الأحد 17 أكتوبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

مبادرة للمفتى تستهدف تدريب المأذون على بذل المزيد من الجهد للتحقيق فى الطلاق هل يحد تدريب المأذونين من نسب الطلاق؟

لا تزال ظاهرة ارتفاع نسب الطلاق فى مصر من القضايا التى تهدد الاستقرارَ المجتمعى، لذا كان هناك اهتمامٌ بحل هذه الظاهرة على أعلى المستويات، وتظل المؤسَّسات الدينية صاحبة دور كبير فى مواجهة ظاهرة ارتفاع الطلاق، وهو ما تنبّهت إليه دارُ الإفتاء منذ فترة ليست بالبعيدة لخطورة الأمر؛ لا سيما بعدما رصدت ارتفاع طلبات فتاوَى الطلاق لتصل إلى نصف ما تُصدره دارُ الإفتاء من فتاوَى، فاطلقت فى أواخر 2013 أولى دورات المقبلين على الزواج.



 

منذ أيام قليلة أطلق د.شوقى علام، مفتى الجمهورية، مبادرة هى الأولى من نوعها لتقليل نسب الطلاق فى مصر، وهى مبادرة تدريب المأذونين على التحقيق فى الطلاق.

وعمل المأذونية فى مصر صدر به قرار من المحكمة الشرعية عام 1920 بإسناد مسئولية تسجيل عقود الزواج، ثم أصبح هناك دائرة الأحوال الشخصية فى المحاكم الابتدائية فيما بعد.. كما توجد لائحة صادرة من وزارة العدل هى التى تنظم عمل المأذون، ولا يوجد شخص اسمه «وكيل المأذون».

وعن سبب تلك المبادرة رُغم تواجُد مبادرة تأهيل المقبلين على الزواج والتى لا تزال تنظم حتى اليوم؛ يوضح الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، أن المأذون هو المباشر بشكل كبير لحالات الطلاق، الأمرُ الذى يتطلب معه أن يكون واعيًا بكيفية مواجهتها. وأكد قائلًا: «ننصح المأذونين ببذل المزيد من الجهد للتحقيق فى الطلاق».

وشدد أن المأذون إذا شَكَّ فى حالة طلاق فلا بُدّ أن يُحيل السائل على دار الإفتاء لحل الإشكال، ونحن من جانبنا إذا وقع الطلاق نقول للزوج: لا بُدّ من الذهاب إلى المأذون وتوثيق الطلاق، ولذا فنحن ننصح المأذونين بضرورة تبصير الناس بمسألة الطلاق وتحذيرهم منه، وبذل المزيد من الجهد للتحقيق فى الطلاق.

ولفت المفتى إلى أن مشكلة الطلاق مشكلة كبيرة وتحتاج إلى عناية خاصة من كل الجهات من مؤسّسات دينية ومراكز الأبحاث الاجتماعية وعلماء الاجتماع والنفس وجميع الجهات المعنية؛ وذلك لبحث أسباب الطلاق وطرُق علاج هذه الظاهرة، فالنصوص الشرعية تتجه إلى أن الطلاق ينبغى أن يكون آخر طرُق العلاج.

وحذر د.شوقى علام من ارتفاع حلالات الطلاق فى مصر، ووصول نسب الفتاوَى التى تصدرها دارُ الإفتاء فى الطلاق إلى معدل النصف مما تصدره من فتاوَى بالآلاف، وهذا بمثابة إنذار لنا بأن هناك خطرًا ما يأتى للعلاقة الزوجية فى بدايتها.

أضاف: إن هناك تعاونًا بيننا وبين المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية لبحث ظاهرة الطلاق؛ خصوصًا أن كم الفتاوَى التى تأتى فى بداية العلاقات الزوجية والطلاق يحتاج لوقفة ودراسة عميقة.

وأوضح أن البرامج التأهيلية للشباب المقبلين على الزوج أيضًا تُسهم فى علاج تلك الظاهرة؛ حيث إنها تهدف لدورة للمقبلين على الزواج تؤهل فى إقامة العلاقة السليمة. مؤكدًا أن كلمة الطلاق أصبحت سهلة اليوم، وأن التشريع الإسلامى له دور فى علاج هذه الظاهرة.

