الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

أول من رفعت شعار الفن من أجل المجهود الحربى: «أم كلثوم» الأسطورة

لم تكن العظيمة «أم كلثوم» مطربة عادية وإنما أيقونة الشرق؛ حيث استطاعت أن توحد الشعوب العربية وترسى قواعد الغناء العربى الأصيل إلى مستوى لم تعرفه الأغنية العربية بل العالمية، وتفرّغت كليًا لفنها وأخلصت له، وبَعد هزيمة الخامس من يونيو 1967 شاعت مقولة أن العرب خسروا الحرب بسبب أم كلثوم. فهى تخدّرهم بأغانى الحب والغرام والهيام والخصام الطويلة، وبعضهم اعتبر أغنياتها الطويلة وتباهيها بالثقافة المحلية انفصالًا عن الواقع.



 

وهى قالت تعليقًا على هذا القول إن كنت السبب فأنا على استعداد لاعتزال الفن. لكننا نعرف الآن أن أسباب النكسة ليست أم كلثوم ولا فن أم كلثوم؛ بل نعرف الآن أن أم كلثوم وهبت فنها وإبداعها ومحبة الناس لها للمجهود الحربى منذ هزيمة الخامس من يونيو إلى نصر السادس من أكتوبر. 

كانت «أم كلثوم» وزارة خارجية ووزارة إعلام عربى متحركة. فهى رائدة ثقافية بالمعنى العام للكلمة، باعتبارها شخصية عامة. وقصة نجاحها متعددة الأوجه فى مجتمع يتصف بطبيعته المُرَكبة. لقد كانت قيمة قومية، وهى ساعدت على تشكيل الحياة الثقافية والاجتماعية المصرية وعلى التعجيل بتحويل الثقافة إلى أيديولوچية. هذا الإنجاز هو ما استثمرته لإعادة ثقة المصرى والعربى بنفسه من أجل حرب أكتوبر.

وُلدت «فاطمة بنت إبراهيم البلتاجى»، وشهرتها «أم كلثوم»، فى الفترة من 31ديسمبر 1898، فى قرية صغيرة قرب مدينة المنصورة تسمى «طماى الزهايرة»، من أم فلاحة مصرية تعلمت منها الاستقلال والإيمان، ووالدُها الشيخ إبراهيم البلتاجى إمام مسجد القرية، وإضافة لقراءته القرآن الكريم كان يحفظ الكثير من القصائد العربية والتواشيح الدينية التى كان أهل القرية والقرى المجاورة يدعونه لإنشادها فى المناسبات الدينية والاجتماعية، وقد حفظت أم كلثوم عن والدها ذلك. وفى عام 1917 بدأت أم كلثوم الغناء وهى فى الثالثة عشرة من عمرها مع فرقة أبيها متجوّلة فى القرى والأرياف، غالبًا سيرًا على الأقدام، كمُنشدة للتواشيح الدينية والقصائد، وكانت ترتدى زى صبى ومتشحة بعقال على رأسها لتهدئة مَخاوف الأب. وسرعان ما ظهرت موهبة أم كلثوم فأصبحت مُنشدة الفرقة الأساسية، وغنت فى القاهرة لأول مرة عام 1920 لتنطلق بعد ذلك فى طريق الفن.

 فى القاهرة

وفى عام 1922 انتقلت إلى القاهرة، وكونت أول تخت موسيقى لها فى عام 1926، وكانت نقطة انطلاقها عندما تعرفت على الشاعر أحمد رامى ثم الملحن محمد القصبجى. ثم التحقت بالإذاعة المصرية عند إنشائها عام 1934، وهى أول فنانة دخلت الإذاعة، وشاركت فى عدة أفلام فى الثلاثينيات والأربعينيات كان آخرها فيلم «فاطمة» عام 1947، لتتفرغ بَعدها للغناء فقط. وتعاونت مع اثنى عشر مُلحنًا خلال خمسين عامًا من العطاء المتدفق، وهى تؤكد دائمًا على النوعية وليس الكمية، وهذا سر من أسرار نجاحها المتواصل، وقدمت ما مجموعه 300 أغنية توزعت بين القصيدة والمنولوج الغنائى والطقطوقة والأغنية السينمائية والأغنية الوطنية. وأخيرًا تفاعلها مع قضايا العرب وأمانيهم.

