثير ذلك على تشكيل الحكومة القادمة، يؤكد الباحث السياسى أنها لن تؤثر على عملية إعلان النتائج النهائية للانتخابات، إلا أنها بكل تأكيد ستلقى بظلالها على آلية تشكيل الحكومة القادمة التى وصفها بأنها «مخاض عسير».

 

الآثار الاقتصادية والأزمة السياسية

تتعدى الأزمة السياسية فى العراق محيط تصارع القوى والفصائل السياسية فى البلاد، حيث إن أثر هذا التصعيد أمام الحكومة العراقية المفترض تسميتها سيترك أثره على العراق ككل، وسيكون ثقيلاً على الملف الاقتصادى بالتحديد، فكما هو معروف، يعتمد اقتصاد العراق على الإنفاق الحكومى بشكل كبير، وهذا الصراع السياسى سيؤدى إلى تأخير انعقاد البرلمان المسئول عن إقرار قانون الموازنة العامة للدولة، وما دامت هناك تجاذبات واختلافات فسيكون من الصعوبة التوافق على إقرار الموازنة بسهولة والتفاهم على بنودها والسعر المقرر لبرميل النفط الذى على أساسه تحسب الواردات ومقدار تخصيصات المشاريع والوظائف الحكومية وحصص المحافظات والأقاليم، وبالنتيجة تأخير إطلاق موازنة المشاريع الاستثمارية التى بدورها تحرك السوق وتخلق فرص عمل جديدة، وسيترك آثاراً سلبية على الاقتصاد الوطنى.

ويرى الكاتب المتخصص فى الشأن الاقتصادى، صالح لفتة أن موازنة العراق السنوية تتأخر دائماً ولا يتم إقرارها إلا بعد مضى الشهور الأولى من السنة، موضحًا أن هذه المرة الأمر يختلف لأن الاعتراض على النتائج وموعد انعقاد البرلمان الجديد ربما يطول وتنتهى السنة المالية دون إقرار الموازنة، ما سيتسبب بمشاكل وأزمات على المؤسسات الحكومية والأسواق التى ستنعكس بدورها على المواطن البسيط، بالتالى ستزيد نسبة البطالة والفقر وتتوقف عجلة التنمية بالكامل.

الخاسر الأكبر

وفق محللين، فإن إقرار الموازنة العامة تعتبر أداة رئيسة لتنفيذ أوليات الاقتصاد على المدى القريب وتساعد فى تحقيق معدلات النمو وتقليل البطالة ورفع المستوى المعاشى.

وقد حددت المادة 11 من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لعام 2019 – المعدل - منتصف أكتوبر من كل عام، موعداً لتقديم مشروع قانون الموازنة من قبل مجلس الوزراء إلى البرلمان لمناقشتها وإقرارها، إلا أنه بسبب عدم حسم نتائج الانتخابات الحالية وشكل الحكومة المقبلة بات واضحاً أن موازنة عام 2022 ستتأخر عن التوقيتات الرسمية، وسنذهب مع نهاية شهر ديسمبر المقبل، على أقل تقدير، وهو الأمر الذى سيؤدى إلى تطبيق المادة 13 من قانون الإدارة المالية الاتحادية بإصدار وزارة المالية تعميماً بالصرف بنسبة 1/12 فما دون من إجمالى المصروفات الفعلية للنفقات الحالية للسنة المالية السابقة وإلى حين المصادقة على الموازنة العامة.

ويترتب اعتماد نسبة صرف 1/12 عدة آثار سلبية على المستوى الكلى للاقتصاد العراقى والنشاط الاقتصادى.