 موقف المأذونين

وعن موقف المأذونين من تلك المبادرة يقول «م.ع» مأذون: إن المبادرة لن تلقى قبولًا من قِبَل العاملين بمجال المأذونية؛ لا سيما أن أى مأذون يأخذ المأذونية يكون عنده علم وفتوَى ودراسة فقهية، وهذا هو الغالب.. كما أن المأذون ملزم بأبى حنيفة؛ فهل سيحكم بالمذهب أَمْ بجميع المذاهب؟

أضاف: «إن الأولى من تدريب المأذون أن يتم منع شيوخ من الفتوَى فى الطلاق أو الزواج لأن المشاكل الكبرى تأتى من فتاوَى المساجد فى قضايا الطلاق، كما نطالب بأن تتم مناقشة قضية بحاجة لفتوَى رسمية للالتزام بها فى عقود الزواج وهى المُحلل؛ حيث إنه بسبب تعدد الطلاق بين الزوجين يصبحان أمام مشكلة وهى عدم القدرة على العودة للحياة الزوجية إلا بزواج آخر، ويتم من خلاله عقد زواج ثم طلاق لعودة الزوجة لزوجها الأول، وهو أمر لا بُدّ أن تكون فيه فتوَى رسمية ومُعَمَّمَة على جميع المأذونين للأخذ بها والتنبيه عليها لمن يَقدم على مسألة المحلل.

وحول قيامهم بتحويل حالات لدار الإفتاء من عدمه قال مأذون أحد الأحياء بوسط القاهرة: نحن نقابل حالات يكون الطلاق فيها لا يقع ونخبرهم بعدم وقوع الطلاق حتى يتسنى لهم استمرار حياتهم.. لكن هناك حالات نحيلها لدار الإفتاء حتى يجد مَخرجًا؛ لا سيما فى الطلقة الثالثة.

واقترح ضرورة أن يتم الاهتمام بأمور أخرى للحد من الطلاق، كأن يتم الإلزام بعمل شهادات صلاحية للزواج بمعنى أن يحصل على شهادة تأهيل للزواج قبل الزواج، وتكون من خلال دورات إجبارية للمقبلين على الزواج داخل الأزهر والإفتاء بدلًا من أن تكون تلك الدورات اختيارية، وهو ما سيُسهم فى حفاظ المتزوجين على كيان الأسرة فيما بعد.

 تأييد للمبادرة

من جهته أعرب الشيخ عبدالحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوَى الأسبق، عن تأييده لمبادرة المفتى لتدريب المأذونين قائلًا: المبادرة مطلوبة ومن شأنها أن تحل مشاكل عدة تمنع من وقوع الطلاق، لكن لا بُدّ قبل تطبيقها أن يتم تنظيم عمل المأذونية فى مصر، وتصاغ من جديد.

واستطرد قائلاً: «من المفروض أن يُعاد النظر فى المأذونين ككل؛ فلا يصح أن يتولى المأذونية شخص غير مؤهل علميًا، ولا بُدّ أن يكون من خريجى الأزهر، وصاحب سمعة وسيرة طيبة، ومُلمًا بقضايا الزواج والطلاق بحيث يعرف متى يكتب الكتاب ومتى يُطلق؟، وكيف يجمع أو يُفرّق؟، وأن يكون على قدر من الثقافة الدينية والأحكام المتعلقة بالزواج والطلاق.

كما شدّد على ضرورة أن يتم تحديد سن المأذون ويكون له تأمينات ومعاش وأن يمنع أن يُنيب أحدًا مكانه. وأوضح قائلاً: «نحن نرى مأذونين كبار السّن لا يستطيعون مباشرة العمل، لكنهم يقومون بعمل مندوب لهم لا يعرف شيئًا فى الدين وقد يكون حاصلًا على مؤهل متوسط أو أقل، ويقوم بملء استمارات العقود بلا توضيح للأزواج.

ولفت إلى أن البعض اتخذ المأذونية تجارة فيبالغ فى سعر كتابة العَقد رُغم أن أكبر عقد زواج أو طلاق يصرف عليه 300 جنيه، ولكن نرى المأذونين يحصلون على مبالغ كبيرة مما يتطلب أن تكون العقود محددًا بها أجر المأذون.

وأوضح الشيخ الأطرش قائلاً: «لقد عملت مأذونًا فى الأردن وكنت فى منطقة كل الزواج عرفى، ولكن عندما أرادت المملكة الأردنية توطين الناس تم عمل عقود للزواج والطلاق وحددت فيه أجرة المأذون والرسوم، وهو أمر لا بُدّ أن يتم تفعيله بمصر».

 طلاق شفوى

ومع أهمية تدريب المأذونين تظل قضية الطلاق متشعبة؛ خصوصًا مع الطلاق الشفوى؛ حيث إن الأزهر أصدر كلمته من خلال بيان هيئة كبار العلماء عند مناقشة هذه القضية، الذى أكد أن الطلاق الشفوى يقع إذا استوفى أركانه وشروطه دون الحاجة لتوثيقه.. مشددًا أنه على المطلق أن يبادر بتوثيق الطلاق حفاظًا على حقوق الزوجة..وأنه لولى الأمر أن يوقع العقوبة المناسبة حالة مخالفة المطلق ذلك.

وارتأت الهيئة أنّ العلاج الصحيح لهذه الظاهرة يكون فى رعاية الشباب، وتثقيفهم عن طريق أجهزة الإعلام المختلفة، والفن الهادف، والثقافة الرشيدة، والتعليم الجاد، والدعوة الدينية الجادّة المبنية على تدريب الدُّعاة وتوعيتهم بفقه الأسرة وعِظَمِ شأنها فى الإسلام؛ وذلك لتوجيه الناس نحوَ احترام ميثاق الزوجية الغليظ ورعاية الأبناء، وتثقيف المُقبلين على الزواج.