حفلاتها من أجل مصر جعلتها من أشهَر الشخصيات العامة التى بذلت ما تستطيع من أجل بلدها. كانت هزيمة الخامس من يونيو قد هزت مصر هزًا عنيفًا، كانت بمثابة زلزال طال الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فى طول البلاد العربية. وليس مستبعدًا أن أم كلثوم قامت بعمل حكومة كاملة من أجل مصر للرد على منتقديها من أن صوتها أحد أسباب هزيمة يونيو؛ لأن صوتها يخدر الناس بدلًا من أن يستحثهم.

خمسون عامًا من العطاء

كانت أم كلثوم على درجة عالية من الثقافة؛ حيث تعاونت مع اثنى عشر ملحنًا خلال خمسين عامًا من العطاء المتدفق، وهى تؤكد دائمًا على النوعية وليس الكمية، وهذا سر من أسرار نجاحها المتواصل، وهى قدمت ما مجموعه 300أغنية توزعت بين القصيدة والدور والمنولوج الغنائى والطقطوقة والأغنية السينمائية والأغنية الوطنية. وأخيرًا تفاعلها مع قضايا العرب وأمانيهم.

أول صوت غنائى عربى يقف على خشبة مسرح الأوليمبيا

كانت أم كلثوم أول صوت غنائى عربى يقف على خشبة مسرح الأوليمبيا فى العاصمة الفرنسية باريس وأحييت أكبر حفلتين فى 13 و15 نوفمبر عام 1967 وخصصت دخلهما بالكامل لصالح المجهود الحربى، وطالبت آنذاك كوكب الشرق بأجر أعلى من أديث بياف، مطربة فرنسا الأولى، وهو يعادل نحو 250 ألف يورو فى يومنا هذا، بما فى ذلك الإقامة فى فندق خمس نجوم، وذلك حتى تحظى فرنسا بشرف أن تكون الدولة الأوروبية الوحيدة التى تحظى بها ضمن جولة غنائية عالمية تقوم من خلالها بزيارة كل من السودان والمغرب وتونس.

وأكد «برونو كوكاتريكس» مالك ومدير صالة الأوليمبيا فى ذلك الوقت، فى أحد الحوارات التليفزيونية أن مؤسَّسته انتهجت ابتداءً من أواسط الستينيات سياسة الانفتاح على موسيقى العالم تحقيقًا للتنوع، وحدث أن زار كوكاتريكس فى أوائل عام 1966 القاهرة، فسأل وزير الثقافة وقتها، عن أم كلثوم وهل هى فنانة استعراضية، فأجابه قائلًا: «أم كلثوم مطربة عظيمة وسوف تعلم مكانتها عندما تغنى على مسرح الأوليمبيا. وعلم أنها أكبر صوت عربى فى المنطقة العربية وتعتبر بمثابة أيقونة للشرق وأن إجماع العرب من الرباط إلى دمشق منعقد على حب وتقدير فنها والكل ينتظر حفلها الشهرى ويرابط ليلة الخميس بجوار الراديو فى البيوت والمقاهى والأسواق للاستماع إلى «الست» أم كلثوم كما يُطلق عليها.

وفى أحد الحوارات التليفزيونية عندما عاد برونو كوكاتريكس إلى فرنسا لتجهيز الحفل الحاشد، قال: عُدت إلى فرنسا واضطررت لرفع ثمَن التذاكر بعد أن علمت أجرَ أم كلثوم إلا أن غالبية العرب فى فرنسا كانوا من العمال المهاجرين؛ خصوصًا من شمال إفريقيا مثل عمال البناء وغيرهم، ممن لا يستطيعون شراء التذكرة المُقدر ثمَنُها بـ 300 فرنك؛ نظرًا لمستواهم المادى المحدود.

وعندما حدثت نكسة 1967، ظن كوكاتريكس  أن أم كلثوم لن تحيى الحفلتين المتفق عليهما، إلا أنه فوجئ بإصرارها على إحياء الحفلات، ولم يكن على دراية بأنها سوف تتبرع بأجرها للمجهود الحربى، وبدأ فى طرح التذاكر للبيع، وبعد مرور شهرين لم تبع التذاكر، فشعر  كوكاتريكس بالندم وقتها، على الاتفاق مع أم كلثوم لإحياء حفل على مسرح «أوليمبيا»، واعتبرها صفقة خاسرة ضمن صفقات كثيرة ناجحة.

وكان قد اتفق مع أم كلثوم على أن تصل إلى فرنسا قبل الحفل بـ 4 أيام، وعندما وصلت طلب من التليفزيون الفرنسى وقتها إجراء حوار معها، وتم إذاعة الحوار فى نشرة الأخبار مساءً، وفى اليوم التالى للحوار التليفزيونى، فوجئ كوكاتريكس بتزاحم كبير من قِبَل المواطنين يقدر بالمئات أمام شباك التذاكر، بالإضافة إلى طائرات آتية من ألمانيا وإنجلترا، كما توافدت طائرات على مَتنها أمراءُ الخليج لحرصهم على حضور حفل أم كلثوم، وخلال يومين نفدت التذاكر.

ولعل من المواقف الطريفة أيضًا عندما سأل «كوكاتريكس» أم كلثوم عن عدد الأغنيات التى ستقوم بغنائها فى الحفل، فأجابته قائلة «2 أو 3 على الأكثر»، مما أثار القلق لديه، ودار فى ذهنه تساؤل، كيف تقدم أم كلثوم 3 أغنيات فقط؟؛ خصوصًا أن زمن الأغنية فى فرنسا لا يتعدى الـ 3دقائق، فظن أن أم كلثوم سوف تنهى فقرتها فى زمن يقل عن 20 دقيقة، إلا أنه فؤجئ بأن أغنية أم كلثوم تستغرق أكثر من ساعة زمنية.

‏‎ وقد تعرضت أم كلثوم لأحد المواقف المحرجة فى حفلها يوم 15 نوفمبر 1967، أثناء إحيائها لحفلها الثانى فى باريس...الذى بدأته بأغنية «أمل حياتى»، ثم «الأطلال» ثم «فات الميعاد»؛ حيث قام أحد المعجبين بالركض والصعود على خشبه المسرح، من أجل تقبيل قدَم السِّت، وهى مندمجة تمامًا فى الغناء، وعندما حاولت إبعاده عنها، وقعت الكارثة، وسقطا معًا على الأرض.

وكانت هذه هى رحلة كوكب الشرق الأولى إلى باريس، وقال عنها «كوكاتريكس» مدير مسرح «أوليمبيا»: أم كلثوم تستطيع ترويض الجمهور، وجاء ذلك بعد النجاح الساحق الذى حققته فى هذه الحفلة.

 شارل ديجول يرسل برقية تهنئة لأم كلثوم

وعقب انتهاء حفل أم كلثوم، كُتبت عنها العديد من المقالات الصحفية فى فرنسا، بالإضافة إلى ظهور العديد من الكتب، وفوجئت بـ «شارل ديجول»، رئيس فرنسا آنذاك يرسل إليها برقية تهنئة ويقول لها فيها: «مرحبًا بك فى فرنسا..حققتِ نجاحًا عظيمًا، وأنتِ تقدمين فنًا راقيًا.. وتقاليد فنية لها أصول وجذور فى التاريخ.. ونحن نرحب بك فى بلدنا».

لم تنته رحلة فرنسا عند هذا الحد فقط، ولم يتوقف الاحتفاء بأم كلثوم فى فرنسا طيلة أسبوع بعد حفلتها، حتى إن كبرى المجلات والصحف الفرنسية خصصت صفحات داخلها من أجل السّت، من بينها جريدة «لوموند» التى قالت فى عنوانها: «عندما تغنى إلهة الفن المصرى أم كلثوم تهتز الرؤوس من شدة النشوة، كما تهتز أغصان النخيل على النيل»، وأضافت: «حققت للمسرح أكبر دخْلٍ فى تاريخه الطويل».