فيما يوضح د.على جمعة، رئيس اللجنة الدينية وعضو هيئة كبار العلماء، فى تصريحات صحفية أن الهيئة أصدرت بيانها حول وقوع الطلاق الشفوى حماية لمصر وشعبها وهيبتها. وقال: «إن الطلاق عقد كالزواج على حد السواء، والطلاق والزواج من الأمور الإلهية التى لا يستطيع فيها البشر أن يتصرف فيها بنفسه، ونحن لا نستطيع أن نشرع مع الله تعالى فى قضية الطلاق، وعلى العلماء أن يبحثوا فى النصوص ومنها ما هو قطعى لا يمكن أن يخالفوه ومنها ما هو ظنى يستطيعون أن يتكلموا فيه بوجهة نظر.

ولفت إلى أنه لمّا عرض على هيئة كبار العلماء الطلاق الشفوى جلست اللجان تبحث فيما يفيد المجتمع والناس والأمور الشرعية وكيفية إسقاطها على الواقع، وهذا مجمل ما فعلته هيئة كبار العلماء فى قضية الطلاق الشفوى، ورأينا أن القول بأن الطلاق الشفوى لا يقع لن يحل المشكلة؛ خصوصًا أن زيادة نسبة الطلاق كانت زيادة إحصائية من خلال الطلاق الموثق وليس الشفوى، وعليه مَن يأتى فيقول إن الطلاق الشفوى لا يقع، فذلك لا يعنى تقليل النسبة.

وعن موقف دار الإفتاء من الطلاق الشفوى يوضح د.مجدى عاشور، مستشار المفتى، أن «التحقيق فى دار الإفتاء المصرية فى الطلاق الشفوى يتم بمراحل؛ حيث يتم أولاً الاستماع للزوج ويتم التحقيق معه فى قضية الطلاق فلو تبين عدم الإدراك أو الإملاك كالغضبان الذى لا يملك نفسه نقول بعدم الوقوع، فإذا لم يستطع شيخ الإفتاء أن يصدر له حكمًا يرفع لشيخ اسمه مفتى الطلاق، فإن لم يستطع أن يصدر له تشكل له لجنة لبحث الأمر، فإن لم يصدر حكمًا يرفع الأمر للمفتى، وكل هذا للحفاظ على الأسرة والزواج.

واستطرد: «نحاول فى دار الإفتاء المصرية تصحيح أفعال الناس فى الطلاق، وإيجاد أى مَخرج لحالات الطلاق الشفوى حفاظا على الأسرة».

  طلاق لا يقع

من جانبها ترى د.سعاد صالح، أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الأصل فى الطلاق الحظر وليس الإباحة، فهو علاج للأسرة التى فشلت فى حل مشاكلها، واستنفدت حلول الإصلاح بين الزوجين، وفى هذه الحالة يكون الطلاق حفاظًا لمصلحة المرأة، وصونًا لإنسانيتها، وحماية للأبناء من التشرد؛ لأن الشريعة الإسلامية تقوم على المصلحة للعباد.

وتابعت صالح قائلة: «بكل أسف هذا التشريع الرحيم انقلب إلى نقمة ومحاولة للانتقام والتهديد والوعيد من جانب الزوج تجاه زوجته، لذا أصبحت كلمة الطلاق سهلة على لسان الزوج». مضيفة: «جعل الله الطلاق صحيحًا حينما يتلفظ الزوج بهذه الكلمة بشكل صريح وفى ضوابط معينة، لكن سوء استخدام الكلمة من جانب كثير من الأزواج يجعلهم ينكرون وقوع الطلاق شفهيًا أمام المأذون؛ خصوصًا فى حالة عدم وجود شهود».

واستطردت: «لتلك الأسباب وجب أن يكون الطلاق موثقًا عند المأذون، الذى يتطلب فيه أن يكون على دراية بمسائل الطلاق، حتى لا تكون الزوجة معلقة بلفظ قد ينكر الزوج قوله أحيانًا أو لا يتذكر أنه قاله من الأساس فى ساعة غضب». موضحة أن الله -عز وجل- أكد على ضرورة ذلك التوثيق فى سورة «الطلاق» بقوله: «فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا».

وقالت د.سعاد: «نعم أجمع الفقهاء على عدم اشتراط وقوع الطلاق موثقًا، وأنه يقع بمجرد صدور اللفظ عن الزوج، لكن الفتوَى تتغير بتغير الزمان والمكان، فلا يجب أن نربط كل شىء بعهد الرسول، وهذا ليس إنكارًا أبدًا للسُّنّة؛ ولكن عهد الرسول كان مأمونًا».