واستكملت الصحيفة حديثها : «استطاعت مَلكة الغناء العربى أن تسيطر على قاعة الأوليمبيا، وتضع جمهورها تحت سحرها لمدة أربع ساعات. جاذبيتها كامنة فى صوتها الملاطف القوى الحنون، النقى كحبات الكريستال، إنها لا تجذب وتسحر رواد المسرح والمستمعين؛ وإنما تسحر كل فرد على حدة، وتخلق وحدة واندماجًا كاملًا بين خشبة المسرح والصالة. أغانيها الشاعرية وأداؤها الفريد يثير تنهدات البعض ودموع الآخرين».

 دعم أم كلثوم للمجهود الحربى

رفعت أم كلثوم بعد النكسة شعار الفن من أجل المجهود الحربى، وقالت «لن يغفل لى جفن وشعب مصر يشعر بالهزيمة». وتسابق أدباء وفنانو مصر ليحذوا حذو أم كلثوم، مع قادة مصر وزعمائها فى التبرع، ضمن حملة خاصة لدعم المجهود الحربى، التى هدفت إلى دعم قدرات الجيش المصرى وتعزيز إمكاناته.

وكان حفل دمنهور أول هذه الحفلات، أقيم الحفل فى سرادق ضخم وحضره نحو 3500 مستمع، دفعوا 39 ألف جنيه هى حصيلة هذا الحفل. كما أقيم حفل الإسكندرية فى أغسطس 1967، وبلغ إيراد هذا الحفل 100 ألف جنيه، وحققت فى حفلها بمدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية 125 ألف جنيه، وفى حفلها بمدينة طنطا بمحافظة الغربية حققت 283 ألف جنيه.

إمّا حفلها بفرنسا فقد حقق 212 ألف جنيه استرلينى لصالح المجهود الحربى، وغنت بعد ذلك فى تونس بحضور رئيسها آنذاك الحبيب بورقيبة فى استاد العاصمة، وفى المغرب غنت بحضور مَلكها الحسن الثانى، وفى الخرطوم بحضور كل القيادات السياسية السودانية، وفى لبنان، وليبيا، وإمارة أبو ظبى، ولم ينته عام 1970، إلا وقد أودعت أم كلثوم فى الخزينة المصرية 520 ألف دولار.

ولم تحصل أم كلثوم، على أىّ أموال، طوال 4 سنوات، من حصيلة ما جمعته للمجهود الحربى بعد هزيمة 67؛ حيث إن كل من هاجم سيدة الغناء، سارع إلى تقليدها، ولكن بقيت مبادرة كوكب الشرق، هى الأبرز من بين كل المبادرات للأدباء والفنانين، وكانت أول من تبرعت بمجوهراتها وجابت قرى ومدن مصر لجمع التبرعات والغناء وتخصيص إيرادات حفلاتها للمجهود الحربى.

وتحمّلت أم كلثوم، عناءَ السفر والتجوُّل والغناء على حساب ظروفها الصحية؛ حيث لم ينته عام 1970، إلا وكانت قد جمعت للمجهود الحربى أكثر من 3 ملايين دولار، ولم يدخل جيبها دولارٌ واحدٌ منها، رُغم المشقة والعناء فى التنقل والسفر؛ حيث تجاوزت من العمر آنذاك 68 عامًا.

ولم تكتفِ كوكب الشرق، بدعمها للجيش، ففى عام 1971، قررت إنشاء مشروع كبير يشمل إنشاء مسرح وفندق سياحى ليضمن توفير مورد ثابت للإنفاق على مشروعات الرعاية الاجتماعية للفقراء، وإنشاء دار لإيواء السيدات اللاتى لا مأوَى لهن، ودار للأيتام وسجلت الجمعية باسم «دار أم كلثوم للخير».

 غنت لمرارة النكسة ولم تغنِ للنصر

منعها القدرُ من الاحتفال الذى سعت وجاهدت لأجله؛ حيث مرضت مرضًا شديدًا، وتوقفت عن الغناء لسوء حالتها الصحية، وطلبت من الشاعر صالح جودت، أن يكتب أغنية بمناسبة نصر أكتوبر، وبعد عودتها طلبت من الملحن رياض السنباطى تلحينها حتى تغنيها فى عيد النصر، ولكنها توفيت قبل أن تؤديها.

وكان مطلع الأغنية «ياللى شبابك فى جنود الله.. والحرب فى قلوبهم صيام وصلاة».